دياسبورا

السياسي المغربي الهولندي المخضرم محمد الرباع في ذمة الله. (8 مارس 1941 – 17 ماي 2022)

بقلم محمد بوتخريط

انتقل الى جوار ربه اليوم السياسي المغربي الهولندي المخضرم محمد الرباع عن عمر يناهز الـ81 سنة بعد صراع طويل مع المرض ..
تغمده الله برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته . .
رحل الرباع .. هذا الرجل المناضل المتواضع إلى أبعد الحدود..

حين دخلت البلد يسكنني هاجس الاستقرار.. و شبح الأحلام.أبحث عن حق ضاع منا هنالك ، في أزمة ما بين الحق والواجب وكأن المسمى الإنساني ضاع.. وبتنا نبحث عن حرية قوامها حق مشروع . كنت أسمع اسمه وقتها يتردد كثيرا في الساحة السياسية هنا.. لم أكن أفقه شيئاً من سياسة البلد سوى اصرار وتحدي وعزيمة كنت أراها في عين هذا الرجل تطل من على شاشات التليفزيون .
كانت شخصيته من بين أول الشخصيات التي تربعت على عرش التاريخ هنا في هولندا وعرفتها وقتها.

كنت وأقراني لا نعرف شيئا عنه.. من هو؟ ماذا يعمل؟ كما أننا لم نكن نعرف سببا للشعبية الكبيرة التي اكتسبها . فالعالم بالنسبة لنا وقتها كان يبدأ من الدروب الضيقة الى مقر البلدية ومراكز التسجيل والدراسة والتشغيل وينتهى عندها، كنا نسمع اسمه يتردد بين من سبقونا .
تساءلنا وقتذاك .. لمِ يرددون هذا الاسم؟
بعدها عرفنا..وفهمنا ..إنها الحقوق المهضومة…الحق الذي يجعل الناس تصرخ …لكن ليس كل الناس !
فقط من لديهم كرامة .. والمخلصون للمبادئ .. والصادقون .. يثأرون لكرامة الإنسان و لأجل الحق.
حقاً لم تعد الذاكرة تسعفنى لاتذكر العديد من الأشياء ؛ لكن هو لا زال في الذاكرة ..

حتى انى لازلت استطيع ان اصفه وصفاً دقيقاً . مع انى لم أراه ولم أجلس معه سوى مرات معدودة و قليلة جدا لم أمنح نفسي وقتذاك فرصة لأعرفه أكثر لكنها مازالت محفورة فى الذاكرة… عيناه كانتا تحملان نظج وتحدي الدُنيا كُلها ؛ صافيتان لونهما كلون الحقيقة .

حين صادفته لاول مرة ترك لي ذكرى صوته الصامت الذي مازلت اسمعه داخلى و كأنه كان الامس …إن لم تقترب كثيرا منه لن تسمع صوته.. يتحدث بهدوء لكن باتزان..لم اسمعه يوما يصرخ في وجه احد او يشتم او يسب أحدا .

انشغل في حياته بقضايا ومشاكل العمال الأجانب في هولندا. , نذر حياته وكرس كل جهوده لخدمة قضايا `المغتربين` وكل القضايا العادلة سواء في هولندا أو خارجها.أصبح مديرا للمركز الهولندي للأجانب من 1983 إلى 1994 وهو العام الذي انتخب فيه نائبا في البرلمان الهولندي باسم حزب اليسار الأخضر إلى غاية 2002.

وبذلك كان وما زال يمثل الى حد ما قدوة للنضال و التضحية لأجيال عديدة من المجتمع الهولندي، من مغاربة و اتراك و باقي الشرائح الاخرى المهمشة في المجتمع.

فيما عدا ذلك، قد يختلف معه الكثيرون، خاصة في بعض مواقفه وقناعاته ، وصداماته مع سياسة بعض التيارات والاحزاب ، وبعض انتقاداته لأخرى وهو ما أثار حفيظة عديد من الشخصيات السياسية والمدنية و الحزبية..

كما أن بعض النشطاء الأمازيغ بدورهم أخذوا على الرباع عدة مؤاخذات لعل من أبرزها المتعلقة بالاساس بمواقفه من الامازيغية .. فضلا عن ما يسمُّونه السكوت وتغييب الحديث عن تعزيز تدريسها وقتَ كان برلمانيا..كما اختلفوا معه في العديد من القضايا الأخرى، وخاصة منها قضايا الهوية والتعدد الثقافي واللغوي في البلاد…

ولكن ورغم ذلك ، يعترف الكثيرون أنه هو واحد من الشخصيات القليلة والنادرة التى استطاعت أن تحفر اسمها وتحقق مكانتها وتصنع تاريخها داخل هولندا … وهو الرجل الذي لطالما كسب احترام وتقدير الجميع, وكسب الثقة من مختلف الشرائح … رغم مواجهته في المقابل للعديد من التحديات من زملاء سياسيين بعد أن تحدى وفرض مجموعة من المواضيع على جدول أعمال كل السياسيين و الحكومات الهولندية السابقة، منها ملفات العنصرية و الحروب الاستعمارية و سياسات الاستيطان في فلسطين..واليهود… الخ.

هكذا الامور تسير عند الرباع ، حتى حين صارت قدرته على الكلام أضعف، ولم يعد قادرا على الخطب والكلام ؛ بعد أن أُصيب بجلطة دماغية تعرض لها منذ أكثر من سنوات، افقدته القدرة على انتاج الكلام. لكنه وكما كانت تقول عنه زوجته `كان يعبق بالحياة ..رغم عدم قدرته على الكلام .`

مسيرته لا مساحات فارغة فيها..فبعد ان غادر المغرب فارا إلى هولندا عام 1966، بعد كل ما عاشه وما عاناه من مصاعب واستهداف، وتضييق سلطوي طاله..انخرط مبكرا في العمل السياسي مدافعا عن أوضاع العمال الأجانب في هولندا. بعد ذلك أصبح مديرا للمركز الهولندي للأجانب .. ثم انتُخب نائبا في البرلمان الهولندي باسم حزب اليسار الأخضر.

ويعد بذلك أول مغربي يصل قبة البرلمان الهولندي. عُين بعد ذلك وبعد مغادرته البرلمان في منصب ‘محافظ قانوني’ ببلدية لايدن ، غير أنه لم يستطيع الاستمرار في عمله طويلاً فقد عانى من مرض عضال حال دون استمراره في العمل. لكنه واصل نشاطه السياسي ملتزما بأجندة النضال من أجل قضايا المهاجرين خاصة منها المتعلقة بالجاليات المغربية والإسلامية في هولندا.. وهي امور لم ترق القيادة السياسية داخل حزب اليسار الأخضر، وما زاد طينتهم بلة موقفه من السياسي الهولندي اليميني المعادي للمهاجرين خيرت فيلدرز بل وجره للمحاكمة متهما إياه بالتحريض على الكراهية وبالميز العنصري تجاه المسلمين .

بعد ذلك قدم محمد الرباع استقالته من الحزب، لكنه لم يستقل من نشاطه السياسي .. بل تفرغ له عبر أنشطة ، ندوات ولقاءات .. تبنى الحراك السياسي الشبابي ، ساند حركة 20 فبراير متبنيا مطالبها بل ومنسقا مع شبابها.

خلاصة الحكاية..
هي مسيرة طويلة لرجل عرفناه كفرد دمث الأخلاق ، واسع القلب ، هادئ الطباع ،عميق الرؤى ، مناضل اختبره الزمن ، وعرفته الساحة السياسية هنا وهناك…

كل الاحترام ..و حبا انسانيا بلا حدود..لهذا الرجل المتواضع الى ابعد الحدود .
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته والهم آله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان…. انا لله وانا اليه راجعون.

الوسوم