ثرايثماس

أسماء اوطاح : الريفية التي اختارت الصمت في زمن ضجيج الضباع

متابعة حراك الريف

ترعرعت في بيت بسيط كغيرها من الكثيرين من ابناء الحسيمة الذين احتضنهم سيذي عابد وباريو حدو وباريو بريرو … ابناء البحارة وابناء المهاجرين الذين لفظتهم الظروف الى الضفة الاخرى جمعتهم نفس الاوضاع وتقاسموا معا نفس المعاناة واحتضنتهم نفس الاحياء التي كانت بمثابة البيت الكبير الذي جمعهم في جو من الايخاء وغدق عليهم بفيض من الحب و الوئام . ابنة البحر وابنة الجود والكرم والعطاء ، تنفست عبير الامواج و عبق رذاذها من انامل والدها البحار وتعطرت بذرات المياه المالحة التي كانت تظل عالقة بثيابه في الصباحات الباكرة الندية قبل ان تجففها اشعة الشمس . لم يغلق باب بيتها في وجه احد يوما سواء كانت زيارتك بوجودها او بغيابها ، اذ يكفي ان تطرق الباب لتقول انك تبحث عنها لتستقبل بحفاوة وكأنك واحد من أفراد العائلة دون توجس او حواجز ، تجلس الى طاولتهم لتمد يدك لتأكل من الموجود لديهم دون تكلف ولا تصنع . طفلة في ملامحها كبيرة وشامخة في تصرفاتها ومواقفها ، حافظت على نقاء و صفاء نادر لم تلوثهما تقلبات الدهر ولا تغيرات الظروف . ظاهرها سكينة واطمئنان وبأعماقها صراع وتساؤلات تدك قلاع براءتها تبحث لها عن اجوبة شافية ، استوعبت باكرا ان هذه الحياة ليست عادلة يغلفها ظلم و استبداد يتحكمان في رقاب الناس وارزاقهم ، يحصيان انفاسهم وكل تفاصيل حياتهم ، يرسمان لهم حاضرا ومستقبلا على مقاسهم وعليهم ان لا يحلموا بابعد من الخطوط الحمراء .

عنيدة تلك الطفلة التي كانت تسكنها ولا تزال ، اصرت ان تحلم كما بقية اقرانها بغد افضل ومستقبل جميل وتعليم ينير طريقها ويغذي جوعها للمعرفة ويؤمن حياتها ويحميها من الانزلاق لمتاهات الضياع ، لكنها اصطدمت بحواجز شتى واسلاك شائكة حاصرت خطواتها وعرقلت مسيرتها واغتالت حلمها الجميل …

انها أسماء اوطاح تلك الايقونة الريفية الأصيلة التي قاومت التهميش والاقصاء وحاربت على كل الجبهات لتكون كما تريد وتحافظ على مبادءها وقناعاتها في الزمن الذي يباع ويشترى فيه كل شيء ، وقلة قليلة من يعرفها و يعرف عمقها الانساني ومسيرتها النضالية الناصعة والنقية التي لم تلوث ولم تلطخ …

في اواخر الثمانينات من القرن الماضي و في أوج النضالات التلاميذية التي عرفها اقليم الحسيمة التي كانت تطالب بتحسين ظروف التعليم الذي بدأت تعتريه بوادر الانهيار بسبب الاصلاحات التي املاها النظام والتي كانت تضرب بعمق اسس التعليم الشعبي و تقوض اركان المنظومة التربوية للطبقة العريضة لابناء الشعب التي كانت ترى في هذا المجال الحيوي والحساس وسيلة ناجعة لانعتاقها من قيود الجهل والتخلف لبناء الانسان والمجتمع على اسس متينة في عالم يعتمد العلم والمعرفة كسلاح لمجابهة المستجدات حاضرا و مستقبلا . وكانت اسماء وعائلتها من الذين دفعوا الثمن غاليا نتيجة نشاطها في الحركة التلاميذية اذ كانت من ضحايا الهجمة الشرسة للآلة القمعية المخزنية حيث طالها الاعتقال ومورس عليها كل اشكال التعذيب ولا داعي أن نذكركم باساليب المتبعة والمعتمدة بدهاليز الاجهزة الامنية وبأقبية الشرطة بزمن البصري و كذلك الحصار الرهيب الذي ضرب حول بيتها والمعاناة التي تكبدتها عائلتها في ظروف اختفاءها اذ وصل بهم الامر لاعتقال احدهم مكانها للضغط عليها لتسليم نفسها وكل هذا كان يحدث في ظروف يلفها الصمت والخوف وفي زمن لا يآزرك فيه احد ولا وجود فيه لهواتف ذكية ولا لمواقع اخبارية ولا لحملات تضامنية و لا لصور شخصية قد تملأ كل المواقع لتخدم قضيتك وتتكلم باسمك … كنت مجبرا ان تواجه مصيرك وحدك و تسير لحتفك بصدر عاري الا من ايمانك و وحدك من كان عليه ان يدفع ثمن مواقفه بقناعة تامة في غياب اي وسيلة قد ترفع معنوياتك وتسند ضعفك الانساني.
اسماء لم يكسرها السجن ولم يفت من عضدها بقدر ما صقل شخصيتها ، زادها صلابة وقوة وايمانا وحثها على المزيد من التحدي والمثابرة والشيىء الوحيد الذي هدها هو فصلها عن الدراسة حين وجدت نفسها خارج اسوار الثانوية ضائعة وحلمها يموت ويذوي . طرقت كل الابواب لكن ضيق ذات اليد حد من طموحها لتنزوي في صمت وتفكر في حل آخر قد يكون بمتناول اليد .

مشاكسة ولن تستسلم بسهولة و حلمها في التعليم ونيل الشهادات العليا لم يمت فقررت ان تجتاز امتحانات البكالوريا ضمن لوائح الاحرار وكان لها ما أرادت حيث كان النجاح من نصيبها مما مكنها من ولوج الجامعة وتحقيق حلمها الذي كاد ان يغتال .
هي من الذين يشتغلون على انفسهم ويحفرون في الصخر من اجل بناء الذات على اسس صحيحة ليس بالشعارات انما بالعلم والبحث والتقصي ولم يتوقف طموحها عند هذا الحد بل واصلت مشوارها بالضفة الاخرى بالجارة الاسبانية لتحصل على شهادتين ماستر بمجالين مختلفين .

نموذج لانسانة ناجحة بكل المقاييس تشرف الريف وتشرف المرأة الريفية ونفتخر ان نشير اليها بالبنان ونقول بكل اعتزاز هذه منا ، ثمرة طيبة من شجرة الريف المباركة .
و بالرغم من الطعنات التي تلقتها من اعداء النجاح الا انها ظلت صامدة تشتغل بصمت دون ضجيج ودون ثرثرة لا تلتفت كثيرا لأمثال هؤلاء وليس لديها وقتا تضيعه في التفاهات .
لم تتاجر بماضيها النضالي يوما ولا بمعاناتها و لا بتضحياتها اعتبرت ذلك واجبا والواجب لايحتاج للمن والشكوى ….
تصالحت مع ندوبها وجراحها لكنها لم تنسى ولن تنسى جرائم نظام لا تزال تتكرر بنفس الاساليب وان اختلفت الوجوه . شفافة وبسيطة وليس لديها ما تخفيه وواضحة وضوح الشمس … ام وزوجة ناجحة ومثقفة من الطراز الرفيع …مخلصة لقضايا الحراك و مؤمنة بمطالب الاحرار ومنحازة دوما للبسطاء من هذا الشعب الطيب البسيط .
أسماء تشبه كثيرا أمهاتنا في طيبوبتها وسعة صدرها وقوة تحملها وتسامحها وعطاءها ونقاءها …

إنها باختصار سلسبيل رقراق ينساب من أعالي جبال الريف يروي الارض العطشى بحب وسخاء .

منقول من وسائل التواصل الاجتماعي – من روائع ما كتب.

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock