الريف بعيون الريفييندراسات وأبحاث

التنظيم السياسي الريفي. تـعـريف مـاهـيـته و إشـكـالـياته

رشيد أفقير

تمهيد

ربما للوهلة الأولى تبدو مسألة ” الفعل التنظيمي” الجمعوي التطوعي من البديهيات، أو اليقينيات  والأساسيات المتجاوزة، وقد يضن البعض أنه مكسبا، لكن الظرفية و النسق العام الريفي، التاريخي والسياسي، وكذا نظام التفاعلات و العلاقات و السلوكيات، ونوعية التشكيلات السياسية المدنية الريفية ، تتبث العكس، و  تطرح إشكاليات ومفارقات وجب  إبرازها وتوضيحها و الوقوف على حقيقتها

كثير ما نسمع بالدعوة والتحفيز على الاندماج في التنظيم و “بناء تنظيم وفعل سياسي ريفي، جامع وموحد، محلي، او عابر للقبيلة (الريف) أو دولي (الشتات) ” الى غير ذألك من العبارات، لكن ما المقصود من “التنظيم”، وما هو مدلوله أو بالأحرى، ماهي العناصر الجوهرية  و المعايير التي يجب أن تتوافر فيه؟  هل فعلا هناك تنظيم ريفي؟  هل للكيانات القائمة تأثير في حركة التاريخ،  قادرة  على إنتاج بديل جدّي و ولوج السلطة السياسية أو تحقيق تغيير جذري في الدولة  ؟  هل  تتملّك أدوات تغيير الأوضاع، و النظام ،وتحرير المؤسسات والسلطات، وتحرير الريف من القهر والظلم والاستبداد، وترعى مصالحه الكبرى، على المدى المتوسط والبعيد، وقضاياه المصيرية ؟ في رأيي هي تساؤلات موضوعية، وموضع بحثي هام، جدير بالقراءة والتمعن، والوقوف على تداعياته، وهو ما سأقوم به في هذه الورقة التحليلية من خلال تقييم التجربة الريفية من زاوية هذا المعطى، وذالك إستنادا إلى منطلقات نظرية وميدانية للإطارات الناشطة، جماعات كانت أم أفراد

كفكرة عامة، أجد نفسي أمام الإستنتاج والطرح التالي، والذي يجسد رؤيتي الراهنة: رغم كثرة وتزايد الإطارات والأصوات المعارضة والمنتقدة، والمتمردة، فليس للريفيين تنظيم رادع، ذو قيمة تمثيلية يرتقي لمستوى تطلعات شعب يريد التحرر، ومستوى الإمساك بزمام الأمور و المشاركة السياسية والنفوذ، ومقارعة أو تقويض خيارات المصادر الكبرى للسلطة السياسية الحقيقية في المغرب. جل الأدبيات السوسيولوجية الشائعة، و مقارباتها للنماذج القائمة في الساحة، تقتصر على الشكليات والتمظهرات في تبنيها لمفاهيم العمل النضالي المنظَّم

ملحوظة:

  1. لاشك أن هذا التقييم لا يقلص من ديناميكية ” الكيانات “التنظيمية” القائمة، والمبادرات والأنشطة الميدانية و التحركات بكل أشكالها، المتواضعة والبسيطة، إذ أني أثمن حسناتها، لأنها تساهم في إضفاء نوع ما من الحيوية على الحياة والمسرح السياسي و تقوي الروابط والعلاقات الاجتماعية و التواصل بين الأفراد، و فيها انهماك و صدق و إخلاص في المطالبة، و معاناة و تضحيات جسام في خدمة قضايا “الريف” ، مشهود بها، من وقت وطاقة و مال الأفراد و الفئات القائمين عليها  .
  2. تجدر الإشارة إلى أنني لست مع فكرة الوحدة -هذا لا يتضمن دعوة أو دعاية إلى الفوضى- لأنه مفهوم مبهوم، يلفه الغموض، وزائف، يتناقض وطبيعة الإنسان، غير قابل للتحقيق على أرض الواقع (يميل الى الطوباوية والرومانسية)، فضلا عن غياب الدواعي والحاجة لذالك. أستحضر في هذ الإطار، المقولة الشائعة لعبد الكريم الخطابي “عدم الإحساس بالمسؤولية هو السبب في الفشل، فكل واحد ينتظر أن يبدأ غيره”. أكثر من ذالك، إنتظار تحقق شروط  الوحدة قد تسفر عن تعطيل الأطراف التي تسعى الى بلوغ هذه الغاية، وعرقلة حركتها ،  كما قد تشكل  عامل كبح للدينامية الريفية وطبيعتها التعددية، ثم قد تحمل في طياتها مخطط مغزاه إحتواء القوى، موظفا الذكاء العاطفي!!!
  3. وإن لم أكن بصدد تقديم حلول لسبب بسيط ،أن عامة الناس تعي وتستوعب الحلول والمخارج، لربما قد ترد ضمنيا في التوصيفات التي سترد في هذا الإسهام
  4. المقصود بالتنظيم الريفي هنا يرد في مفهومه المجتمعي( مقابل التنظيم االإداري والصناعي و المقاولاتي ) الشامل و يغطي كافة المجالات و”التيارات”، والحراكات الشبابية و الهوياتية و النسائية التي تنشط في المجال الريفي، ليس فقط في وعاء “حراك الحسيمة” الراهن، معركة مرحلية، ظرفية، عابرة، محدودة في الزمان، ومتحوِّلة ، في طور التلاشي و الاحتضار لأسباب موضوعية وذاتية، تقتضيها طبيعة العصر و  صيرورة الواقع، وتعد من مُسلَّمات نتاجات علمية في حقل سوسيولوجية التنظيمات، و سوسيولوجية الحركات الاجتماعية (المراحل العمرية  والتي  تضمُّ عمليّة النشأة،  والنمو، ثم الإنصهار أو التحول)

تعريف ماهية مفهوم “التنظيم” و تجليات”نموذج التنظيم الريفي”

 

عموما تجمع التعريفات على أن التنظيم يقتضي أطر فكرية وأهداف وبرامج وجذية، فهو عمل مؤسسي، متماسك و مهيكل من الناحية القانونية ومأطر إداريا ، مبني على أسس علمية ومنهجية، تحكمه منظومة واضحة من المفاهيم والمبادئ المشتركة ، والقواعد التنظيمية والبرامج، والأهداف، ، يسعى بوعي وإصرار الى تحقيق منظومته السالفة الذكر ، عبرالتخطيط الإستراتيجي و المرحلي، والقدرة على إستقطاب وتعبئة الشعب والمحافظة على استمراريته ( النشاط اليوميّ والدؤوبً)   (Talcott Parsons)

أما التنظيم بمفهومه الضيق والمألوف في المجال الريفي ، يمكن تلخيصه في مايلي:  تنظيمات عفوية ( مقاربة ! Ɛaan ɣa zzat waha) يشكلها  نسيج متشابك من الأفراد، أصدقاء ومعارف، تنشط تحت حرارة اللحظة، قائمة على مبادرات متناثرة، تُحاكي مبادرات لوبيات الضغط . كل ما تقوم به هو التشهير ومحاولة “التضييق” على رموز الدولة،  والتشويش على إستراتيجياتها (غالبا على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي)، دون امتلاكها مشروعاً أو طموحاً تغييرياً، و عجزها على تحدي سياسات وخطوات السلطة

وضع المجموعات السياسية المدنية الريفية الراهنة   تؤشر إلى كونها قوالب متشابهة في فلسفتها التدبيرية وآليات اشتغالها (الترافع)، ونشاطاتها المطلبية التغييرية (التجمّعات والمسيرات، ومهرجانات تضامن ) ، ليست لها خصائص بالضرورة (مشروع  مضبوط، منشود و محدد،… على سبيل المثال، ليس الحصر)، تركز على الفرعيات ،و تغفل  القضايا الجوهرية ،  تعتمد على شخصيات مؤسسيها بدلاً من التركيز على البرامج و فكرة المَؤْسسة . غالبا ما نسمع مجموعة “فلان”، الملهم، المتربع على كرسي الزعامة، ونجد ألأتباع ينبضون بنبضه، و يربطون مصير التشكيل بشخصه ، ويتم إعلائه إلى مرتبة المقدسات.  (Max Weber)

بعض الإشكالاات المرتبطة بالتنظيمات الريفية

 

من جملة هذه الإشكالات البنيوية والقيمية والوظيفية، أذكر منها على النحو التالي :

  • التشكيلات الريفية هجينة، خليط ركيك وغير متناسق، متوسط أمد حياة غالبها قرابة 5 سنوات
  • تشتمل على مجموعات، نخبوية ومنغلقة على ذاتها، محدودة الذكاء والخبرة والكفاءة
  • ليس وازنة، وفاعلة ومأثرة على الأحداث والسياسات العامّة وغير قادرة على إستقطاب الجماهير و تفعيل الغضب الريفي، واستثماره في تعديل موازين القوى.
  • تفتقد للقدرة على التنظيم والثبات والاستمرارية وديمومة نشاطاتها
  • النزعة الارتجالية والفوضوية والاستبدادية، و تبنّ قواعد لعبة الأنظمة المستبدة  وتعيد إنتاج الأنماط نفسها من قاموس وسلوكيات وثقافة التدبير ،…
  • ضعف إرتباطها بالحقائق على الأرض ، لها قاعدة جماهيرية مزيفة
  • تفتقد إلى مرجعية سياسية معارضة، وازنة، و ممنهجة، متماسكة، قادرة على التخطيط الاستراتيجي من أجل تحقيق الأهداف، وعلى مقارعة السلطة
  • ليس قائمة على مبادئ وأهداف مشتركة، لاتسعى إلى بلوغ ممارسة السلطة السياسية أو المشاركة فيها على أقل تقدير، ولا تقوم على آليات منهجية وايديولوجية فكرية منسجمة مع الواقع، بل مادية و براغماتية
  • ترتكز على المقاومة وليس على الكفاح والنضال، ليست بسياسية بقدر ما لها خلفية ومنطلقات حقوقية ومجتمعية أو ثقافية
  • عدم التزام أعضائها بالقرارات وبالقوانين الداخلية

بخصوص الفاعل الريفي

 

  • غالبا ما يتلقى الفاعل الريفي العمل بالضوابط والقيود كأنه تضييق على الذات والبيروقراطية التقنوقراطيية، وهو ما يجعله يبتعد عنه، وأحياناً ينفر منه بشكل كامل
  • وقوع انحرافات سيئة، غير صحية، كالخلط بين الحياة الخاصة والعملية، وعدم احترام حدود الإطار و سريةمعطيات ومعلومات التنظيم وكذا المتعلقة بأعضائه، فضلا عن كثرة قناصة الاستطلاع،  محركهم الأساسي هو جمع الإستخبارات (ﺒﻴﺎﻨــﺎت وﻤﻌﻠوﻤـﺎت) حول الأفراد، الشخصية منها ( اﻟﺳﻣﺎﺕ ﺍﻹﻳﺟﺎﺑﻳﺔ ﻭﺍﻟﺳﻠﺑﻳﺔ) والإجتماعية ، و التكتيكيية ، وذالك من خلال  المراقبة المنتظمة،  لمعرفة نقط الضعف،  تأهبا لظروف مواتية للإستقواء بها   وتوظيفها كسلاح، وكل هذا في اطار ساحة المعركة  مبهومة المعالم ، وغير مستقرة
  • العمل بالتفكير القطبي ومبدأ القوة المجرّدة من أية أبعاد أخلاقية أو قيمية، والمفرغة من الطاقات والقيم الإنسانية التي يسمو بها النضال (Taɣennant; Tamɣra n buqeyyuɛ)
  • عدم التحلي بروح تنافسية، وبروز أفراد لا ترى حاجة لتغييير أساليب عملهم، هوايتهمالمحببة التركيز الممنهج على اثارة إصطدامات هامشية، و البلطجة كأسلوب نضالي، و زرع التوجّس والشك ضد أطراف هي أيضا في الممانعة ، وكدا توجيه الإنتقادات ضدهم  وممارسة الإقصاء عليهم و تحقيرهم
  • المناورة والتلاعب والتدافع لامتلاك جدارة القيادة والريادة وتقمص أدوار زعامة العمل السياسي، و المنافسة والتهافت على هذا اللقب والهرولة لتولي المناصب
  • يقضي الفاعل الريفي اوقاتا في تنظيم لقاءات ومفواضات و  نقاشات وتحاليل ومؤتمرات ، تستهلك الجهد والوقت، للدعاية الى العمل المنظم ، المشترك ، والوحدة ووو لكن، في خاتمة المطاف، نتفاجأ بتقلب مزاجه، ذون سابق إنظار، و أنه قد “ضرب في الزيرو” كل تلك المجهودات الحثيثة المبذولة، و قد “عمل ما في رأسه” ( استجاب لهواه) وخرج من اللعبة، بلا محاسبة ولامساءلة أمام من كانو يشاركونه المشروع، ضاربا بعرض الحائط التزاماته، وإنخراطه،… وذالك لأسباب، منها ضنه أنه “تواحشات ليه” ، أو “طلاع ليه الزبل لراسو”، ثم يتوجه  إلى حائطة الفايسبوكي، وميدانه الرقمي، لكي يطلق ليفا  أوأليافا، يخصصه لإبراز بطوليته و شجاعته  و تحصيل ما تيسر من “الجَمْجَمَة”  ثم تنديد بالمؤامرة التي حكيت ضده، و بأطراف، كانت وهمية أو واقعية،  يسميهم بالخونة، ويتهمهم بالعمالة،  والإرتباط بأجندات و إملاءات معينة، قيقوم بنشر الأكاذيب والشائعات و تبرير موقفه، وانه سحب ثقته من تلك المجموعة، ولم تبقى تربطه بها أي صلة، مستخدما لغة الشتائم والتهديدات الخشنة المعروفة، في انتظار المبادرة التالية، ليستأنف عادته، و ليعود ليطل برأسه ، ويتراجع  فيها عن مواقفه التنديدية، ويعود لصوابه وعقله،  كأن شيئا لم يقع… وتستمر الحياة على هذا المنحى

مالايمكن اعتباره تنظيم

  • حب الريف والإنتماء إليه، عقليا ووجدانيا واجتماعيا، لا يكفي ليجعل منك مناضل ويضفى عليك شرعية معينة، ولايحقق شروط التنظيم
  • الغلو في الحماسة، و”الحايحة” والنزوع نحو التصعيد والتجذر، والزخم الثوري الصوري، لا يعني تنظيم
  • تسويق روايات وتمثلات و تصورات عاف عليه الزمن، وترديد نفس القاموس والمصطلحات العلمية الزائفة، الشعبوية والغوغائية المفرطة، في شكلها ومضمونها، والتي أضحى الجمهور يعهدها و  سئم منها، لا يعني تنظيم
  • اعتماد الدعاية السياسية المبنية على الوقاحة والعنف الرمزي الخطابي التحريضي،  و نشر البهتان و الخزعبلات ، والعنترية/التعنتر في التعاطي مع الأحداث، لاتمت للتنظيم باي صلة
  • تشويه صورة وسمعة النظام ومؤسساته الرسمية ، سواء كان ذالك كذبا أو صوابا ، و استصغارها، لا يعني تنظيم
  • أن يكون لك رصيد معرفي واذراك ووعي بالتاريخ وبرهانات الحاضر، أو أن تقوم بتدوّين و نشر مواقف تسميها “سياسية”، أو أن تكثف نشاطك على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يكفي وحده لاستكمال كافة الظروف اللازمة للتنظيم
  • معركة الشعارات بعيدة كل البعد عن مفهوم التنظيم
  • التباهي والرياء في العمل “النضالي”، والتظاهر بالوفاء، والثقة، والولاء والتّضحية من أجل “الريف”، و الإقبال على مواقع التواصل الإجتماعي للإعلان على إنشاء تكتلات و تحالفات، دون أي نص تأسيسي،و خلايا و هيئات و تنظيم داخلي، تدعيماً لمبدأ الشفافية، تعد مسرحية هزلية، تغلب عليها السذاجة، و هدفها الوحيد، و الغير المعلن، إغاظة الأطراف المخالفة، وإشباع النرجيسية و الغرور و الأنانية ليس إلا
  • ثقافة الاختلاف والتناقض والتضاد بين أطياف الشعب في الريف لا تعني حتما تناقض في مشاريع اجتماعية ورؤى سياسية واقتصادية وبرنامجية
  • كثرة المسميات والثوار والفصائل والكيانات المختلفة اشكالها والخيارات السياسية و”البرنامجية” التي تنتشر هنا وهناك، إنما هو تضخيم وتعظيم، لا يعني حتما ان هناك تنظيم وجذية، فهو في غالب الأحيان، قتل للوقت واستئناس، وحبا في اثارة الإنتباه، فسرعان ما تتبخر، دون رجعة

خاتمة

في الختام، لابد من الإشارة إلى أنني لا أتنكر لكينونة الدوائر الناشطة في الساحة، وللأدوار التي تلعبها، غايتي ليست إساءة تقدير أهميتها أو إساءة الظن بفاعليها ورميها بالفشل والإخفاق، هدفي هو الخوض في صلب مفهوم التنظيم في المشهدية السياسية الريفية ، خاصة الجانب التنظيمي، من خلال مقاربة بسيطة، وعرض الاختلالات التي تعرفها، في شكل مبسط، وبلغة واضحة، وذالك لغايات، أدرج من ضمنها مايلي :

  • تفعيل دور التشكيلات الريفية التي أصبح لها حضور و أتبثت وجودها، وتعمل نسبياً رغم قلة الإمكانات و الموارد المختلفة، السياسية واقتصادية، الازمة، وتموقعها في بيئة وظروف معقدة  وغير مستقرة
  • زحزحة الذهنية المتأصلة في نفسية الفاعل الريفي، والموجِّهة لممارساته التنظيمية السائدة.
  • الإسهام في تجديد والنهوض بألية الفعل السياسي، وتطوير الجانب المؤسساتي في مجال التنظيم، تعزيز القدرات التنظيمية للإطارات على نحو ممنهج، توسيع ساحاتها التغييرية، بخلاف ما هو عليه الأمر في الواقع الراهن
  • تحسين المصداقية والفاعلية، وأداء الفاعلين السياسيين، اقتداءا بالمناهج والأساليب والطرق التنظيمية العلمية والسليمة، المتعارف عليها

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock