تمازيغت

الأمازيغية الدين والحداثة: بحث في حدود العلاقة

قراءة وتقديم أشلحي محمد

كتيب صغير للأستاذ الحسين الإدريسي من منشورات الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة سنة 2009. يحاول الكاتب من خلال هذا البحث القيم استفزاز مخيلتنا بقراءته التاريخية المتميزة لعلاقة الدين بالثقافة المحلية ،فمنذ البداية يضعنا الباحث أمام الإشكالية المطروحة في العنوان ويعتبر أن طرح الأسئلة الشائكة أكثر أهمية من تحديد الأجوبة، لأن الموضوع أكبر من أن تصاغ في حقه أجوبة سريعة سهلة و محسومة سلفا، فالمنهجية العلمية تقتضي النسبية والتعددية في وجهات النظر، ليغوص بنا بعد ذلك مباشرة في جوهر الإشكالية ،التعددية الدينية والوحدة الأمازيغية معتبرا الظاهرة الدينية الوافدة ظاهرة قديمة ومتعددة وليست حبيسة الإعتقاد الإسلامي كما يوهم البعض فالدين إحساس فردي وإجتماعي يضرب بجذوره في التاريخ، فلا يمكن بداية التأريخ للمنطقة ببداية الدخول الإسلامي فإذا كان الأمازيغ يعتنق غالبيتهم الدين الإسلامي حاليا، فكذلك الأمر قديما إذ إعتنقوا المجوسية واليهودية والمسيحية فكان الدين عاملا متغيرا بتغير موازين القوى بينما ظلت الهوية الأمازيغية عنصرا ثابتا، فكان الدين يتسم في الغالب بسمات عرقية مستوردة وأي معتنق لها لابد أن يدعي إنتسابه إلى منطلق تلك الديانة وفي الغالب التنكر لثقافته المحلية، مما ساهم في إشعال الصراعات الدينية بين الأمازيغ أنفسهم فكان القديس أغسطين مثلا شديد الحقد والكراهية لليهودية ومعتنقيها، إلا أن هذا المنطق سرعان ما ينقلب بمجرد إستعاب تعاليم هذه الديانات فتأسست مذاهب وتيارات إجتماعية دينية محلية، ففي اليهودية تمرد الأمازيغ اليهود على الحخام ريباش الذي حاول توحيد جميع اليهود تحت سلطته وفي المسيحية سجل التاريخ الحركة الدوناتية التي ساهمت في إنشقاق الكنيسة الإفريقية إلى كاثوليكية تابعة لروما وكنيسة دوناتوسية محلية،وكذلك في فترة دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا حيث سجل التاريخ ثورات عديدة كان وأبرزها ثورة الخوارج الإباضية بقيادة المطغري. ثم خالد بن حميد الزناتي ،لتشكل بذلك إستمرارا موضوعيا للمقاومة التي واجهت جيوش الفاتحين الأوائل.
والمتمعن المتبصر في كل هذه الثورات سيلاحظ أن لها منهج وسلوك واحد في التصدي للغزات، وهو الإنطلاق من الدين الجديد نفسه مما جعل الأمازيغ يساهمون باجتهادتهم في إغناء المخزون الثقافي والديني وجعل مصادر المعرفة الدينية محلية ومن دون التنكر والانسلاخ من هويتهم الأمازيغية لذلك يدافع الباحث عن المورفولوجية الإجتماعية والثقافية للإسلام الأمازيغي ويعتبر ذلك ضرورة ملحة لفهم وتقبل التعدد، لأنه من المستحيل أن ينسلخ أي مجتمع عن موروثه الثقافي الإجتماعية بمجرد دخوله في ديانة جديدة، فالمعتقدات والأفكار والمنسوجات الثقافية هي التي تتحكم في مستوى حركية ودينامية المجتمع، فلا يمكن جعل نسخة الإسلام السعودي الصحراوي أنموذجا ونسخة عالمية، فعالمية الإسلام تكمن في مصادر هذا الدين الإله الواحد ورسوله وكتابه وليس في بيئته، فالتمثلات الثقافية والسلوكية للمجتمعات تختلف وفي هذا السياق يمكن إدراج الإختلاف الحاصل بين إبن رشد والغزالي.
بعد هذه القراءة النقدية التاريخية يغوص بنا الكاتب في قراءة تحليلية متميزة لهذه التمثلات المحلية إذ إعتبر”الممارسة الدينية الشعبية بمثابة الحصن الأخير للدفاع عن الموروث الثقافي، فهو الميدان الوحيد المتبقي الذي يجد فيه المرء شيئا من حريته” ما دامت المؤسسات الرسمية موشومة بالمراقبة وبنمط ثقافي غريب عن الفرد والجماعة، وهنا يتساوى الأمي والمثقف الأكاديمي، فهذا أستاذ المنطق طه عبد الرحمان يمارس الحضرة والجذبة إلى حد التصبب عرقا في حضرة شيخ الزاوية، وذلك مؤرخ معروف يختلي بنفسه ليمارس نفس الطقوس وفي الجانب اليهودي، نجد مثقف تقدمي في حجم أبراهام السرفاتي أو سيمون ليفي لم يتنكرا يوما للممارسات الثقافية للمواسم والإحتفالات الدينية اليهودية.
هكذا يضعنا الباحث أمام مورفولوجية متعددة ليقربنا أكثر إلى السؤال الإشكال الأول: أي كيف يمكن الإنطلاق من الإسلام الأمازيغي ذو الخصوصية المحلية والمتعدد في تمظهراته ومعانقة الحداثة العالمية، إنها إشكالية عويصة وتحدي كبير للفاعلين الثقافيين الأمازيغيين فهل نكتفي بتحنيط الموروث الثقافي والتباهي به أمام العالم واعتبار أنفسنا مختلفين ومتميزين؟ وبالمقابل هل تدعونا الحداثة إلى التبرؤ والتنكر لذاتنا الثقافية والروحية المشتركة؟
ولتفكيك هذه الأسئلة وغيرها يدعونا الكاتب إلى ضرورة صبر أغوار الحداثة ذاتها، فيقول على لسان ألان تورين “أن وحدة الحداثة لا تستدعي وحدة التحديث “فسبل التحديث متعدد ة وأفضلها من ينبع من الداخل وأن يكون المجتمع قادر على تحقيق نفسه بنفسه دون ضغط أو تدخل خارجي بمعنى أن يكون التحديث منطلقا من التعبئة الإجتماعية ذلك أن الحداثة عند دوركايم مثلا تتمثل في زيادة الكثافة المعنوية .
ينبغي إذا أن لا ننساق وراء أصحاب الدعوة العالمية للحداثة، فهم يحتقرون كل موروث ثقافي ويعتبرونه خرافيا لا عقلانيا لا يتناسب مع عقلانية الحداثة مع العلم أن هذا الوطء المتعمد لايحقق لا الحداثة ولا التقدم المرجوان، إن إستلهام النقد الخارجي لا ينفع في البناء الداخلي فالتنمية ليست تطورا وإنتقالا من الخاص إلى العالمي بل هي إنتقال مستمر من نمط مجتمعي إلى نمط آخر أحسن منه ولذلك تفترض التنمية ثلاثة أشياء : أزمة في النظام الإجتماعي والثقافي القائم وضرورة وجود حوافز خارجية والقدرة على تحقيق التراكم .
فلابد من الموازنة والمواءمة، فأي خطأ في قراءة المجتمع والتاريخ سيؤدي بنا إلى تشوهات في تشخيص الخصوصية الثقافية، وأية قراءة خاطئة للحداثة ستؤدي بنا إلى حداثة فاقدة لروحها.
هكذا أخذنا الأستاذ الحسين الإدريسي رحمه الله في سفر ممتع عبر التاريخ الديني للمنطقة وموقف السلفيين والحداثيين من الخصوصية الثقافية والدينية وصولا إلى إمكانية تحقيق التنمية /الحداثة إنطلاقا من هذة الخصوصية.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock