أقلام حرة

إخلاص vs خولين

ذ قيس مرزوق الورياشي

خلال الأسبوعين الأخيرين وقعت حادثتان مروعتان: واحدة في المغرب (بالريف) والأخرى في إسبانيا (بالأندلس). يتعلق الأمر باختفاء تبعه موت تراجيدي لطفلين: إخلاص وخولين.

إخلاص، البنت الريفية ذات الثلاث سنوات اختفت من منزلها ولم يتم العثور عليها إلا بعد ثلاثة أسابيع وهي جثة هامدة بغابة بالقرب من دوارها.

خلال المدحة الفاصلة بين اختفاء إخلاص والعثور عليها، كان التحرك بسيطاً جدا إلى حد عدم الاكتراث رغم مناشدة بعض الضمائر على صفحات الشبكات الاجتماعية. وكان العثور عليها أقرب إلى الصدفة. لم تتحرك أية آلية جدية للبحث عن الطفلة رغم أنه كان ذلك ممكنا وبأقل تكلفة. ماتت إخلاص وذهبت طفولتها البريئة ومعها دفنّا ضمائرنا. وحتى المجتمع المدني الذي كان من الواجب أن يتحرك، بقي مترددا ولم يتجاوز عتبة الترقب و”التريث”!

في إسبانيا، بالقرب من مالقا، سقط الطفل خولين في بئر عمقه 71 مترا. وبمجرد معرفة الخبر بعد الاتصال بهاتف الإغاثة، تحركت آلة البحث وتحرك السياسيون والمجتمع المدني وكل إسبانيا.

ونظرا لضيق قطر البئر الذي سقط فيه الطفل، كان من المستحيل الوصول إليه عبر فوهة البئر. للوصول إليه جندت السلطات الإسبانية 300 عنصر من المتخصصين في حفر المناجم ومن الدرك ومن الخبراء في الجيولوجيا وطوبولوجيا الجبال ومن المتخصصين في المفرقعات الدقيقة، كل ذلك ليتم في ظرف وجيز حفر بئر مواز بعمق 70 مترا وعرض قابل لكي يمر منه شخصان، ثم بعد ذلك حفر نفق أفقي طوله أربعة أمتار يصل إلى مكان تواجد الطفل يولين، على أمل أن يعثروا عليه حياً.

الطفل خولين حرك كل الإمكانيات المادية والبشرية (300 خبير وعدة ملايين من الأورو) وحرك كل العواطف وحرك كل التضامنات في إسبانيا، وكل ذلك أملا في العثور على الطفل خولين حياً.

وعندما وصل فريق الإغاثة صبيحة يوم 26 يناير، وجد الطفل خولين جثة هامدة بعد أن سقط في البئر منذ ثلاثة عشر يوماً.

خلال الثلاثة عشر يوما، كان هناك تتبع لعملية البحث عن خولين من قبل كل تلفزات إسبانيا، وعلى مدار الساعة. وعندما تم العثور على جثة الطفل، أطل رئيس الحكومة على وسائل الإعلام ليعبر عن حزنه العميق ويقدم التعازي لأسرة الطفل ويشكر فريق الإغاثة وكل الشعب الإسباني المتضامن.

وماذا عن الطفلة إخلاص؟

لا طفولة في هذا المكان، فأجنداتنا لا تسمح للالتفاف إلى حوادث من هذا النوع. وحتى وإن سمحت الظروف للطفولة أن تعيش، فربما سيكون البحر في انتظارها!

الطفولة هي مرآتنا. وهي مقياس، ليس ليقضة ضميرنا فقط، وإنما أيضا لمستوى حضارتنا التي هي “أقل من بغل وأكثر من حمار”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock