أقلام حرة

السلطان العلوي كان أكبر خائن للوطن

بقلم الأستاذ الجامعي عبد الرحيم

بما أن سيرة “الاتهام بالعمالة” مفتوحة هذه الأيام، وبما أن الاتهامات بـ”العداء للوطن”، وبما أن “البواخر” يعتقدون أن كل من يخرج للاحتجاج هو مدعوم خارجيا، فإن العودة للتاريخ القريب من شأنها أن تبين لنا من الخائن ومن الوطني، تبين لنا أيضا أن السلطان العلوي كان أكبر خائن للوطن، وهذه بعض التفاصيل:

بتاريخ 30 مارس 1912 وقع المسمى “المولي عبد الحفيظ”: معاهدة وُسمت بـ “معاهدة تنظيم الحماية الفرنسية للمملكة الشريفة”، رغم معارضة العلماء والمفكرين الذين سيقتل بعضهم فيما بعد.
تضم المعاهدة 9 بنود كلها ترتب واجبات على المغاربة باستثناء بند واحد يفرض حقوقا على الفرنسيين:
البند الثاني يقول: “جلالة السلطان يساعد من الآن على الاحتلالات العسكرية بالإيّالة المغربية….الدولة الفرنسوية تقوم بعمل الحراسة برا وكذلك بحرا بالمياه المغربية”. فهنا الحديث واضح بأن على “صاحب الجلالة” كفّ يده عن كل السياسات التنفيذية، مقابل تحويل صلاحياته للعسكر الفرنسي، بل عليه أيضا مساعدة الفرنسيين على بسط احتلالهم للأقاليم المغربية.
واضح جدا: السلطان العلوي عليه مساعدة وتيسير مهمة الاستعمار في احتلال وطنه، لكن المقابل؟ هل وافق السلطان على معاهدة الحماية من أجل الشعب أم بهدف شخصي؟ وهل ضحى السلطان بنفسه من أجل حرية واستقرار “رعيته”؟ وهل حافظ “جلالة السلطان” على استقلال البلاد مقابل التفريط في حكمه؟
الجواب موجود في البند 3 الذي جاء صريحا دون تلميح: “دولة الجمهورية تتعهد باعطائها لجلالة السلطان الإعانة المستمرة ضد كل خطر يمسّ بذاته الشريفة أو بكرسي مملكته….وهذه الاعانة تعطى أيضا لولي عهده ولمن يخلفه…”. إن هذا البند وهو الوحيد الذي يُرتّب واجبات على المستعمر، يوضّح بشكل لا لبس فيه كيف أن المقابل الذي سيحصل عليه المغاربة مقابل كل الشروط المُجحِفة التي تم فرضها عليهم، هو أن على السلطات الفرنسية حماية عرش السلطان وعائلته ونسله، لكن دون أن تَنصرِف تلك الحماية إلى عامة الشعب.
لكن هل كان بمقدور السلطان عبد الحفيظ أن يغير في بنود المعاهدة؟ أم أن الأمور كانت أكبر منه ولم يكن بمستطاعه التقرير في الأمر؟
تشير العديد من الوقائع أن عبد الحفيظ ساهم إلى حد كبير في الوضع الذي آلت إليه الأوضاع في المغرب سواء قبل توقيع المعاهدة أو بعده؛ فلقد تخلّى عن شروط البيعة التي بموجبها تولى الحكم بعد الاطاحة بشقيقه بعد العزيز، كما أنه ناصب العلماء العداء ورفض نصائحهم، وأبعد المفكرين والمستنرين منهم، وقرّب إليه المدّاحون والمتملّقون، كما رفض إقرار دستور 1908 الذي كان سيجعل من المغرب أول دولة دستورية في المنطقة، وقام بقتل أحد أهم المعارضين لسياسته التعسفية، وهو الشيخ أبو الفيض الكتاني الذي تولى قراءة شروط البيعة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، تشير بعض الوقائع إلى أن عبد الحفيظ هو من بادر إلى طلب حماية السلطات الفرنسية، لكي يضمن بقاء عرشه ويواجه مطالب معارضيه، وهو الذي قبِل توقيع المعاهدة رغم الانتقادات الشديدة التي حضيت بها الوثيقة، حتى أن القبائل أطلقت على عبد الحفيظ “سلطان النصارى” بعد توقيعه على هذه المعاهدة.
كان هذا تلخيصا كنت كتبته قبل سنتين تحت عنوان: “معاهدة الحماية.. عندما يتسبّب السلطان في استعمار الأوطان”، وهي منشورة بالجرائد والمواقع، يكفي فقط كتابة العنوان على محرك البحث. أما المرجع الأساسي المعتمد فهو أحد المؤرخين العلويين المسمى المولى عبد الرحمان بن زيدان، مؤلف كتاب “العلائق السياسية للدولة العلوية” الذي حققه وقدّم له، عبد اللطيف الشاذلي، والمطبوع بالمطبعة الملكية، الرباط سنة 1990.

حتى لا ننسى التاريخ
حتى لا يتجرأ “البواخر” على سيرة “محمد بن عبد الكريم الخطابي” ويتهموه بالانفصالية، والحال أنه كان أشرف من الشرف ذاته، وهو الذي رفض استعمار الوطن الذي سهله السلطان العلوي، وهو نفسه الذي رفض الدستور الممنوح سنة 1962، الذي قال فيه: “ولا نكون من المغالين إذا قلنا، إن هذا الدستور المزعوم، قصد به في الحقيقة تطويع الشعب المغربي وترويضه طوعا أو كرها حتى يصبح معتقِدا بأن حكّام البلاد يحكمون بتفويض من الله.. وهذا شيء يتنافى مع (معتقد) الأمة الحقيقي. إذن، فخير، لواضعي الدستور المزعوم أن يَرجعوا إلى الجادة المستقيمة حتى لا يتسببوا في الكارثة، ويكونون هم الجناة”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock