أقلام حرةمعتقل

الجزء الخامس والأخير من مقال المعتقل السياسي محمد جلول حول افتتاح كرسي العروي والدولة الوطنية والايديولوجيا القومية واشياء اخرى.

محمد جلول

كما أنه وفي نفس السياق يظهر جليا تأثير الفلسفات الوظعانية في حديث العروي وفي نظرته إلى التاريخ وإلى مفهوم الدولة ومفهوم المجتمع الحداثي ومن ومن خلال حديثه عن المعقول والواقعية والبرغماتية في مقابل مايسميه بالموهوم وبالطوبى ، وفي حديثه عن الإختلاف بين إشكالات اليوم عن إشكالات الماضي…الخ ،فهو ينسجم مع هذه الفلسفات التي تؤمن بالإتجاه الواحد للتاريخ وبتقدمه الميكانيكي وفق تحقيب صارم وحتمي لا مناص منه يضع فيه الغرب نفسه في أعلى سلسلته باعتباره يجسد سيد هذا التاريخ والمثل الأعلى للتقدم.
_وفضلا عن ذلك فإن هذه الفلسفات تعتبر أن شرط دخول الحداثة هو القطع مع أية قيم مثالية أو مرجعيات أخلاقية تؤطر الإنسان باعتبارها مجرد أوهام صنعها الإنسان الغير الحداثي ، وأن المجتمع الحداثي يجب أن يهتدي فقط بهدى المنطق العلمي وقوانين الفزياء باعتبار أن إستقلالية العقل من كل إمانيات أو قيم مؤطرة هو وحده ماسيوجهه نحوى الوجهة الصحيحة ، وسيحقق له تقدمه وسيحل له كل إشكالاته وسيلبي له كل حاجياته ورغباته.
_وهنا لابد من القول أن هذه الفلسفات التي لازال يتمسك بها العروي ويبني عليها مفاهيمه ورؤيته للعالم وللدولة وللتاريخي… لطالما بدورها وظفة كإيديولوجيا لشرعنة الهيمنة والعولمة الثقافية وتنميط الشعوب والمجتمعات لتسهيل ضمها وإحتوائها ، وكذلك لتدجين الإنسان ومساواته بالألة بعد تجريده من كل هوية ثقافية ومن كل قيم أخلاقية مؤطرة، ومن كل إرادة حرة، بل ومن كل مشاعر واحاسيس وعواطف انسانية وذلك لكي لاتتجاوز قدراته حدود المهام الوظيفية والتقنية المكلف بتنفيذها من طرف الحكمات البيروقراطية من دون قدرة على إنتاج مواقف تسائل أخلاقيا وإنسانيا مظمون تلك المهام والمشاريع المكلف بتنفيذها.
_كما أنه تجدر الإشارة إلى أن هذه الفلسفات التي لازال العروي يتمسك بيقينياتها قد عرفت عدة مراجعات من داخل الغرب نفسه، خاصتا في ظل نجاح تجارب عالمية لشعوب إستطاعت كما أشرنا إلى ذلك سابقا أن تبني حداثتها من خارج النمط الثقافي الغربي وخطه التاريخي و على أساس أصالتها وقيمها الحضارية وخصوصياتها الثقافية ، وكذلك بسبب الإنتقادات الشديدة التي تعرضت لها من كل جهة حتى من داخل الغربي نفسه بسبب المسارات العدمية التي قادة الإنسان إليها بعد أن سلبت منه إنسانيته وحريته وحولت حياته إلى حياة إجرائية وظيفية في خدمة الإنتاج الصناعي ومتطلبات السوق من دون غاية مثالية يسمو إليها هذا فضلا عن الإشكالات العويصة التي قادت إليها حمى الإنتاج الصناعي ومنها التدهور البيئي الخطير تجعل المرء يعيد النظر في الوعود المعسولة التي بشرت بها العقلانية في بداياتها.
_ولقد كان من البدايه أن تقود هذه الفلسفات إلى هذه المسارات العدمية والحياة الإنسانية الجافة القائمة على المصلحة لأن دعوتها إلى العقلانية بمفهومها الذي يعني إستقلال العقل عن كل قيم أخلاقية قبلية وعن كل عواطف واحاسيس كان يتضمن بقصد أو بدون قصد دعوة إلى الإنسان ليستبدل ضميره بمصلحته لتكون هي المعيار والمرجع وهو ما يقود حتميا إلى نزع الإنسانية عن الإنسان لأنه لا يمكن أن تكون هناك إنسانية من دون ضمير ومشاعر تسيطر على المصلحة والجشع والأنانية والإنتهازية والخيانة… و بالمقابل تقدر الأخر وتجعل المرء ويحترمه ويتضامن معه ويتحمل المسؤولية ويناضل في سبيل الوطن وفي سبيل الأخرين وفي سبيل الأجيال القادمة… وهذه كلها قيم غير مرئية وغير مادية و لكن رغم ذلك فهي أساسية وجوهرية ومفصلية في توجيه حياة الإنسان وسلوكاته.
_ صحيح أنه بفضل المعرفة العلمية والعقلانية يمكن ان يوسع الإنسان معارفه ويحسن مهاراته وبفضلها إستطاعت البشرية أن تنجز ثورات هائلة في مجال الإكتشفات العلمية والإختراعات التكنولوجية وفي عالم الإتصالات والإعلام، والطب والزراعة والعمران وتوقع الكوارث ، والعلوم الإنسانية، غيرت كثيرا من تمثلاته السابقة، كما غيرت معالم حياته وتعدد حاجياته…
-ولكن يجب القول أيضا أن هذه المعرفة وحدها لا تستطيع أن ترقى بالناس وتجعلهم أكثر إنسانية أو أكثر حرية، والواقع يبرهن أن كثير من المتعلمين يمكن أن يكونوا إنتهازيين وظالمين ومفسدين وخائنين… كما يمكن أيضاً التلاعب بهم وتدجينهم وتصخيرهم كعبيد من دون أن يدركوا ذلك، ولقد برهن التاريخ أن الكثيرين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مثقفين و واقعيين لم يكونوا أحسن حالا من الناس العاديين الذين امتلكوا الجرأة والقيم والمبادئ والحلم لمواجهة الظلم وتغيير الوقائع لذلك لا يحتاج الإنسان فقط إلى التعليم ومحو الأمية بل أيضاً إلى التربية على القيم، ولذلك كانت التربية دائما لصيقة بالتعليم في مختلف الثقافات الإنسانية، ولا أظن أننا اليوم في غنى عنها.
-كما ان العقلانية والمعرفة العلمية لايكمن ان ندعي انها قادرة على الإجابة عن كل الإشكالات الانسانية او انها أحدثت قطيعة بين اشكالات الماضي واشكالات الحاضر عندما انتقل الإنسان من المجتمع الغير الحداثي إلى المجتمع الحداثي حسب ما ذهب اليه العروي ، حيث هناك إشكالات لم تتغير ورافقت الإنسان على مر العصور ويتعلق الأمر أساسا بإشكاليات الوجود والكينونة والمصير والمعنى والتي تسائل الإنسان وكان يحاول دائما أن يجد لها جوابا في الدين وفي الثقافة وفي الفن والإبداع والأدب والشعر والموسيقى والرمز… الخ هذه الأمور التي يعتبرها العروي وهما، هي جانب الحقيقة ألا منضور الذي يؤطر المنظور والواقع في كل الحضارات وحتى منها في الغرب، فالحضارة ماهي إلا تجلي للثقافة في الواقع.
_لذلك فإذا ما كانت هنالك دعوة حقيقية إلى الحداثة فلا يجب ان تكون دعوة الى فصل العقل عن كل قيم قبلية و إنما دعوة الى تحديد حدود كل مجال وذلك من جهة، للتمييز بين ماهو عمومي وماهو خصوصي حتى لا يتجاوز احدهما حدود الاخر، ومن جهة اخرى من اجل قيم اخلاقية مدنية مشتركة مؤطرة لتفكير الانسان ولسلوكات المواطنة والعلاقات الانسانية وذلك من اجل أوطان تتسع للجميع تحترم التعدد والاختلاف وتحتكم الى الإرادة والسيادة الشعبيتين ومن اجل عالم إنساني اكثر رحابة واكثر إنسانيتا تعيش فيها الإنسانية في إطار الإحترام المتبادل وتضامن وتعاون على مواجهة التحديات التي تحدق بها وهذا مايجب أن يكون أفقا لتاريخ نسعى إليه ونناضل من أجله.
-واخيرا وليس آخرا اود ان اؤكد انني من خلال هذه المقالة النقدية ليس قصدي ابدا هو اصدار حكم معمم يسفه كل مجهودات العروي وعطائه الفكري لأنه اذا فعلنا ذلك سنكون مجحفين وسنكون عدميين، بل ان قصدي هو الاعتراض فقط على مانراه غير صائب وإثارة إنتباهه ومن خلاله الى كل من يتبنى هذه الايديولوجيا الى ماتحمله من افكار ومواقف اقصائية واحتقارية في حق مكونات شعبنا الاصيلة ومشابت تاريخانيته من حذف واقصاء مجحفين في حق هذه المكونات ولكل دور حضاري ايجابي لها في صناعة تاريخنا في مقابل تكريس الأحادية والمركزية.
– وتاليا فان هذه الايديولوجيا وهذه التارخانية ليستا فقط تشكلان اجحافا في حق شعبنا بل كان لهما الاثر السلبي البالغ في انتاج عقلية مستلبة واقصائية يجعل معها اليوم العملية الديموقراطية عسيرة باعتبار ان الديموقراطية ليست مجرد شعارات سهلة نسقطها على واقعنا بل هي اساسا و جوهريا تقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر والقبول بالتعدد والاختلاف، حيث ان الصعوبة الكبرى التي تواجهنا اليوم لا تكمل فقط في كيفية التحرير العقل المجتمعي من القيود الفكرية التي كرسها الخطاب التيولوجي التكفيري على مدى عقود الماضية، بل ايضا من القيود التي كرسها هذا الخطاب الايديولوجي القومي على مختلف الممارسات الفكرية والثقافية التي اصبحت خاضعتا للمسلمات المعرفية لهذا الخطاب وما يتضمنه من احادية ومركزية واقصائية لا تستقيم ومبادئ الديموقراطية.
-لذلك فهي دعوة اليه لمراجعة مواقفه والانخراط في عملية التصحيح باعادة كتابة التاريخ على اساس عادل و ديموقراطي ومتعدد وليس فيه اقصاء، والانخراط من جهة اخرى في عملية التنوير من اجل رسم الآمال وفتح الآفاق امام شعبنا المخنوق بهذه الايديولوجيا ويسعى الى التحرر منها من اجل وطن يتسع للجميع في اطار إحترام التعدد و الاختلاف ومن اجل امتلاك ذاته ووجوده الثقافي والسياسي الخاصين به يستمدهها من ارضه وتاريخه بشكل يمنحه شخصية مستقلة عن أية تبعية مشرقية كانت ام “غربية” سواءا في الكيان او في تقرير مصير الكينونة وايضا من اجل ان يكون لنا نحن ايضا دور ايجابي و فاعل في الحضارة الانسانية وليس ان نبقي ماضينا دائما على اثر الاخرين.
ملاحضة: استعمل “مصطلح الغرب” او “العالم الغربي” بين مزدوجتين والمقصود به اساسا الحضارة الاروبية لان توظيف هذا المصطلح في بلادنا من دون تحفظ يكرس التبعية للمشرق العربي كما لو انه مركز كياننا، وكما لو ان وجودنا الفعلي هو في المشرقي ومن هنالك نتكلم، ويعني ان بلادنا مجرد ملحقة تابعة لهذا المركز وليس ككيان ذو شخصية مستقلة، حيث ان اوروبا هي الغرب بالنسبة للمشرق اما بالنسبة لنا فهي الشمال وليس الغرب.

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock