fbpx
أقلام حرة

الشيخ محمد حدو أمزيان: من الدعوة إلى السياسة

محمد أمزيان

قبل بضع سنوات سألني إمام سابق في إحدى المساجد الهولندية: هل الشيخ أمزيان من عائلتك؟ بلى، أجبته. فحكى لي واقعة حدثت له معه. قال: كنت حافظا لكتاب الله ولبعض المتون الضرورية في الفقه والحديث والنحو، فتوجهت إلى الشيخ بصفته رئيسا للمجلس العلمي لتطوان والنواحي ليجيزني في الإمامة. كنت ما زلت شابا وأريد إجازة الإمامة لإعالة أسرتي. اختبرني الشيخ في بعض الآيات ومعانيها، فقال لي: “سير تخدم على راسك” فأنت إمام وصوتك صوت المقرئ الجيد.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أراجع كتابا أصدره الدكتور توفيق الغلبزوري، خريج دار الحديث الحسنية ورئيس المجلس العلمي للمضيق حاليا، عن الشيخ محمد حدو أمزيان البوخلوفي بعنوان:علاّمة الريف وتطوان، يسرد فيه سجل هذا الريفي البوخلوفي الذي جمع بين العلم الديني الأصيل وفنون السياسة في فترة الاستعمار الإسباني ومرحلة الاستقلال.

يُعرف بلقبه “الشيخ” أو “الشيخ مزيان” عند العامة وفي أوساط عائلته، وبالشيخ أمزيان في دائرة أقرانه العلماء الضالعين في أصول الفقه والحديث والفتوى.

ولد في قرية آيث بوخلف حوالي عام ١٩١٦، وهو الابن البكر للقايد حدو موح أمزيان الذي تحدثت عنه في بورتريه سابق. حفظ القرآن الكريم في قريته وتنقل بين أماكن التحصيل العلمي الأصيل في المراكز التقليدية القليلة في الريف قبل أن ترسله الإدارة الإسبانية عام ١٩٢٧ إلى مليلية للدراسة. وكانت الإدارة الإسبانية عادة ما “تهتم” بأبناء الأعيان بتدريسهم والاعتناء بهم لسببين: خلق نخبة متعاونة مثقفة بالثقافة الإسبانية، وثانيا بهدف الضغط على آبائهم وخاصة ممن تشك في ولائهم المطلق، وذلك بإبعاد أبنائهم عنهم وأخذهم كنوع من “الرهائن” ولو تحت مظلة التربية والتعليم. قضّى الشيخ أمزيان في مليلية زهاء ست سنوات ثم عاد إلى الريف لمواصلة تحصيله العلمي واللغوي على يد خيرة متعلمي الريف في ذلك الوقت ومنهم المرحوم محمد أوزيان التوزاني الذي نهل من علمه ومعرفته عدد من الشباب الريفيين. ثم انتقل إلى تطوان عام ١٩٣٦ مع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية بقيادة فرانكو الذي كان يلقب أيضا ب “فرانكو الريفي” بحكم استعانته في حربه القذرة ضد الجمهوريين (الروخوس) بالآلاف من الريفيين، وعلى أكتافهم وأرواحهم بنى ديكتاتوريته التي انتهت بوفاته عام ١٩٧٥.

في العام ١٩٣٨، انتقل الشيخ محمد أمزيان إلى القاهرة للدراسة ضمن بعثة كبيرة أشرف عليها المرحوم الشيخ محمد المكي الناصري الذي كان يعيش “لاجئا” في المنطقة الخليفية. وهنا يمكن ملاحظة اختلاف توجه الحمايتين الإسبانية والفرنسية في تكوين نُخبها المحلية التي تخطط للاستعانة بها في إدارة مستعمراتها أو “محمياتها”. فرنسا كونت نخبها عندها في فرنسا باستثناء القليلين منها مثل علال الفاسي الذي تخرج من القرويين، وإسبانيا تبعث بأفراد نخبة المستقبل إلى الشرق وخاصة القاهرة وفلسطين قبل عام ١٩٤٧. ولعل هذا التكوين والتوجه الثقافي كان عاملا فاصلا في نجاح النخبة المفرنسة على نظيرتها النخبة المستعربة بعد الاستقلال، بحيث تم إقصاء الأخيرة من المشهد السياسي المؤثر إقصاء يكاد يكون تاما، بل وصل الأمر إلى درجة “سرط” أحزاب المنطقة الخليفية وإذابتها تماما في أحزاب المنطقة السلطانية.

بعد ثماني سنوات، أي في عام ١٩٤٦، يعود الشيخ أمزيان إلى تطوان التي أصبحت مستقره، حاملا معه شهادة العالمية من الأزهر في الدعوة والإرشاد وشهادة في التربية والتدريس. ولعله من المفيد ذكر أسماء بعض الطلبة الذين كانوا معه في رحلة العلم إلى القاهرة، ومنهم: عبد السلام أحمد الطود، الشيخ محمد زريوح وعبد الرزاق العاقل البقيوي، ومحمد بن تاويت وعبد القادر السميحي ومحمد مشبال ومحمد الأمين التمسماني وغيرهم.

وإذا كان الشيخ محمد أمزيان معروفا أكثر بفتاويه ودروسه الدينية الوعظية وتعمقه في التفسير والحديث، فإنه كان أيضا صاحب حس سياسي أزعج منافسيه السياسيين سواء في المرحلة الخليفية أو خلال فترة الاستقلال الأولى. في العام ١٩٥٢، أسس مع رفيقه وصديقه الشيخ زريوح حزب المغرب الحر الذي ترأسه الشيخ زريوح، والذي تقلد كذلك منصب وزير التعليم في المنطقة الخليفية في فترة من الفترات. كما أصبح رفيقه وصديقه عبد السلام الطود مديرا لجريدة المغرب الحر إلى أن تم اختطافه مع الأستاذ إبراهيم الوزاني من قبل خصومهم السياسيين بُعيد الاستقلال. أما الشيخ أمزيان نفسه فقد تعرض لمحاولة الاختطاف السياسي في بداية قيام انتفاضة الريف، والتي كان يتولى أمورها الدعائية والتعبوية في تطوان، مما اضطره إلى الهروب إلى إسبانيا عبر بوابة سبتة قبل اختطافه بأقل من يوم، ذلك أن أمر اختطافه وصله عن طريق أخيه المرحوم عبد السلام أمزيان أمزيان الذي كان يعمل في سلك الشرطة في عمالة تطوان قبل أن ينقل إلى الحسيمة نقلًا تعسفيًا.

وبعد العفو العام الذي أصدره الحسن الثاني بعد خلافته لوالده على العرش، عاد الشيخ أمزيان إلى المغرب عام ١٩٦٢، ولم يلبث أن انخرط مجددا في العمل السياسي لينافس عبد الخالق الطريس في الانتخابات البرلمانية الأول (انتخابات ١٩٦٣)، إلا أن الطريس هو الذي فاز (دون الدخول في تفاصيل الفوز والفشل)، ثم كرر المحاولة في العام التالي باعتباره مرشحا مستقلا ففاز بمقعد برلماني لمدة أربع سنوات.

الشيخ أمزيان الذي أنهى مساره الوظيفي عميدا لكلية أصول الدين في تطوان ورئيسا لمجلسها العلمي، انتقل إلى عفو الله في يونيو ١٩٩٦، أي بعد حوالي سنة من وفاته ابن عمه محمد سلام أمزيان، قائد انتفاضة الريف، في المنفى، تاركا وراءه إرثا علميا كبيرا ومسارا سياسيا مثيرا ومعتبرا.

هذا البوخلوفي الورياغلي الريفي، أصبح وجها تطوانيا بارزا وكأنه واحد من أبنائها البررة.

ملاحظة: جل المعلومات والتواريخ الواردة في هذا البورتريه مقتبسة بتصرف من كتاب ابن عمتي الدكتور توفيق الغلبزوري تحت عنوان: “علّامة الريف وتطوان الشيخ محمد حدو أمزيان: مسيرة حياة ومجموع مقالات”، الصادر في تطوان.

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock