ثقافة

اعادة للحوار الذي اجرته موقع ثويزا مع الفنان سعيد الزروالي

أجرى الحوار: بوستاتي عبد العال

يمثل سعيد الزروالي تجربة غنائية طويلة حافلة بالمشاركات في مختلف المهرجانات والأنشطة الفنية والنضالية عبر مختلف المناطق المغربية في ضيافة الجمعيات الأمازيغية والجامعات، حاملا هم النضال الملتزم والجاد في سبيل القضية الأمازيغية…

وتجدر الإشارة إلى أن الفنان سعيد الزروالي الذي ينتمي إلى منطقة آيت إزناسن المعروفة بنضالها الريادي والتاريخي كمنطقة أمازيغية عرفت بمقاومتها الباسلة لكل الاستعمارات، وهو ما جسده الفنان سعيد الزروالي عبر أغانيه، موظفا إيقاع المنطقة ليضفي عليها طابعا أمازيغيا يعكس جمالية الأغنية الأمازيغية وقدرتها على التعبير عن هموم وأحاسيس الإنسان الأمازيغي. التقينا هذا الفنان فأجرينا معه هذا الحوار، الذي حمل إلينا من خلاله الكثير من الآمال والآلام كذالك.

سؤال: من هو سعيد الزروالي؟

جواب: سعيد الزروالي قبل كل شيء إنسان أمازيغي من مدينة بركان، أبلغ من العمر 37 سنة. بدايتي في عالم الفن كانت منذ مرحلة الطفولة. إلا أن البداية الحقيقية في عالم الفن الموسيقي كانت في العشرينات من عمري، أي في فترة أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، وكانت تلك هي المرحلة التي اتضحت لي فيها معالم الطريق الفني الذي سلكته اليوم.

سؤال: هل لك أن تتحدث لنا عن المرحلة التي كانت بداية لنضجك الفني؟

جواب: ماذا سأقول لك، فالإنسان في طفولته يتلمس ما ينتظره في المستقبل، وأنا الآن أظن أني أعيش ما كنت أحلم به في صغري، أي أن بعض متمنياتي على المستوى الفني قد تحققت بشكل أو بآخر. فالإنسان في صغره يعرف ولو بشكل نسبي الطريق الذي سيسلكه. وتتدخل في ذلك مجموعة من العوامل كالتربية والبيئة والمحيط العائلي، وكل هذه العوامل توجه الإنسان وتضعه أمام صورته المستقبلية بشكل واضح.

سؤال: الأغنية الأمازيغية بالريف حققت الشيء الكثير رغم انعدام الفضاءات لاكتشاف المواهب. إلى ماذا ترجع هذه الفارقة؟

جواب: سؤال في محله، وما أود أن أقوله أن الأغنية الأمازيغية بالريف تطورت بشكل كبير رغم انعدام أبسط شروط الممارسة الفنية. فإذا تطرقنا إلى الموسيقى في الريف في مختلف جوانبها، سواء المتعلقة بالجانب الذي يمكن تسميته بالأغنية السوقية أو الأغنية الملتزمة، فإن كليهما تطورت. فمثلا تجربة مجموعة ثذرين أنفتحت على الموسيقى العالمية من خلال تواجدها بأوروبا حيث استعانوا بتجارب عصرية وأدخلوها على الأغنية الريفية دون التنازل عما هو أصيل، أي الموروث الأمازيغي الريفي. فالموسيقى الريفية تطورت وبسرعة كبيرة رغم غياب المعاهد الموسيقية بالريف وفرضت نفسها بشكل احترافي

سؤال: إلى ماذا يرجع هذا النجاح. هل لأن الفنانين الريفيين لديهم موسيقى عالية المستوى أم أن هذه الأغنية لديها حمولة تفرض نفسها بمشروعية كلماتها. وبالتالي هذا العمل هو الذي أدى إلى فرضها أم أن في الأمر شيئا آخر؟

جواب: هناك عدة عوامل الواحد مكمل للآخر، والتي تؤدي بالأغنية الريفية إلى فرض نفسها. فالموقع الجغرافي واسم الريف يلعبان دوريهما. فأنا أعتبر الريف أن صح التعبير ملتقى الموسيقى العالمية حيث نجد أن مختلف الأصناف الموسيقية معروفة في الريف وهذا راجع إلى انفتاح منطقة الريف على العالم باعتبارها منطقة حساسة وبوابة أوروبا. والإنسان الريفي لديه ثقافة متوسطية غنية. وكما نعرف فعندما نتحدث عن البحر الأبيض المتوسط والشعوب المحيطة به فإننا نتحدث عن العالم كله لأنه مركز أهم الحضارات التي عرفها التاريخ. فالريف أثر وتأثر بشكل كبير بكل ما يحيط به وليس في المجال الموسيقى فقط. فحتى على المستوى اللغوي مثلا فالإنسان الريفي منفتح على مجموعة من اللغات ويتقن الحديث بها. وبشكل سهل خصوصا في مدن الناظور وبركان والحسيمة. وهذا ما يعطي لنا صورة عن حب الإنسان الريفي للغات الأخرى دون عقد…

سؤال: كما قلت في كلامك هناك موجة تاريخية من التأثير والتأثر بين منطقة الريف وباقي الشعوب الأخرى وفي جميع الميادين. هل يمكن لك أن تتحدث لنا عن هذا في علاقته بميدان الموسيقى؟ خصوصا وأن مجموعة من الفنانين أنفسهم يجزمون بكون الأغنية الريفية تأثرت بما هو خارجي أكثر من انطلاقها مما هو ريفي أصيل؟

جواب: هذه نقطة قوة بالنسبة للأغنية الريفية لأنها انفتحت على كل الأجناس الموسيقية الأخرى. حتى إن سلمنا بفكرة التأثر الكبير للأغنية الريفية بما هو خارجي، فالجميل والإيجابي في كل هذا أنه عندما نسمع هذه الأغنية تحس بأن الجوهر أمازيغي وهذا هو الأساس. فممكن الاستعانة بأساليب الجاز أو الروك لكن الأساس هو تمزيغت. فالموسيقى بالدرجة الأولى هي مجال للحوار الحضاري الحقيقي بين الشعوب. فمثلا سمفونية رالاابويا موجودة عندنا في الريف وموجودة أيضا في أمريكا واسبانيا وروسيا… والإيقاع أيضا كان محور التأثير والتأثر بين الشعوب بدون حدود. وهذا جيد للأغنية الأمازيغية بصفة عامة.

سؤال: لكن هل حاول الفنانون الريفيون سواء القدامى أو الجدد أن ينتجوا لنا أغنية ريفية في أقصى مواصفاتها من حيث توظيف اللحن والموسيقى والتراث الريفي؟ وماذا عن تهرب الفنانين الشباب من التراث؟

جواب: هناك إشكالية أتمنى أن تفهم وأن يعيها المهتمون بهذا المجال. فعندما نتحدث عن التراث الريفي الأصيل نجد أنه قد ميع بشكل كبير وأصبح الهدف منه تجاريا أكثر من أي شيء حتى وإن كانت الموسيقى لدى الفنانين وسيلة للتعبير عن معاناتهم وهمومهم وكذا أفراحهم. إلا أن التراث أصبح مميعا ويعبر عن ثقافة هابطة. وهنا يطرح السؤال حول الفنانين الذين يشتغلون في ميدان الموسيقى الملتزمة والموسيقى بصفة عامة، والذين يحاولون التهرب من التراث نتيجة ما شاب هذا الصنف الإبداعي من شوائب. فالموسيقى المائعة هي السائدة في الساحة. والفنان الملتزم بدون شعور يتهرب من التراث حتى لا يسقط في الميوعة. فالتراث ليس ملك طرف دون آخر بل هو ملك للشعب ومسؤولية تطويره والحفاظ عليه هي مسؤوليتنا نحن. ونحن أمام خيارين إما أن نساهم في تطوير هذا التراث وأن نوظفه بشكل سليم، وإما أن نترك الوضع على ما هو عليه وبالتالي سيصبح عرضة للضياع والميوعة.

سؤال: منطقة آيت يزناسن معروفة في الريف بتراثها الفني الأصيل. هل حاول سعيد الزروالي توظيف هذا التراث في أغانيه؟

جواب: شخصيا ليس لدي أي مشكل مع التراث. وكنت أتخوف من خوض تجربة في هذا الإطار لكن مؤخرا عندما أصدرت شريطي الغنائي الأول كانت الأغنية الأولى حول المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي ولم أكن أرغب أن أضفى عليه ذالك الأسلوب البكائي المعهود، بل وظفت فيه أسلوبا احتفاليا. وتوظيفي للتراث في هذه الأغنية كان بشكل احترافي يتجاوز الأنماط السوقية المميعة للتراث كما حاولت ما أمكن الخروج عن المألوف وحتى كلمات الأغنية كانت منتقاة وهادفة وهذا التوظيف للتراث كن بشكل جيد ومتميز عن ما يسمى بالأغنية السوقية.

سؤال: مجموعة من الأغاني الجيدة المعروفة لدينا والتي لم يتضمنها الشريط الأول، لماذا لم تضمنها في هذا الشريط؟ هل هذا يعني أن سعيد الزروالي مقبل على طرح شريط غنائي جديد؟

جواب:بالفعل كانت لدي عدة أغان جيدة مثل مايمي ويلينويلي وكنت قد برمجتها لكن السبب الذي جعلني لم أسجلها في الشريط الأول هو عدم توفر الشروط الموسيقية. فمعظم الأغاني تسجل بموسيقى تكون مبرمجة في السانتي لأن المسؤولين عن الاستوديوهات ألفوا العمل مع المنتوجات التجارية والتي لا تتجاوز في الغالب ثلاث لازمات موسيقية. فأغنية يلينويلي تتوفر على مجموعة من الإيقاعات والأشكال الموسيقية. فالموسيقى الذي تكلف بتسجيل شريط الأول فرض علي أن أدرج في هذا الشريط الأغاني التي لا يتجاوز عدد إيقاعاتها ثلاثة. فالمشكل هو مشكل الموسيقين. وما أتمناه في التجربة الثانية هي أن تكون أحسن من الأولى وبالتالي تعويض وتدارك كل الأخطاء التي وردت فيها وأنا الآن أفكر في تسجيل البوم ثانٍ.

سؤال: في موضوع آخر ما هو تقييم سعيد الزروالي للحركة الأمازيغية بالريف باعتبارك أحد فاعليها؟

جواب: الحركة الأمازيغية في تطور مستمر ومفروض عليها أن تتطور أكثر. فهذه السنة مثلا يمكن اعتبارها سنة وحدت الأمازيغ خاصة في الريف. وذلك عن طريق مجموعة من التنسيقيات والأشكال التنظيمية… ما أود أن أقوله أن على الجمعيات الأمازيغية أن لا تبقى دائما في مواقف الانتظارية بل يجب البحث عن مبادرات جديدة والتنسيق مع المنظمات الخارجية واقتحام المجال التنموي والاجتماعي. أي ملامسة هموم المواطن الأمازيغي ومشاكله لأن دور الجمعيات هو إعطاء صورة جيدة لنفسها لدى المواطنين وأن لا يكون لها هدف انتهازي انتخابي. وإنما كجمعيات متطوعة تسعى إلى خدمة المجتمع. ولدينا نحن الأمازيغ مجموعة من القيم كقيمة ثاويزا التي يجب استثمارها في هذا المجال وتحريكها. وهذا لا يعني أن نترك جانبا الملف المطلبي للحركة الأمازيغية بل أن تكون هناك مواكبة متوازنه بين ما هو رمزي نضالي وبين ما هو مادي.

سؤال: وماذا عن علاقة الفنان الريفي الملتزم بالمسؤولين عن الشأن الثقافي بالريف؟

جواب: الفنان الأمازيغي إذا أراد المسؤولون أن يقدموا له المساعدة فما عليهم إلا أن يوفروا له شركات الإنتاج وغيرها.. في الريف يوجد العديد من الفنانين الذين يحاولون بمجهوداتهم الخاصة إنتاج وإبداع أغان وألحان جديدة. لكن في ظل غياب شركات الإنتاج المدعمة وسيادة الشركات التي تبحث عن مصالحها المادية فقط فإن الأمر يكون صعبا للغاية.

وإذا أردنا الحديث عن مؤسسات الدول التي يهمها هذا الشأن والتي ترصد لها ميزانية ضخمة لدعم الفن، وأخص بالذكر هنا مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية باعتباره المسؤول عن الثقافة الأمازيغية حيث نجد أن هذه المنشأة لا تقوم بواجبها تجاه الفنان الأمازيغي خاصة الريفي كما أنها تمارس الرقابة القبلية على المنتوج الفني الذي ستقدم له الدعم وتقوم بدور محاكم التفتيش في ما إذا كان ذلك المنتوج يحتوي على موضوعات غير موافقة لتصورها للقضية الأمازيغية… وما نطلبه من هذه المؤسسة إذا كانت لا تستطيع أن تقدم لنا الدعم بدون أن تفرض علينا قيودها، أرى أنه من الأحسن أن تدعنا وشأننا. لأن الفن يسعى إلى كسر القيود وتجاوز الطابوهات فكيف يمكن أن يقبل أن تفرض عليه هذه القيود. وهنا يطرح السؤال هل هذه المؤسسة جاءت من أجل النهوض بالثقافة الأمازيغية كما يقال أم من أجل تلجيمها. وما يجب أن لا ينسى هو أن مسؤولية الثقافة الأمازيغية على المستوى الرسمي ملقاة على عاتق IRCAM ويتحمل مسؤوليته التاريخية في ذلك. وأن لا يكتفي بتنظيم بعض الأمسيات والملتقيات الشعرية الطريفة.

أنا كفنان أحس بأن هناك إقصاء ولامبالاة من طرف هذه المؤسسة تجاه فناني الريف ولا أعرف سبب ذلك هل هو نتيجة لأن هذه المؤسسة تكرس تصور الدولة تجاه هذه المنطقة أو نتيجة أننا نوظف ما قدمه أجدادنا من تضحيات في سبيل هذه الأرض. أم أن الأمر شيء آخر.

سؤال: هذا الموضوع أثار جدلا كبيرا في ما يخص علاقة المعهد بمنطقة الريف وهنا العديد من التساؤلات المطروحة. لكن وبعيدا عن هذا الموضوع ما علاقة سعيد الزروالي بمسقط رأسه بركان؟

جواب: منطقة بركان اسمها الحقيقي هو آيت يزناسن على مر التاريخ وتسمية بركان جاءت مع الاستعمار. فالمنطقة منذ الاستقلال تعرضت لموجة من التعريب أدى بها إلى فقدان العديد من خصوصياتها الأمازيغية. فروح المقاومة التي ميزت هذه المنطقة وساكنتها تلاشت، كما أن هذه المدينة كانت تسمى في عهد الاستعمار الفرنسي ب “LA PTITE SUiSsE” فهي منطقة غنية جدا من حيث مواردها الطبيعية وتضم أزيد من 70 ألف هكتار من الأراضي السقوية. ومن الجانب الآخر نجد بأن المنطقة مهمشة إلى أقصى درجة. وهذا ما تدل عليه مؤشرات الفقر والبطالة بالمنطقة وانعدام أبسط البنيات التحتية. وهنا يطرح السؤال أين توظف عائدات هذه الموارد التي تنتجها المدينة؟ ويحضر هنا سؤال النظام الإداري المغربي الذي لا يحترم الجهوية في مفهومها الصحيح وخصوصا في الجانب الاقتصادي. فالسكان في مدينة بركان صراحة يشعرون بأنهم يتعرضون لنهب ثرواتهم مع سبق الإصرار والترصد ولا يستطيعون أن يحركوا ساكنا. وهناك مقولة سائدة تقول بأن هذا التهميش والإقصاء الذي يعيشه أبناء آيت يزناسن هي فاتورة دين ما قدمه أجدادهم من نضالات ضد المستعمر من أجل الدفاع عن هذه المنطقة والتهميش كن جزاءهم…

سؤال: ماذا عن الرموز الموسيقية والأدبية لمنطقة ايت يزناسن؟

جواب: الرموز والرواد الذين أنتجتهم هذه المنطقة تم تجاهلهم وطمس وجودهم كما هو الشأن بالنسبة لأغلب رواد منطقة الريف. فهناك العديد من الأصناف الموسيقية الضاربة في عمق تاريخ المنطقة كالركادة واعلوي الذي له رواده. وهناك نماذج وأطراف ميعت هذا النوع من الصنف الإبداعي وأعطت له صبغة مائعة أثرت بشكل سلبي على الفن بالمنطقة وجعلته عرضة للضياع. كما أن لهذه الفنون مجموعة من الرواد الذين طوروه وحملوا مسؤولية حفظه مثل الشيخ اليوسي الذي غنى الأغنية الشهيرة “الباسبور” والشيخ احمد ليو الذي كان يقوم بالحلقة في الأسواق رغم أنه ضرير. هؤلاء على سبيل المثال فقط لا تزال أغانيهم موجودة الآن، الجمهور لا يعرفهم ولا يعرف إلا أغانيهم.

ملحوظة: نعتذر للفنأن سعيد الزروالي لأن الشريط الذي سجلت فيه كلمته الأخيرة ورأيه في بعض الشخصيات الأمازيغية قد ضاع.

المصدد موقع ثويزا

8C320C4F-B2F4-422A-B1C3-E78384766384

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock