أقلام حرةمعتقل

الجزءالثالث من مقال المعتقل السياسي محمد جلول حول افتتاح كرسي العروي والدولة الوطنية والايديولوجيا القومية العربية واشياء اخرى.

متابعة حراك الريف

-نعم نلوم عبد الله العروي وأمثاله الذين لازالوا يصرون على الدفاع عن الباطل وثقافة بالية حبيسة براديغم اسطورة عرقية_ تيولوجية لا يقبلها لا دين ولا عقل، ولا يمكن ان تنتج عقلية متنورة تعترف بالآخر ككائن انساني له نفس الاعتبار والحقوق التي يبغيها كل امرئ لنفسه، ولا يمكن أن تنتج ثقافة ديموقراطية تعترف بالمساواة وبالتعدد، ولا يمكن ان تنتج قيما وطنية حقيقية تقوم على أساس الانتماء للوطن بعيدا عن اية خلفيات عرقية أو دينية اوثقافية في بناء علاقة المواطنة مع الاخرين من ابناء الوطن.
-ولا يمكن أن تستشرف معالم ديموقراطية إنسانية جديدة تنبني على قيم المدنية ليس بالمفهوم الخلدوني البائد الذي للاسد مازال يتبناه العروي و مازال يتعلق به، بل المدنية بالمفهوم الانساني التي تنتصر لكرامة الإنسان وتحارب النوازع الأنانية فيه وتحمي حقوق الأقليات والضعفاء، وتقطع مع كل أشكال الاستبداد والتعصب الديني والعرقي…وبالتالي لا يمكن أن تأسس لدولة مدنية ديموقراطية حقيقة بمفهومها المعاصر التي يجب أن تقوم على عقد إجتماعي وليس على سلطة الغلبة كمفهوم بائد ومنبوذ لأن شرط دخول المدينة ليس هو فقط نحو الامية وليس فقط مسالة التجمع عمراني بل هو الايمان بالآخر وبحقوقه وبحق الاختلاف و نبذ النزعة الانانية في المرء.
-نعم لا يمكن لهذه الايديولوجيا القومية التي يدافع عنها العروي ان تأسس لدولة مدنية ديموقراطية معاصرة حيث تكون الملاءمة بين المكونات السياسية والثقافية والمذهبية والجهوية… للمجتمع والتوحيد بينها يتم بالمواضعة من دون الإنحياز لصالح طرف على حساب آخر ومن دون إقصاء أو إحتقار ، حيث تكون الوحدة ولإئتلاف بين مكونات الشعب المختلفة يقوم على مبدأ الإعتراف والتنازل المتبادل والإرادي، ومن دون ذلك يعني تمسك كل مكون بسيادته الخاصة ،ويعني الصراع والإقتتال واللادولة.
-اما السلطة القائمة على الغلبة والإخضاع فيعني الإنتصار للنزعة الحيوانية وللعصبية القبلية البدائية، يعني الإنتصار لقانون الغاب و لحق القوة بدل قوة الحق ،مما يعني دولة استبدادية ويعني استقرارا زائفا ومؤقتا، لأن القوة لا تمتلك صفة الثبات فكم من قوة أصبحت ضعفا وكم من ضعف أصبح قوة ، الحق وحده يمتلك هذه الصفة، فما هو حق يبقى دائما حق.
-نعم فهذا ما يفسر الاستقرار الذي تنعم به الشعوب التي أنجزت تلك النقلة التاريخية من الدولة القائمة على الغلبة وحق القوة الى الدولة القائمة على قوة الحق من عدالة ومساواة واحترام الإرادة والسيادة الشعبيتين.
-ولدينا مثال قريب منا ويتعلق الامر بالشعوب الأوربية التي رغم كل الارتكسات والاستثناءات التي لا يمكن مقارنتها بحجم الانجازات ليس فقط استطاعت ان تحقق وحدات سياسية وطنية على مستوى بلدانها رغم تعددها الثقافي الجهوي في إطار فيدراليات ودول اتحادية قوية بل استطاعت اكثر من ذلك أن تشكل مع بعضها وحدة سياسية واقتصادية عظمى على مستوى القارة في اطار تنوع ثقافي ولغوي متعدد ، من دون أن يشكل ذلك عائقا أمام وحدتها وتعايشها وبناء قوتها.
-نعم فهذه الشعوب وشعوب اخرى من خارج المنظومة الاوروبية ونسقها الثقافي وخطها التاريخي استطاعت ان تحقق وحدتها وتعايشها من دون أن يكون هنالك داعيا إلى إلغاء هذا التعدد أو إلغاء الثقافات واللغات الخاصة بالكيانات الجهوية أو بالدول الصغيرة بدعوى حجمها او بدعوى انها ليست عالمية او بدعوى انها تهدد الوحدة الوطنية أو لأنها تهدد بعودة القبلية وفق منطق العروي واللذين يدورون معه في نفس الفلك الإيديولوجي.
-نعم لانه بكل بساطة، فهذه الشعوب انتقلت الى الديموقراطية ليس لأنها تقدمت على مستوى العمران بل لأنها نضجت على مستوى الوعي و تؤمن بالمساواة وبأن كل الثقافات واللغات مهما اختلفت أوضاعها واحجامها يجب ان تتمتع كلها وعلى قدم المساواة بحق الاحترام انطلاقا من مبدأ احترام الكرامة الانسانية، باعتبار ان الثقافة و المجتمع ليس كيانين منفصلين عن بعضهما مما يعني ان الاعتداء على ثقافة معينة هو اعتداء على مجتمع صاحب هذه الثقافة وتاليا فليس هناك جريمة ابشع من محاولة قطع الحبل السري الذي يربط الانسان بثقافته و لغته الام، وضمه عنوة أو عن طريق طمس ذاكرته التاريخية اوإستيلابه ليتبنى ثقافتا اخرى،
-فحتى ولو افترضنا انه كان لثقافة ما دورا حضاريا في لحظة تاريخية معينة، وكان لها فضلا في مساعدة ثقافات اخرى، فلا يجب ان يكون ذلك ابدا مبررا لفرض هيمنتها ووصايتها عليها او اقصائها او احتقارها بدعوى ذلك كما يؤمن الايديولوجيون القوميون عندنا، لأننا بكل بساطة لا نساعد احدا لكي نسيطر عليه فهذا لا معنى له.
-كما انه وفي نفس السياق فان الشعوب الواعية والمتنورة تؤمن انه لايحق ابدا اطلاق حكم قيمة على ثقافة معينة انطلاقا من منطق ثقافة اخرى لإدعاء تميزها عليها، فلكل ثقافة نسقها الخاص بها ولا يمكن فهم منطقها وقيمتها إلا من داخلها لا من خارجها، من دون ان يعني ذلك القبول بالسلوكات الخاطئة والمؤذية للاخر والتي يمكن ان تنطوي عليها بعض الثقافات وتتنافى مع قيم حقوق الانسان الكونية.
-كما ان الشعوب الواعية بقيمة ثقافاتها و كرامتها تميز جيدا بين الحاجة الى الانفتاح على الثقافات الأخرى و تعلم اللغات العالمية وما يفرضه منطق السوق و بين الحاجة الى الحفاظ على ثقافاتها ولغات إنتمائها وعدم التفريط فيها أو تهميشها تحت مبرر مايفرضه المنطق العالمي من توازنات وأوضاع،حيث أن الانفتاح على الآخر والتحدث بلغته لايكون دائما دليلا على التحضر و التعلم بل قد يكون دليلا على الخضوع او التبعية و التقليد وإحتقار الذاة، كما أنه اذا خضعنا لمنطق العولمة فسيؤدي ذلك الى القضاء على كل اللغات والثقافات المتعددة، وسيصبح العالم بئيسا وتعيسا من دون هذا التنوع والغنى، لذلك فان المجتمع الدولي اصبح واع ومنذ مدة بهذه الخطورة وهذا الرهان وبادر الى عدة تشريعات في هذا الصدد الا عندنا فاننا نسمع العكس.
-ليس هذا فحسب بل هناك امر اخر من المهم الاشارة اليه، وهو انه ليس هناك وضع قار بالنسبة للوضعية الثقافية والحضارية واللغوية على المستوى العالمي فكل حضارة مؤهلة لأن تنمو وتتطور، وكل لغة ايضا معرضة لأن تفقد مكانتها العالمية لصالح اخرى، وذلك رهين بمدى المساهمة والفعالية الحضارية لأبنائها،فالفرنسية كانت في الماضي مجرد لغة محلية من فروع اللغة اللاتينية قبل ان تصبح اليوم لغتا عالميتا ولدينا مثال حي اليوم في اللغة الصينية والتي كانت الى عهد قريب ليس لها نفس الاعتبار الدولي الراهن، حيث اليوم تتبوؤ مكانة مرموقة بين مختلف اللغات الكبرى في العالم بل هي في نمو مستمر وفي طريقها لتحتل المرتبة الاولى مستقبلا، وهذا بفضل قوة تاثيرها الحضارية.
-ولو افترضنا ان الصينيين قد استسلموا في الماضي للمنطق الذي كان قائما ومفروضا عالميا لكانوا قد تخلوا عن ثقافتهم ولغتهم، وما كانوا ليبلغوا اليوم هذه المكانة المرموقة حيث اصبحت الثقافة واللغة والحضارة الصينية تفرض نفسها بقوة على المستوى العالمي.
-فاذا لم نؤمن بمبدأ المساواة بين الثقافات واللغات العالمية كمبدأ اصيل فان ذلك لايعني فقط ضربا في مبدأ المساواة بين الناس ولكن ذلك يعني ايضا أننا إما نؤمن بعالم يسوده قانون الغاب لا بقاء فيه الا للثقافات واللغات التي تفرض نفسها بمنطق القوة ويعني من جانب اخر اندثار ماتبقى من الأخرى، مما يعني اننا نتجه نحو مستقبل بشري ذو نمط ثقافي واحدي ينتفي فيه التنوع والتعدد او يعني في أحسن الاحوال اننا نؤمن بمجتمع عالمي سكوني ستاتيكي مقسم وفق المنطق الافلاطوني لهيكلة المجتمع، وندعوا بذلك المجتمعات والشعوب والأمم الى الرضى بقسيمتهم وبالفوارق القائمة كأقدار ومكاتيب لا مجال لتغييرها.
-في حين ان الإيمان بفكرة المساواة هي التي تشحن المجتمعات بالقيمة وتحفزها على الاجتهاد والعمل والنضال من اجل تجاوز نقصها والارتقاء بنفسها وبثقافاتها ولغاتها وحضاراتها الى مصاف الاخرين وما يخلفه ذلك من ديناميات مجتمعية وتنافسية بين الامم يدفع بالبشرية نحو التقدم الشامل الايجابي، ولكننا لابد ان نؤكد على مبدئنا الذي نؤمن به بهذا الصدد وهو ان تكون المنافسة شريفة. … يتبع

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock