أخبار الريفأقلام حرةحرية التعبير

الريف… إشكالية القبيلة والدولة والإنتماء

يعرف الفضاء الالكتروني والمنتديات التي تخص الشأن الريفي ظواهر اجتماعية وسياسية وحدوث “نوبات أزمة” معبرة. أخرها تجلت في إندفعات وتفاعلات وردود قوية لا متناهية على تدوينة فيسبوكية تخوض في جانب من التاريخ  و تركيبة المجتمع والرموز. سادته زخم جماهيري وغليان وعنفوان ومواجهات بنبرة تأجيجية عدائية، استخدمت فيها عبارات حتى الحضيض من تفنّن في الشتم والنبش والبحث والتنقيب في الأنساب والتخوين، وإلقاء اللوم والابتزاز والسخرية من القبيلة ورددت فيه أساطير الأولين، وشائعات وصور كاريكاتيرية ومزايدات وحكايات و”تاريخ” يطغى عليه الزيف. استغرب كيف أن تدوينة من كلمات استطاعت ان تزحزح القناعات وادخلت الشك في نفوس الكثير ودفعتهم ليعللو ويبرهنوا ويثبتوا أهلية وبطولة محمد بن عبد الكريم الخطابي!!

هذه المساهمة تتضمن مقاربة شاملة للكيفية والأسلوب الذي أدير بها “النقاش/العراك”العام وما يمكن ان نستخلصه من استنتاجات وملاحظات وإتجاه العام. لن أدخل في تفاصيل والخوض في “معضلة الدجاجة والبيضة” وسؤال عن بادئ العدوان.   كرأي شخصي، أقتصر على التالي فيما يخص المضمون:

  •  محمد بن عبد الكريم الخطابي رجل دولة، مثقف و سياسي وعسكري محنك، دخل التاريخ من بابه الواسع. كان قصير القامة ولكن عظيم الشأن ابن بيئته وزمنه، له ما له وعليه ماعليه ومفخرة الريف وابنائه، بغض النظر عن أصلهم وانتمائهم القبلي.
  • في ما يخص نقد المجتمع ومنظومة من المفاهيم والعادات السائدة فيه، بالنسبة لي ليست هناك عقيدة تاريخية وثوابت مقننة ولامحرّمات سياسية تذكر. أنا مع انتقاد الشخصيات السياسية العمومية وانتقاد المسلمات والبديهيات وكل المواد التاريخية بدون استثناء، شريطة تفاد العبث وأن يكون في إطار أسلوب تنويري عقلاني وحذر شديد وأن يكون بمنهج سليم وبمستوى من الحرفية والموضوعية ما أمكن. إن لم اقل أنا مع قلب التاريخ رأس على عقب لإذراك الحقائق
  • في ما يخص سهام السخرية التي تطال القبيلة بأكملها، في تقديري المسألة حساسة وأرضية ملغومة،لا ترقى لمحتوى هادف وبناء ومثمر ولا تستحق المناقشة، إن كانت للتسلية والاستمتاع والإثارة وبالتالي وجب الابتعاد عنها قدر المستطاع، وترك الأخذ بالشائعات والروايات الشعبية الموروثة، في الحجاجة، والتي يتخللها حقد قبلي دفين وتكرس نظرة دونية وصورة نمطية تجاه قبيلة الغير (ميثاق الأخلاقيات). لا لقمع حرية التعبير ولكن درئا للفتنة. ثم التهكم على الأنساب والعشيرة والانتماء القبلي امر مألوف، جاري به العمل، وتداوله شائع على شكل نكت، في كل بقاع الريف وليس وليد اليوم، متجدر في الثقافة الشعبية ويستهلكه العادي والبادي دون حسيب ولارقيب
  • محمد بن عبد الكريم الخطابي شخصية عمومية. ليس صاحب قداسة، وارثه ليس حكرا على أحد. نجم محمد ابن عبد الكريم سطع بذكائه و بفضل شعوب وقيادات ومقاومي القبائل في تلك الأزمنة وبفضل المعارك التي انخرط فيها مقاومين من كل حدب وصوب، في أنوال، وغيرها…  وبالتالي نحن إلى أمس الحاجة إلى الإجتهادات والمعرفة النقدية فيما يخص مشواره السياسي وفكره ودوره في تاريخ الريف والمنطقة المغاربية الذي ساهم فيه بشكل كبير. أما إضافة اللقب القبلي لإسمه تمهيدا لطريق أمام تأسيس أعراف سياسية، وتخطيط وتنظيم لقومية قبلية، وفكرة احتواء الرموز، الإستحواذ على مصادر السلطة والنفوذ، وإحتكار نصيب الأسد من الشرعية الفكرية والذاكرة الجماعية، على حد زعم أصحابها، فهي محاولات يائسة و صبيانية و تافهة. للإشارة، هذه خطوات يتم تكريسها عبر مراوغات شتى ومعلومة، في مراكز الفكر وفي نشاطات ميدانية، للتأثير في الإعلام والسياسة والثقافة. هذه المحاولات لها مقاصد سياسية وخيارات وخلفيات وطموحات واضحة. هناك نماذج تُذْكر في هذا الصدد.  ثم محمد بن عبد الكريم الخطابي أنتج مدرسة فكرية ولم ينتج سلالة تورث شرعية تاريخية ما تؤهل لمواقع سياسية وزعامة معينة. كما يقال، في السياسة فليتنافس المتنافسون
  • قائمة أسرة المقاومة الريفية في التاريخ الحديث واسعة وعريضة. نعلم القليل عن تاريخ نضالات وجذور المقاومة الريفية و عن عدد كبير من رجال ونساء، كانو في جبهة المقاومة والجهاد والصمود على امتداد المجال القبلي الريفي. قدمو التضحيات الجسام، ناضلوا وضحوا بالغالي والنفيس، و قدمو اشكال الدعم بلا حساب في مواجهة العدوان الخارجي وكانت لهم أدوار طلائعية وبطولات وأدوار بارزة في تحقيق انتصارات في الثورة المسلحة الريفية. .  اعترافا للجميل لهؤلاء وجب انجاز عمل تجميع أسمائهم في مؤلف، خدمة للتاريخ ودرءا للتفهات المنشورة هنا وهناك.

أود أن أحي عاليا الأقلام الطيبون المسالمون ورموز الإخلاص والتضحية ومنشوراتهم التوعوية، وإبداعاتهم وتصوراتهم وأساليبهم الراقية، وما أكثرهم من بين معاريفي. أحييهم على التحلي بالصبر والتسامح والتلاحم وإلإعتدال والوسطية والشجاعة والمناعة والأخلاق، وتطوعهم لبناء جسور التلاقح والانفتاح والتواصل ومعابر التفاعل، ويعود لهم الفضل في اغلب الأحيان في ضبط الموازين والمقاييس بين مكونات والخلافات الاجتماعية الريفية و خلق أجواء تجمع ولا تفرّق

في المقابل، اندد بالانتقائية، اينما حلت، في التنديد والتحليل والتقييم والتلقي، وهو أمرٌ مؤسف. وأقصد هنا  الانتقائية التي يمارسها “أهل العقل”، من فاعلين وحقوقيين ومتصيدي الأخطاء،و المدققين في القضايا، ورواد المعرفة والمنطلقات التجريدية و الإنتاج الفكري، الذين أحترمهم. وتتجلى في التراخي أو التساهل والسكوت على سلوكيات خبيثة، ودنيئة وتعبيرات طائفية وعنصرية مسيئة، تتخطى كل حدود الاحترام والأدب والقيم والأعراف وتنافي ثقافة حقوق الإنسان. الأكثر من ذالك فهم يعدون من متتبعيهم ومحبيهم ومسانديهم ومدعميهم. سلوكيات صدرت عن أصحاب العقول البسيطة، والنفوس الضعيفة، كسَبِّ الأمهات مثلا وتشويه و”تعييب” الصفات والتهكم والنيل من خصوصيات وحريات وحقوق وكرامة الأشخاص دون ان تثير سخطهم، واعتبار ذألك في نفوسهم كبطولات مشروعة، وجب اذكائها. الفطرة السليمة تقضي بوجوب  وضرورة  احترام  الإنسان بسلبياته وبإجابتيه وتفادي المساس بخصوصيته ،  و هيميزة اخلاقية وحضارية وجب التحلي بها، في حين نقد أفكاره وآرائه تبقى مشروعة و محبذة

القبيلة، قضية تستاثر باهتمام الرأي عام

اضحت الخصوصيات التاريخية والإثنية، و “كرامة” و”سمعة” و”شرف” القبيلة، قضية رأي عام، وموضع سجال بين أطراف شتى من نخب ومثقفي وفناني وكتاب وأكاديميي قبائل الريف .تلك السجالات هي بمثابة استفتاء ومناسبة للتأكيد على تركيبة الريف ومقوماته المجتمعية القبلية  والديناميات العميقة التي تتجادبه، و الإحتقان و العقد النفسية المتراكمة فيه والتعصب للتراب والتراث والتاريخ وتنوع الهويات به، وتداخل التصورات الفكرية، والنزعات والأهواء الاجتماعية والسياسية المختلفة وكذا شيوع التخلف و ثقافة الكراهية و إظهار الخلاف والعداوة ومنطق الخصومة والصراع   والصدام.

السجال إكتنفه التكرار، فالأزمة ليست بغريبة عن مجتمعنا وليس وليدة اللحظة، بل جارية منذ القدم. كما اماط السجال اللثام على طبيعة النسيج المجتمعي، والعقل الفعلي الموضوعي الريفي القائم، والمعطى القبلي كمكون اجتماعي للهوية العامة الريفية

صراع قديم /جديد

ملامح خريطة الصراع بات واضح. نفس المنطلقات ونفس المنهجية والتأويلات التقليدية. الأمر يتعد ان يكون مسألة شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي.  السجال يحوم حول مسألة اجتماعية وبنيوية، وحزازات وتصفيات حسابات قبلية متوارثة وضاربة في التاريخ، ما زالت محفورة في الذاكرة الجماعية، كانت موضوعية أو وهمية. لا جديد يذكر في الساحة. الحماسة العصبية، افراد تخندقوا خلف قبيلتهم واصطفو إلى جانب ذويهم من أبناء قبيلتهم أيا كانت المبررات، وفئة التزمت الجماعة وسارت وفق التيار والإتجاه العام الغالب، وسلكت مسلك “الهجوم” بعفوية وسذاجة ودون القيام بمراجعات وأخد مسافة نقدية. كما استُخدِمت فيه مصطلاحات حربية ك «الاقتصاص” و”التهجم” و”التهديد”  و”االإستهداف” و”الإعتداء” و”التطاول” و”المؤامرة”

مما تمت معاينته أيضا، انفلات في المبادئ والعقيدة النضالية والتعامل بالعاطفة والسطحية والهرولة لصد هجوم على شرف القبيلة. تعليقات ومواقف “أهل العقل” لم تخل من سلوكيات متناقضة وفوارق بين أدبياتهم وطبيعة سلوكياتهم في “الشدة”. تفاعل عاطفي أكثر مما هو عقلاني ونقدي. غياب الموضوعية والعقل والطرق العلمية لإقامة الحجة واليات الحوار والأخلاق والتواصل الخلاقة والهدافة والبنَّاءة، تنور الأذهان. رغم قدراتهم العقلية ومؤهلاتهم العلمية جل مثقفي الريف لم يستطيعو التحلي بضبط النفس وكبح انفعالاتهم ونزعتهم العدوانية وأخذتهم الحمية وسارعو إلى ارتداء زيهم التقليدي والالتفاف حول القبيلة وشرفها

بطريقة لا شعورية انشطر الرأي الى معسكرين: مع وضد و”نحن وأنتم”،و   ظهرت  فجوات مجتمعية سارخة،  وأخذت الهويات الخاصة تطفو على السطح. سقطت المظاهر وتوترت العلاقات وانهارت الأممية وتصدع الريف وانهارت الروابط القائمة على التأخي (تاومات) والمحبة و بقى الانتماء القبلي سيد الموقف و الإنتماء المجالي هو المعيارو المحدد الأساسي. مما لا شك فيه فان مثل هذه النوبات والسجالات تعلمنا أن ألا ننخدع بشكلانية وهوية التيارات الفكرية السياسية و الإديولجيات التقدمية المحلية و من يتحدث باسمها تتضمن هوية فوقية كرتونية و وأخرىتحتية صلبة

بروز سماسرة القبيلة، ينتعشون على الفكر القبلي الماضوي المتطرف والعنصري والمناهض للحداثة والمناوئ للريف التعدد ليست لهم مصلحة في الهدنة، تعتمد التمويه والتقية حين يعلنو أفرادها الولاء للريف. كان لتلك الدوائر والجهات مساهمة بارزة في تأجيج الأوضاع وإشعال وإثارة نار الفتن الطائفية وتوظيف القبيلة (حصان طروادة) لأهداف سياسية لتستثمر الجهوية والقبلية والمناطقية استثمارا سياسيا لتشكيل وتوجيه الرأي العام وترشيد سلوكياته.علاوة على ذالك بروز ضيقي الأفق ودورهم في زرع اليأس والإحباط في نفوس الجماهير الشعبية و تسفيه الفكر و المفاهيم والاصطلاحات القانونية و السياسية والنضال الأصيل بشكل عام وترويج المعتقدات والمغالطات والأباطيل والسخافة والتضليل والهمجية و الفوضى، والحماقات، و البلطجة، و العبث، والخبث، و الشذوذ والتهوين وتقزيم مفهوم الريف الواسع والعريض،…

أتاحت السجالات استخلاص بعض الاستنتاجات والإتجاهات :

  • مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت حلبات التشابك والتوجهات العنيفة والإقصائية ومرتعا لتفريغ الحقد والسلبية والعدوانية وتسويق ثارات قديمة بين نخبة من القبليين والجهويين
  • الثقافة الريفية لا تستسيغ الفكر المخالف المتعارض والحوار الراقي ولغة التفاوض
  • ضعف في النضج الفكري واضطراب في السيطرة على النفس، و السعي دائما إلى الأساليب المسيئة والعدوانية. ما إن يعبر أحد على آرائه، وأفكاره وخواطره الشخصية حتـى ينهال عليه بسيل من الشتائم والتعابير الجارحة والكلام الفاحش. وفي اغلب الأحيان تبتعد التعليقات كليا عن مضمون المحتوى والتي تركز على ظاهر الشخص، ونسبه وشكله، الخ
  • الريف أضحا مأسور فكرياً، وجسم ليس بوحدوي التصور، والرؤية. كيان هجين، وبيئة قبلية جهوية، معقدة، وباقية وتتمدد، يسود فيه الإقتتال، وتغيب فيها أرضية الإجماع والإنسجام والتوافق ومرجعية الانتماء الأعلى، ألا وهو الريف
  • الصراع والشرخ يبدو أكثر عمقا مما نتصوره، فقبل ان يكون مع الـسـلـطـة المركـزية، فهو صراع مع الذات او صراع بين مكونات الريف الداخلية أولا. وهذا لا يخفى على كل متتبع للمشهدية الريفية
  • التمرد على الدوكسا التاريخية وعلى اختزال وتسطيح لحقائق التاريخ واعتماد روايات تمتزج فيها الحقيقة بالخيال
  • الصراع والنزاع حول الهوية و تمثيل الريف الثقافي والحضاري اضحا هاجس كل فرد من القبيلة وأحد سمات الرهانات الذاتية للريف لا بقوة العقل ولكن بقوة العناد “ثاغنانت” ، معزة ولو طارت !!!
  • الصراع على المغانم السياسية والنفوذ والاحتكار وعلى سلطة سياسية محتملة في المستقبل
  • السجالات تعد أيضا أداة لخدمة الانتماء القبلي والشوفينية القبلية المتجذرة لدى بعض الجهات
  • تدبير صراع الهويات الخاصة في الريف، من ضرورات العصر ومتطلباته ويشكل تحدي وجودي في المستقبل
  • التناطح وحملة “العدوان” تُنسي أبناء الريف الكبير التركيز على مصالحهم وقواعدهم المشتركة وتكاملهم وقد تتسبب في نزيف الطاقات الريفية
  • في ضل هذا المناخ، يصعب إيجاد عنوان موحد لجميع الريفين ووضع هيكل موحد لهم وإنتاج عقد وسلم اجتماعي يتعايش عليه الريفيون في جو من التناغم وإنتاج نسق وبنية مجتمعية وفكر بديل، وبلورة توافقات ومشاريع سياسية نهضوية عابرة للقبيلة لتحقيق طفرة نحو الأفضل،
  • من جهة أخرى السجال والنقاش والغضب رحمة وممارسة تدخل في نطاق الديموقراطية ولها فضل على السيرورة التاريخية لأي مجتمع، لأنه لها وضيفة إجلاء لغة الخشب والسطحيات، وإبراز إلى الواجهة عقليات الناس والآراء والاتجاهات الفعلية والذاتية للمرء
  • السجالات تبرز كذالك خصوصيات الريف الثقافية و المجتمعية في جوهرها، ومدى نبد الريفيين لفكر المركزية وتوحيد صفوفها تحت سقف نظام مركزي.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock