الريف بعيون الريفيين

الباحث و المؤرخ ذ. مصطفى الغديري للوطن الآن: المخزن نجح في زرع الرعب لدى النخب الريفية المدنية والعسكرية

متابعة حراك الريف

يرى مصطفى الغديري، أستاذ بجامعة محمد الأول بوجدة و إبن منطقة أمجاو بقبيلة آيث سعيذ، أن منطقة الريف راكمت أعطابا كبرى بدءا من الاستعمار الإسباني الجائع الذي لم يترك إلا النكبة، وانتهاء برفض السلطات المغربية الاستجابة لمطلب نقل رفات البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي ليدفن بالريف مرورا بالجراح الغادرة التي بصمها كل من الجنيرال أوفقير والوزير القوي في عهد الحسن الثاني، إدريس البصري.
واعتبارا لهذه الأسباب تبقى المبالغ الكبرى التي استثمرتها الدولة في الريف (240 مليار درهم في السنوات العشر الماضية) في نظر محاورنا، قليلة جدا مقارنة مع الفظاعات التي عرفها شريط الريف

* ضخت الدولة في السنوات العشر الماضية ما يقارب 240 مليار درهم كاستثمار عمومي في شريط الشمال، وهو مبلغ لم تحظ به أي منطقة بالمغرب. وعوض أن يكون الشمال واحة أمان ومكان يضم حلفاء للسلطات العمومية نراه يتحول إلى منبت لكل أشكال الاحتجاج ضد الدولة. كيف تفسر هذه المفارقة؟
** قبل الإجابة عن سؤالكم الهام المتعلق باستثمار الدولة لـ240 مليار درهم خلال السنوات العشر الأخيرة، لا بد من وضع الجهة الشمالية للمغرب في إطارها الجغرافي والتاريخي والإداري لتتبين لنا نتائج الاستثمار لهذه الملايير، إن صح ذلك؟
فبالنسبة للإطار الجغرافي لا بد أن نعلم أن مساحة الجهة الشمالية من المغرب تعادل ما يقرب أو يفوق ضعف مساحة دول البنلوكس مجتمعة (بلجيكا وهولاندا، ولوكسبورغ)، وأغلب أراضيها كتل من الهضاب والجبال، ولا تتعدى المساحة الصالحة للزراعة الثلث منها، ولم تكن تتوافر إلى عهد قريب على أبسط البنى التحية، من طرق وإنارة ومنشآت فنية لتصفية المياه العادمة التي تسيل من المجاري. والطريق الوحيد الذي يعتبر الشريان المغذي للمنطقة هو الطريق الساحلي الذي تم تدشين جزء منه منذ بضع سنوات. أما الجزء الآخر فلم ينطلق فيه السير إلا منذ السنة الماضية.
أما الإطار التاريخي فينبغي أن نعلم أن قدََرَ المنطقة تسلط عليها الاستعمار الإسباني الجائع الذي أتى على الأخضر واليابس، فلم تسلم منه حتى نبات السدرة الشوكي الذي قام الإسبان بقطعه وحمله إلى إسبانيا ليستغل في الأفران لطهي الخبر. ويكفي أن نعلم أن الاستعمار الإسباني الذي جثم على المنطقة مدة نصف قرن من الزمن، لم يترك وراءه عند الانسحاب الجزئي منها إلا آثار الثكنات التي بدت للعيان كأنها آثار للنؤي، بعد أن سحبت من فوقها قطع من القصدير والزنك. كما أن هذا الاستعمار الغاشم خلف وراءه نسبة الأمية تتعدى 95 في المائة من الساكنة التي بقيت عمن هُجّر من منازلها وقراها. كما أن الموت قد حصد أكثر أفراد العائلة في الحرب الأهلية الإسبانية، تلك التي أودت بربع مليون من الموتى والمعطوبين والمفقودين من أبنائها في حرب لا قبل لهم بها. وحين جاء الاستقلال الناقص كانت التركة ثقيلة على المنطقة من الجياع والعراة والمظلومين ومعطوبي الحرب.
أما الإطار الإداري، فيشهد التاريخ أن المخزن المغربي منذ الاستقلال سلط على المنطقة الشمالية المسؤلين ممن لا ضمير لهم، فغرسوا فيها جميع الأمراض الاجتماعية من تفقير وتجويع وإشاعة للنهب والرشوة. ولعل ما فعل أوفقير وزبانيته في حق الريف والريفيين وما قام به السي إدريس وأزلامه في حق المنطقة ذاتها يعتبر أبشع نموذج يذكره أبناء الريف.وسيستحضره التاريخ المعاصر. وما زالت المنطقة تؤدي ضريبة مخلفات هؤلاء وأمثالهم. والمسؤولون من المجلس الوطني لحقوق الإنسان يصرحون باستمرار بأن جبر الضرر لم يتم بعد في الريف وفي حق الريفيين.
إذن الضريبة ثقيلة على مدى نصف قرن، ولا يمكن لـ 240 مليار (إن استثمر هذا المقدار في شمال المغرب) أن يمسح ما ارتكب في حق هذه المنطقة التي تمثل جزءا هاما من المغرب، والتي كان لها دور ريادي في المقاومة وتحرير الوطن من الاستعمارين الغاشمين. ويكفي أن نعلم أن ضحايا الكوارث بإقليم الحسيمة لم يعوض فيها كثير من السكان بعد، فكيف تريد من هؤلاء أن يتوقفوا على الاحتجاج أو أن يكونوا حلفاء للسلطات العمومية، وهي التي ساهمت في كل الأمراض التي يعرفها الريف؟ أليس مطلب أبناء الريف من نقل رفات البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الوطن مشروعا بل هو واجب؟ لماذا لم يستجب بعد لهذا المطلب الشعبي والوطني لدفن رفاته في مسقط رأسه؟ فليحلل القارئ الكريم ليصل إلى النتيجة؟

* في أفق الانتخابات المقبلة يتم الحديث عن تقطيع جهوي جديد يتضمن فصل الحسيمة عن مجالها الحالي ودمجها بطنجة. ماهي المعايير التي اعتمدها أصحاب هذا المقترح؟ وهل تراها معايير ملائمة وناجعة؟
** إن مسألة الجهة والجهوية والتقطيع الجهوي قد أسال كثيرا من الحبر، وبحت به كثير من الأصوات في الريف، تلك التي نادت وتنادي باستمرار بإعادة النظر في رسم الجهة المكونة بالأقاليم التي تشكل تكاملا اقتصاديا فيما بينها. لكن للأسف تخطيط الجهات يتم وراء الستار. فتارة نسمع أن الحسيمة ستنضم إلى الجهة الشرقية، وطورا إلى طنجة وتطوان، وطورا آخر إلى تازة وكرسيف وتاونات… فمنذ ما يقرب من سنتين أو ثلاث نزل مشروع للجهة والجهوية، ثم ما لبثنا نسمع أن هناك ناسخا لذلك المشروع. ولا ندري ما الناسخ ولا المنسوخ، وما هي المعايير المعتمدة؟ فالمسؤول ليس أدرى من السائل.

* مرت أكثر من 50 سنة على استقلال المغرب، وهي فترة تمكنت فيها الدولة من تذويب المكون القبلي والاثني في مختلف مناطق البلاد، باستثناء منطقة الريف، حيث ما زلنا نلاحظ نوع من التشدد في إعلان الانتماء لـ”الهوية الريفية” أو “القومية الريفية”. لماذا؟
** المسألة ليست متعلقة بمنطقة الريف من حيث التشدد في إعلان الهوية، وإنما مرتبطة بمنع أبناء الريف من التعبير عن هويتهم الأمازيغية المغربية، لأنه إلى عهد قريب لم تكن هناك إلا هوية واحدة مفروضة، وهي هوية ميشيل عفلق. ولم يسبق لأبناء الريف أن عبروا عن قومية غير القومية المغربية بكل عناصرها التي تشكل وحدة المغرب. وإذا كان المخزن المغربي على مدى خمسين قد منع أبناء الريف من التعبير عن شخصيتهم ولغتهم، فكيف تطلب منهم تذويب الخلاف ومنع الاحتجاج في التعبير عن مطالبهم المشروعة. أليس الضغط يولد الانفجار كما يقول علماء الفيزياء؟ إن الدولة زمن الرصاص لم تكن تسعى إلى تذويب المكون القبلي والإثني بقدر ما كانت تغذيه وتعمل على إبرازه وتنميته.

* يتولى العديد من نخب الريف مناصب سامية (مدنية وأمنية وعسكرية)، ومع ذلك لا نلاحظ بصماتهم عبر جر جزء من المنافع العمومية بالمنطقة عكس الحال بالنسبة لنخب المناطق الأخرى (شرق+ فاس+ سوس…إلخ.) كيف تفسر جحود النخب الريفية اتجاه مناطقهم؟
** لقد أصبت المفصل يا أخي بهذا السؤال. نعم، لقد كان هناك أطر من أبناء الريف في مختلف المناصب السامية، المدنية منها والعسكرية. ولكن للأسف كان المخزن يغرس فيهم الذعر والخوف من ذكر كل ما له صلة بالريف. حتى إن الكثير منهم كان يوصي العاملين بديوانه عدم استقبال أي ريفي طلب المقابلة. بل صار الخوف يجري في دمهم جري الأكسجين. ويكفي أن تعلم أن بعضهم، إن لم أقل أغلبهم، كانوا يرفضون التحدث بالأمازيغية خوفا من أن يتهم بأنه ريفي، كأن الانتماء إلى الريف تهمة!! وأذكر أن أحد المسؤولين الكبار قد زار مدينة الناظور – وهو منها – على إثر أحداث 1984، تلك التي سميت بعام المطالبة بالدقيق، بدل أن يواسي المقهورين ممن استشهد أبناؤهم أو سيقوا إلى سجن وادي لاو، قام يخطب من شرفة العمالة يصب جام غضبه على أبناء الإقليم، يهددهم بمزيد من العقاب إن لم تهدأ روعتهم وتخلوا عن الاحتجاج. هذا نموذج من أولئك الذين دار حولهم السؤال؟ ولنا أمثلة حية في البرلمان – بغرفتيه – الذي يضم ممثلي الشعب، كم من مرة نسمع صوت ممثلي الريف؟ وكم هي الأصوات التي نسمع لها باستمرار؟، بل هناك من لم يسمع صوته قط على مدى عهدة نيابية أو أكثر؟ وربما لا تظهر صورته إلا يوم الدعاية للانتخابات، أو يوم الافتتاح السنة النيابية في الجمعة الأولى من شهر أكتوبر.
والشيء بالشيء يذكر، فقد سئل المرحوم النائب الشريف الوزاني – ممثل إقليم الحسيمة – الذي ظل في البرلمان منذ أول انتخاب سنة 1963 إلى أن توفي وهو برلماني: ما هو سر نجاحك في البرلمان في جميع أطوار الانتخابات النيابية إلى يومنا هذا؟أجاب – رحمه الله – إن سر نجاحي يكمن في كوني أمثل طبقة الأميين، أما أنتم المثقفون فليس لكم مناصرون أو مؤيدون (بدون تعليق).

* إلى عهد قريب كان الانتحاريون ينحدرون من أحواض اليوسفية ومثلث طنجة تطوان الفنيدق، إلا أن العدوى انتقلت إلى المراكز الحضرية الريفية بإقليمي الناظور والحسيمة. كيف تفسر زحف التدين الوهابي والسلفي على الريف المعروف بتمسكه بالتدين المغربي؟
** لا أدري لماذا يركز على أبناء الريف حين يصادف أحد الانتحاريين ينحدر من المنطقة الشمالية. وحين يكون هؤلاء من خارج الريف يقال أحد المغاربة أومجموعة من المغاربة دون تحديد إقليمهم؟. نعم قد يكون بعض هؤلاء من الريف كما يكون من العيون أو من اليوسفية أو من أكادير. ولكن حين يكون من الريف ينبغي ألا ننسى أن الريف يحاط بمليلية وسبتة، حيث باض وفرخ الجهل بالدين. ولا ننسى أيضا أن أغلب هؤلاء الذين يسمون (بالجهاديين) يكون قد ترعرع في أروبا، حيث يسود الجهل بقيم الإسلام السمحة، وحيث يكثر المهربون الدينيون من المشرق الذين ينشرون قيم أبي قتادة، أو قيم الوهابية أو غيرها من المذاهب المغالية. كما أن الحرمان والقهر قد يولد كل رذيلة تدعو إلى سفك الدماء. ولنا أمثلة كثيرة في من أدينوا في المحاكم بمختلف الجرائم التي ارتكبوها باسم الدفاع عن الدين، والدين منهم برئ. ولعل ظاهرة التكفير التي طفحت على السطح هذه الأيام يستحق منا الوقوف والتأمل.
إذن قد تنتشر ظاهرة الانتحاريين في الريف وفي المناطق ا|لأخرى من المغرب على حد سواء كلما توافرت الشروط، حيث يعشش الجهل ويفرخ الظلم وينتشر الجهل بقيم الدين الحقيقة.

من هو مصطفى الغديري؟

– مصطفى الغديري أستاذ جامعي حاصل على دكتوراه الدولة في تراث الغرب الإسلامي
– أستاذ باحث في تراث الغرب الإسلامي عامة، وفي تراث الريف خاصة
– فاعل جمعوي في عدة جمعيات ثقافية واجتماعية
– مستشارجماعي سابقا
– فاعل حقوقي في جمعيات حقوقية، وعضو في اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهةالريف.
– أستاذ زائر في عدة جامعات أوربية
العدد551
حاوره: أبو أنير

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock