أقلام حرة

استقلال الريف على ضوء القانون الدولي ومبدأ تقرير مصير الشعوب

فكري الأزراق

يعتبر حق تقرير المصير للشعوب من المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر باعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب على أساس المساواة بين الناس، لذلك كانت هناك صلة قوية ومباشرة بين مفهوم حق تقرير المصير بكل أشكاله، وبين مفهوم حقوق الإنسان كفرد أو جماعة عرقية أو ثقافية من جهة، والديمقراطية في صيغتها المتطورة من جهة أخرى، وتتضح أهمية هذا الحق كونه يشكل الإطار العام الذي تندرج ضمنه الحقوق الأخرى، بيد أنه لا يُمكن المطالبة بحقوق الإنسان الفردية في ظل غياب حق الشعب في بناء دولته ونموذجه السياسي الذي يصون هذه الحقوق، و الذي يشمل الحق في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة وفعليه على إقليمها ومواردها والحق في استخدام كافه الوسائل المشروعة لتحقيق ذلك، وفق ما نص عليه قرار الجمعية العامة رقم 637 الصادر سنة 1952 الذي جعلت بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا ضروريا للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها، (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ..)، أي الاستقلال بالمعنى السياسي في حرية الاستقلال السياسي عن الأنظمة الاستعمارية المتسلطة المضطهدة كنظام الاحتلال المغربي.

إن الشعب الريفي بصفته شعبا ذاتيا بالمعنى السياسي للكلمة، حيث تتمثل ذاتيته بوحدته في مشاعره وماضيه وأهدافه انطلاقاً من وحدة نضاله وتطلعاته، فالتاريخ المشترك للشعب الريفي، والعوامل المشتركة لذاتيته (ثقافية، لغوية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، وقد يضاف اليها: دينية وعرقية …. الخ.) تساعد في تميّزه عن “الذاتيات” الأخرى بأفريقيا الشمالية أو بالفضاء الأرومتوسطي على حد سواء، وهذا العامل –وحدة الشعب – يُعتبر داعما قويا للإرث التاريخي الريفي، وحافزا قوي لخلق كيان مستقل في بلاد الريف، بيد أن وجود بلاد الريف المسكونة بشعب غير منظم سياسياً لا يمكن أن تُعتبر بلادا خالية يمكن للنظام المغربي احتلالها، ولكون بلاد الريف عرفت في تاريخها الطويل نظامها السياسي الخاص في استقلالية تامة عن الأنظمة المُتعاقبة على شمال أفريقيا، إلى حدود القضاء على جمهورية الريف الأولى (1921 – 1927).

ولذلك فإن حق الريفيين في بناء دولتهم المستقلة تؤطره آلية الحق في تقرير المصير التي أصبحت من القواعد الدولية الآمرة التي تفرض إلزاميتها القانونية على جميع الدول من دون الحاجة إلى تصديق هذه الدول عليها، وذلك بما لا يتعارض مع هذه القواعد الآمرة لهذه المنظومة القانونية، ووفق ما نصت عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة ومنها:

ميثاق الأمم المتحدة الأول (26 يونيو 1945) الذي أكد الحق في تقرير المصير في إلزاميته القانونية، فقد نصّت المادة الاولى، في فقرتها الثانية، من هذا الميثاق على أن من أهداف الأمم المتحدة: “إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها الحق في تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العالمي”.
المادة الخامسة والخمسون من الميثاق ذاته التي نصت على : “رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم المتحدة مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، تعمل الأمم المتحدة على:

أ –  تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب الاستخدام المتصل لكل فرد والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

ب – تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية والاجتماعية والصحية وما يتصل بها، وتعزيز التعاون الدولي في أمور الثقافة والتعليم.

ج – أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء، ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً.

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر سنة 1960 القاضي بـ “منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”، حيث أكدت الجمعية العامة أن “لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها. ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدّد بحرية، مركزها السياسي. وتسعى بحريّة إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”. ومن أجل ذلك طالبت الجمعية العامة جميع الدول بضرورة الالتزام بهذا الإعلان بكافة تفاصيله، وأكدت أن أية محاولة تهدف إلى تعطيل أو عرقلة ممارسة هذا الحق في تقرير المصير تعتبر مخالفة لميثاق الأمم المتحدة.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 حيث ورد بشكل صريح في المادة الأولى من هذا العهد “إن لكل الشعوب الحق في تقرير المصير. ولها، بموجب هذا الحق أن تقرّر، بحرية وضعها السياسي وأن تسعى بحرية أيضاً إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

– نفس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، والذي يتمتع بالإلزامية القانونية ذاتها، حيث يؤكد في مادته الأولى، :”الحق في تقرير المصير وذلك في سياق سيادة الشعوب على مقدّراتها الاقتصادية وتراثها الثقافي بالإضافة إلى استقلالها السياسي كذلك”.

– إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1970 حول “مبادئ القانون الدولي المتعلّقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدّة”، والذي نص على “الإقرار بحق كل الشعوب في تقرير مصيرها، من دون تدخّل خارجي، بما في ذلك تقرير وضعها السياسي والسعي إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى كل دولة احترام هذا الحق بما يتناسب مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة”.

– اتفاقية هلسنكي للدول الأوروبية في العام 1975 التي حرصت على الحدود الأوروبية من جهة وعلى ضرورة الاعتراف بحق تقرير المصير والمساعدة على تطبيقه من جهة ثانية.

بالإضافة إلى جملة من الآليات الدولية الأخرى التي أشار اليها ميثاق الأمم المتحدة بصدد التعجيل في تقرير مصير الشعوب المُستعمرة، ومن أبرز هذه الآليات “نظام الوصاية الدولي” الذي أكد الميثاق على مبادئه التحرّرية وعلى مجلسه المركب وعلى تدخل الأمم المتحدة مباشرة من أجل إنهاء الاستعمار ومنح الشعوب المستعمرة استقلالها، وبروتوكولات الممارسة الدبلوماسية ذات الصلة بهذه المواثيق والداعمة لحق تقرير المصير وإنهاء الاستعمار، ومن جملتها :

مساهمة مجلس الأمن الدولي الفاعلة منذ التسعينات من أجل تنفيذ الحق في تقرير المصير من قبل الشعوب المستعمرةّ، كموقفه الحاسم في ما يتعلّق بـ “ناميبيا”، حيث طالب جنوب أفريقيا برفع يدها عن المستعمرة. وتعهّد مباشرة رعايتها حتى استقلّت في العام 1990، وأيضا مواقفه الحاسمة في عدد من الدول التي سعى إلى تعزيز الديمقراطية فيها من خلال الإشراف على استفتاءات شعبية أو على انتخابات عامة لتثبيت الاستقرار السياسي في الدول، أو لإجراء المصالحات الوطنية أو ما شابه ذلك.

الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية، وإن كانت لا تحمل طابع الإلزامية، سواء من خلال السماح لمجلس الأمن بالتدخل أو التأكيد على حق تقرير المصير بإلزاميته القانونية الكاملة. فالرأي الاستشاري الذي أصدرته المحكمة سنة 1970 مثلاً حول الاستثناء من موجب عدم التدخل إذا تبيّن أن الانتداب على بعض المناطق (ناميبيا تحديداً) قد أُسيء الهدف منه وأُسيء استخدامه… كان له أبرز الأثر في السماح لمجلس الأمن بالتدخل. أو كما حدث مع الرأي الاستشاري الآخر، في العام 1975، الصادر عن محكمة العدل الدولية والمتعلق بمسألة الصحراء الغربية، حيث قضت بالإلزامية القانونية للحق في تقرير المصير وبواجب الدول احترام هذا الحق والمساهمة في تحقيقه.

إن تطبيق هذا الحق يُمكن من الإلغاء الفوري والكامل لسيطرة أي شعب على أي شعب آخر، بما يعني حرية هذه الشعوب في تحديد مركزها السياسي والاقتصادي والثقافي بمعزل عن أي نفوذ أو ضغط مباشر أو غير مباشر اياً كان نوعه وعلى أي صوره وبأي ذريعة تعلل، ليتمكن الشعب الريفي، الذي عانى كثيرا ولا يزال يُعاني من الهيمنة الأجنبية (=المغربية)، في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله في إطار السيادة الكاملة لبلاد الريف تماشيا مع مُقتضيات القانون الدولي الضامن لحق الشعب الريفي، باعتباره شعب من الشعوب المحتلة، في تقرير مصيره وبناء دولته الوطنية بكل حرية.

وإذا كان حق تقرير المصير يقوم على أساس حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها، أي التحرر من الاستعمار والسيطرة وتأسيس دولة مستقلة ذات كيان سياسي مستقل على أساس المساواة بين الشعوب في هذا الحق، فمن الطبيعي أن يكون للشعب  الريفي هذا الحق، لكن تطبيقه يتوقف على مدى قوة الطرح الريفي على المستوى الدولي من جهة، ومدى دعم المنتظم الدولي لتطبيق هذا الحق في هذه الحالة، خاصة في ظل المتغيرات الجيوسياسية الحالية على المستويين الإقليمي والدولي.

الوسوم

تعليق واحد

  1. تقرير المصير للشعب الامازيغي بصفة عامة والشعب الريفي بصفة خاصة، ولاكن تخويناتك في الأعوام الماضية للاحرار الاوفياء لنهج مولاي موحند العظيم لا نثق فيك رغم كتاباتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق