المغرب

الفصل الثالث: الحلول الممكنة لتسوية الأزمة واقتراح سيناريو التسوية

متابعة حراك الريف

حراك الريف والدولة //
الأزمة والحل

 

بعد انتهاء فترة ما عرف بالبلوكاج الحكومي وعودة مؤسسات المركز المرتبطة بنتائج الإنتخابات إلى الإشتغال بكامل صلاحيتها الدستورية. قررت الدولة إنهاء الحراك في منطقة الريف عن طريق المنع بالقوة. ربما أن أصحاب ذلك القرار لم يكونوا ينتظرون أن تنتهي الأزمة بعصا سحرية وأن تختفي مظاهر الحراك آنيا ومباشرة بعد التدخل وبعد حملة الإعتقالات في صفوف النشطاء وإعمال القبضة الحديدية على المنطقة. لقد كان من الطبيعي والمنطقي أن يتوقعوا استمرار مظاهر الحراك لبعض الوقت قبل أن تخبو وتختفي. إلا أن ما لم يتوقعوه ربما هو أن تستمر الأزمة كل هذه الفترة وإلى يومنا هذا وبشكل يأخذ أبعادا غير متوقعة باستمرار. لاشك أن هذا الاستمرار يعود إلى الطريقة السطحية التي عولجت بها الأزمة المستندة بدورها الى نظرة سطحية لأسباب و دوافع الحراك وإلى تقدير منقوص لشعبية النشطاء المعتقلين ولطول شعاع ذاكرة الحراك. كما أن السبب يعود أيضا إلى اقتناع ساكنة المنطقة والرأي العام بأن مبررات تدخل الدولة فيها الكثير من الجوانب تم اختلاقها اختلاقا. وبدت الدولة من جراء ذلك وفي الكثير من الحالات مجانبة للصدق والصواب. وبدت متحايلة ومتحاملة وكاذبة ومفترية في نظر جزء هام من الرأي العام الوطني في الداخل والخارج. ولقد ساهم نوع التهم الموجهة للمعتقلين و أسلوب محاكمتهم والأحكام الصادرة في حقهم في تغذية النظرة السلبية عن الدولة. وطبعا لا يمكن للمرء أن يغفل أو أن يتغافل الدور المركزي للمعتقلين في إضافة الحطب لنار الأزمة عبر نضالاتهم في السجون ومرافعاتهم أمام المحاكم وتمسكهم ببراءتهم من التهم والأحكام الصادرة في حقهم.
استمرت الأزمة إذن وبقي الملف يتطلب حلا حقيقيا وشاملا رغم كل الذي حدث إلى الآن. وانشغل الكل بايجاد تسوية ما؛ من المعتقلين أنفسهم وعائلاتهم وذويهم ومن أهل الريف في الداخل والخارج ومن الرأي العام الوطني و الدولي ومن المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية والإعلام بمختلف أشكاله وجنسياته. أما مؤسسات الدولة المسؤولة عن قرار التدخل فلم تستطع إخفاء انشغالها هي أيضا بالملف بالرغم من حفاظها على التمنع، والتظاهر بعدم الاهتمام في معظم الأوقات. بالنسبة للمؤسسة القضائية فقد أكدت في مرحلتيها الإبتدائية والإستئنافية عزمها السير قدما على نهجها الأول الذي بدأته يوم 26 ماي 2017 وهو نهج الإدانة والعقاب. وبقيت مرحلة النقض التي ستقول كلمتها في الأسابيع أو الأشهر القادمة.
في بداية الحراك وطوال المدة التي سبقت التدخل العنيف للدولة كان الأمر بالنسبة لساكنة الريف و لكل من وقف إلى جانب الحراك، يتعلق بالاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحة. إلا أنه بعد اعتقال النشطاء أصبح الإهتمام منصبا على إطلاق سراح المعتقلين كمدخل رئيسي من أجل إيجاد تسوية شاملة للأزمة. فماهي القنوات الممكنة والمتاحة التي يمكن من خلالها وضع حد لأزمة ملف المعتقلين؟
في الشروط الراهنة أعتقد أن هناك ثلاث قنوات لاغير وهي: العفو الملكي و قانون العفو العام ومحكمة النقض.

أ/العفو الملكي

كل الدعوات وكل المبادرات التي طالبت وتطالب بتسوية ملف حراك الريف، لم تخرج عن نطاق إطلاق سراح المعتقلين. لكن وبشكل خاص إطلاق سراح المعتقلين الموجودين في الدار البيضاء المصنفين من قبل وسائل الإعلام ب “قادة الحراك” أو ب”أبرز نشطاء الحراك”. لذا سأقتصر في كل ماسيأتي في هذا الفصل و في الإقتراح الذي سأقدمه على مجموعة الدار البيضاء. ليس لأن أعضاء هذه المجموعة الذين بلغ عددهم 49 معتقلا هم قادة الحراك، لا بل لأنني من هذه المجموعة التي تقلصت الآن وأصبحت تضم 28 معتقلا تم توزيعهم على ثلاثة أو أربعة سجون. هذا فضلا عن أن وجودي ضمن هذه المجموعة سيجعل الحديث عنها بمثابة الحديث عن تجربتي الشخصية مما يجعل كلامي دقيقا وصادقا.

— عيد الفطر 2017: الإيحاء بوجود عفو ملكي وخيبة الامل.

عندما حل عيد الفطر من سنة 2017 كان قد مر شهر على تدشين الدولة لحملتها ضد الحراك. في تلك الفترة كانت وفود المعتقلين إلى سجن عكاشة قد انتهت أو شارفت على الانتهاء. كنا لازلنا نعيش ظروفا سجنية صعبة. مثلا لم يكن من حقنا الحصول على ورقة بيضاء وقلم. وكل ماقامت به إدارة السجن آنذاك هو توزيع المصاحف علينا. ولما سُمِحَ بدخول الجرائد كانت تقص منها كل المقالات التي تتناول الحراك وكل ما هو مرتبط به. وبينما كان جميع المعتقلين مجموعين في الجناح 8 كان ناصر الزفزافي معزولا في زنزانة ضيقة بالجناح 6 الخالي من السجناء ماعدا السجين المتورط في مقتل بومرداس وشخص آخر ذو أصول صحراوية قيل أنه من عائلة التامك. كانت الأخبار القادمة من خارج السجن قليلة وشحيحة. إذ أن الاتصال بالعائلات لم يُسْمَح لنا به إلا بعد مرور أزيد من 15يوما، ولما سُمِحَ لنا بذلك، اقتصر الأمر على الإتصال لبضع دقائق. ومع ذلك كنا ندرك أن الأوضاع جد متوترة في الريف وأن وسائل الإعلام تتناول الموضوع بكل اهتمام. لقد كان كل وافد جديد من المعتقلين يمثل لنا مصدرا هاما للمعلومات حول الأحداث التي تلت الاعتقالات. وكنا نتبادل الأخبار والمعلومات عبر شبايبك الزنازن. وفي الليل كنا نردد بشكل جماعي قسم الحراك. و كنا نسمع صوت الزفزافي يردد معنا القسم من الجناح 6 وكذلك صوت سليمة الزياني(سيليا) التي كانت معتقلة في جناح النساء. وكان كل ذلك يمدنا بالصبر والأمل.
مع اقتراب عيد الفطر، بدأ الحديث خارج السجن عن إمكانية صدور عفو ملكي. شخصيا لم أصدق ذلك في البداية إلى أن زارني نائب مدير السجن في زنزانتي وسألني إن كنت أريد التوقيع على طلب العفو. حاولت أن يكون جوابي لبقا فقلت له علي أن أناقش الموضوع أولا مع زملائي. نظر إلي نظرة فيها شك وقال: “حاول أن تقنعهم” ثم ذهب قاصدا معتقلين آخرين بعرضه. بعد تلك المبادرة من إدارة السجن كدنا نصدق أن يكون هناك عفو ملكي بمناسبة عيد الفطر، إلا أننا كنا مقتنعين بأنه لن يشمل إلا الموقعين على الطلب. أولئك كنا نعرفهم ولم نؤاخذهم على التوقيع بل بالعكس كنا نتمنى خروجهم. في الليلة الأخيرة قبل عيد الفطر سمعنا على أن العفو شمل سيليا لوحدها، بينما أصيب الموقعين على طلب العفو بخيبة الأمل.

— مسيرة 20 يوليوز وتراجع الأمل في إصدار عفو ملكي

إطلاق سراح سيليا الفتاة الوحيدة التي توبعت في حالة اعتقال خلق شعورا إيجابيا لدى المراهنين على العفو الملكي بالرغم من خيبة الأمل القصيرة التي تم تجاوزها بسرعة. فبدأت الأنظار موجهة نحو عيد العرش أو عيد الأضحى. بالنسبة لنا كمعتقلين وخاصة أولئك الذين يمتلكون شيئا من الحس السياسي، فقد قرأنا مبادرة إطلاق سراح سيليا كونها جاءت في إطار مراعاة الدولة لحساسية مكانة المرأة لدى المجتمع الريفي. وكون الدولة كانت في حاجة الى مُسَكِّن للأوضاع المتوترة في الريف مهما كانت درجة تأثير المُسَكِّن منخفظة. كنا قد رفضنا التوقيع على طلب العفو قبيل عيد الفطر لأننا كنا مقتنعين بصعوبة إقدام الدولة على إطلاق سراحنا بتلك السرعة مع استمرار توتر الأوضاع. كما أننا فهمنا الفعل الذي أقدمت عليه إدارة السجن بجس نبضنا حول توقيع طلب العفو، بأنه قد يكون مجرد اجتهاد من تلك الإدارة لا غير دون علم السلطات العليا أو دون إيعاز منها. أو قد يكون مجرد بروباغاندا سياسية وإعلامية هدفها إظهارنا أمام الرأي العام وكأننا نتوسل العفو لمجرد مرور شهر على اعتقالنا. ركزنا نقاشاتنا حول الخطوات النضالية التي يجب علينا اتخاذها وكانت محطة 20 يوليوز هي بيت القصيد.
مسيرة 20يوليوز كانت مقررة قبل بدء هجوم الدولة على الحراك وقبل حملة الاعتقالات. كانت مبرمجة ضمن المسيرات الكبرى التي كان الحراك يعتزم تنظيمها في 2017. وكان المقيمون الريفيون بالخارج قد عبروا عن عزمهم الحج بكثافة الى مدينة الحسيمة للمشاركة فيها. سمعنا أن ساكنة الريف مصممة على تنظيم المسيرة بالرغم من تواجدنا وراء القضبان. بل بدا أن عملية اعتقالنا شكلت حافزا إضافيا للمشاركة فيها، حيث اختاروا لها شعار: “من أجل إطلاق سراح كافة المعتقلين” . لم يكن في وسعنا سوى دعم المسيرة وقررنا لأول مرة الدخول في إضراب جماعي عن الطعام من أجل الحث على المشاركة الواسعة فيها. وكان ذلك أول وآخر إضراب سياسي عن الطعام نخوضه.
كانت مسيرة 20 يوليوز بمثابة تصعيد من جانب ساكنة الريف ومن جانب المعتقلين أنفسهم. أو هكذا رأتها الدولة على الأقل. أصدرت وزارة الداخلية بلاغا تعلن فيه منع المسيرة وحثت الناس على عدم المشاركة فيها. إلا أن البلاغ لم يلق آذانا صاغية فووجهت المسيرة بعنف وتم استخدام القنابل المسيلة للدموع. وهناك من تحدث عن استخدام الرصاص المطاطي. أسفرت الأحداث في ذلك اليوم عن وقوع حدث أليم تمثل في استشهاد الشاب عماد العتابي على إثر إصابته في رأسه. تم نقله مباشرة الى المستشفى العسكري بالرباط حيث تم الإقرار بوفاته هناك، بينما ساد الإعتقاد بأنه مات في عين المكان قبل نقله الى المستشفى. خرج رئيس الحكومة بتصريح يدعو فيه الساكنة الى التزام الهدنة ففسر البعض ذلك بأنها إشارة للإنفراج.
كان عيد العرش على الأبواب فجاء خطاب الملك ليبدد آمال المراهنين على العفو. إذ قطع الخطاب الشك باليقين بتوجيه انتقاد لاذع للخطاب الشعبوي ولبائعي الأوهام في إشارة واضحة إلى الخطاب المستعمل في الحراك. وفي المقابل أثنى الملك على مختلف القوات العمومية من قوات التدخل والشرطة وقوات الدرك والقوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية ونوه بدورها في المحافظة على الأمن والسلم. هكذا بقي الرهان على العفو مؤجل الى حين.

— عيد الاضحى2017: الضغط من أجل طلب العفو

بعد مرور أسابيع على خطاب العرش ومع اقتراب عيد الأضحى، عاد موضوع العفو الملكي إلى الواجهة من جديد. بدأت الأخبار والإشاعات تتداول وجود ضغوطات على عائلات المعتقلين لطلب استعطاف الملك لكي يصدر عفوه على أبناءها في السجن. لم نكن لنحمل تلك الإشاعات والأخبار محمل الجد لولا ما أقدمت عليه إدارة السجن.

سبق أن ذكرت بأن إدارة السجن كانت قد جمعتنا في الجناح8 ماعادا ناصر الزفزافي الذي تم عزله في الجناح 6 وكان ربيع الأبلق في جناح المصحة بسبب إضرابه عن الطعام. لذلك كان من بين مطالبنا الأساسية لدى إدارة السجن هو مطلب إلحاق الزفزافي بالجناح8 قبيل عيد الأضحى. استدعى مدير السجن أربعة أو خمسة معتقلين للحوار والتفاهم معهم على مبادرة مقترحة منه. كان برفقة المدير الجديد المدير السابق الذي أصبح مندوبا جهويا للسجون. اجتمعنا معهما في مكتب الموظفين عند مدخل الجناح الذي كنا متواجدين فيه. أخبرنا المندوب الجهوي بأن مسألة إلحاق الزفزافي بالجناح 8 أمر غير ممكن في الوقت الراهن. وأضاف بأن له حلا مؤقتا وتمنى أن نوافق عليه. أخرج ورقة فيها عشرة أسماء من المعتقلين قيل لنا أن الزفزافي طلبهم للإلتحاق به في الجناح 6. بعد التداول فيما بيننا وافقنا على الفكرة لسبب وحيد وهو التخفيف من عزلته. نقلونا في نفس اليوم الى الجناح 6 وألحقوا بنا محمد المجاوي الذي كان في اللائحة والذي كان قد رفض مغادرة الجناح8. أما محمد جلول ونبيل أجمجيق فتم نقلهما الى جناح مصحة السجن حيث يتواجد ربيع الأبلق. بعد بضعة أيام تبين لنا أن العملية برمتها كانت خطة من الإدارة هدفها الإنفراد بمن تبقى بالجناح 8 وحملهم على التوقيع على طلب العفو .
وزعت إدارة السجن أوراق طلب العفو على المعتقلين المتبقين في الجناح8 ودعتهم الى التوقيع. ومارست ضغوطا شديدة على من رفض أو تردد على الموافقة. إلى درجة أن أحمد حكيمي وُضِعَ في العزلة في إحدى الأجنحة قبل أن يلين ويوقع. أما محسن أثري الذي رفض رفضا قاطعا، فتم نقله الى جناح المصحة قبل أن يتم إعادته بعد مرور عيد الأضحى. كان بعض الموظفين ومدير السجن نفسه يروجون وسط الموقعين بأن المبعدين من الجناح8 مصنفين كمجرمين خطيرين. أما المتبقين فإن الدولة تعرف أنهم غير مذنبين و أنها ستطلق سراحهم.
مر عيد الأضحى دون إصدار أي عفو عن أي معتقل من معتقلي حراك الريف، سواء من هم في سجن عكاشة أو في السجون الأخرى.لم تعد إدارة سجن عكاشة بعد ذلك الى موضوع التوقيع على طلب العفو. وكان قد تبين للجميع بأنها كانت تلعب لعبة سياسية لإظهار وجود انشقاق أو خلاف بين المعتقلين أمام الرأي العام. ومن المعروف انه تم اللعب على وتر الخلاف والإنشقاق بين معتقلي الدار البيضاء طيلة تواجدنا هناك.

–الجلسة الأولى:قل عاش الملك!قل عاش الملك!

يوم 5 يونيو2017 تم تقديم سبعة معتقلين أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف بالدار البيضاء وهم ناصر الزفزافي، محمد حاكي، أحمد هزاط، فهيم غطاس، شاكر المخروط، محمد المحدالي وأنا. بهذا التقديم أمام الوكيل العام للملك، تم إغلاق ملف المجموعة الأولى من المعتقلين الذين مروا بفترة الحراسة النظرية في ذلك التاريخ. أما ملف المجموعة الثانية فضم المعتقلين بعد 5 مايو. أثناء بدء جلسات الغرفة الإبتدائية تم البدء بالمجموعة الثانية. وبعد ثلاث أو أربع جلسات جاء دور المجموعة الأولى لِتَمْثُلَ أمام مجلس القضاة لأول وآخر مرة قبل ضم المجموعتين في ملف واحد وقبل وضعنا في القفص الزجاجي الذي لازمناه طيلة المحاكمة الإبتدائية.
خلال الجلسة الأولى لمثولنا أمام المحكمة كمجموعة أولى في ملف منفصل عن المجموعة الثانية، وقع حدث سياسي بارز كانت له علاقة مباشرة بالحراك. فبينما كانت أشغال الجلسة تسير بشكل عادي، طلب أحد المحامين من هيئة الدفاع كلمة من رئيس الجلسة. كان المحامي يبدو متحمسا وكأنه يحمل معطى له طابع استعجالي. أذن له الرئيس بالكلام، فَزَفَّ على مسامع المحكمة هذا الخبر:” إن الملك أعفى مجموعة من الوزراء والمسؤولين الكبار على خلفية التقرير الذي قدمه المجلس الأعلى للحسابات حول الإختلالات في تنفيذ مشاريع الحسيمة منارة المتوسط” . حدثت جلبة داخل القاعة وسُمِعَ تصفيق وأصوات تقول عاش الملك. كان ناصر الزفزافي جالسا الى جانبي عندما اقترب إليه أحد المحامين من الخلف وهو يقول له:” قل عاش الملك، قل عاش الملك”. سألت الزفزافي إن كان المحامي المعني من هيئة دفاعنا، فأجابني:” لا، إنه من هيئة الطرف المدني الذي يترافع باسم الدولة”. قلت له مبتسما: ” يبدو أنه حتى خصومنا يسعون للإفراج عنا” . إخترق صوت رئيس الجلسة ذلك الجو من الصخب داخل القاعة قائلا:” الملك سيدنا جميعا، لكن هذه محكمة ويجب احترامها. نحن لسنا هنا في ندوة” . ساد الصمت واستأنفت الجلسة أشغالها. حاول المحامون والمحاميات من هيئة دفاعنا استثمار ذلك الخبر لصالحنا. فأخذوا يؤكدون أن إعفاء الوزراء وباقي المسؤولين عن الإختلالات في الحسيمة لهو دليل قاطع على عدالة مطالب الحراك في الريف وأن المتهمين الماثلين أمام المحكمة بريئون من التهم المنسوبة إليهم لأنهم أصحاب مطالب عادلة ومشروعة.
كانت تلك الأمسية منعشة للأمال. وساد جو من الإحساس بأن التاريخ بدأ ينصفنا. وذهب الخيال بالبعض منا الى التساؤل عن دلالات تزامن الإعلان عن إعفاء الوزراء مع أول جلسة نمتثل فيها أمام المحكمة. وهل يمكن اعتبار هذا التزامن إشارة للمحكمة للسير في نهج تبرئة ذمتنا مما نُسِبَ إلينا من تهم. وحضر الى أذهاننا ذلك الخطاب الذي ألقاه الملك أمام البرلمان الافتتاحي للدورة التشريعية في 2017 عندما افْتُتِحَ بالآيات القرآنية: “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون”. وعندما وجه الخطاب تأنيبا للأحزاب السياسية على تقصيرها في لعب دور الوساطة بين الدولة والمواطنين، وطالب البرلمانيين و المنتخبين إلى تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية. على مستوى الرأي العام انتشر ما حدث في قاعة المحكمة بسرعة الضوء. واستبشر الجميع خيرا. وساد شعور عام باقتراب حدوث انفراج كبير على مستوى ملف حراك الريف. وطوال عدة أيام، تضاربت القراءات والتوقعات المتفاعلة حول هذا “الحدث التاريخي” الذي أقدم عليه الملك. واعتبرته وسائل الإعلام والسياسيين والمحللين “زلزالا سياسيا” تَيَمُّنًا بما جاء في خطاب الملك السابق الذكر الذي تحدث فيه عن إمكانية الإضطرار لإحداث زلزال سياسي إذا ما تطلب الأمر.
استبشر الجميع خيرا وتم تَوَقُّع إصدار عفو ملكي على معتقلي الحراك في أقرب مناسبة وطنية أو دينية. إلا أن الأيام أظهرت بأنه كان يتوجب الإنتظار حتى عيد الاضحى من سنة 2018 عندما أصدر الملك عفوه على أزيد من مئة وثمانين معتقلا على خلفية الحراك. كان من ضمنهم 11معتقلا من مجموعة الدار البيضاء.
بعد تلك التجربة مع العفو الملكي، بخيبات الأمل والأفراح الجزئية المرافقة، لايزال هناك رهان على هذا العفو كقناة “وحيدة” لإطلاق سراح ماتبقى من المعتقلين الريفيين. لكن لم يلتفت أحد إلى القناة الأخرى المتمثلة في البرلمان. هذا الأخير يمنحه الدستور حق إصدار قانون العفو العام.

فقط، بعد صدور الأحكام الإبتدائية من طرف استئنافية الدار البيضاء، ظهر الحديث عن الحق الدستوري لتدخل المؤسسة التشريعية في الملف.

ب/ البرلمان وقانون العفو العام

في أواخر سنة 2017 أصدرنا من سجن عكاشة بيانا باسم الحراك الشعبي بالريف تناولنا فيه أسباب اندلاع شرارة الحراك ودواعي استمراره والمسار الذي اتخذه وتفاعل الدولة معه وصولا الى حملة الإعتقالات في صفوف أبناء الريف والحصار المضروب على المنطقة. كان من بين النقاط التي أشرنا إليها في ذلك البيان هي دعوة البرلمان المغربي إلى تحمل مسؤولياته الدستورية في تلميح واضح الى الحق الدستوري للبرلمان في إصدار قانون العفو العام. لاشك أن السياسيين، وخاصة البرلمانيين منهم، الذين اطلعوا على البيان فهموا الإشارة. إلا أنه لم يكن هناك أي رد فعل مباشر صدر عن البرلمانيين المغاربة في ذلك الحين. ولقد تطلب الأمر مرور عدة أشهر على البيان لكي تظهر فكرة قانون العفو العام إلى الوجود.

— الأحكام الإبتدائية والإستنكار الواسع

في بداية صيف 2018 أصدرت غرفة الجنايات الإبتدائية بالدار البيضاء أحكامها المعروفة على مجموعتنا المُكَوَّنَة من 49 متهما متابعا في حالة اعتقال وأربعة متهمين في حالة سراح. تلك الأحكام نزلت كالصاعقة على قلوب عائلات المعتقلين وساكنة الريف. وخلقت ردود فعل قوية واستنكارا واسعا لدى الرأي العام الوطني ولدى المنظمات الحقوقية و الدولية. حتى الأحزاب السياسية وأعضاء الحكومة استنكرت قساوة الأحكام التي بدت وكأنها لم تكن منتظرة. فوزير الدولة لدى حقوق الإنسان مثلا، المنتمي الى حزب العدالة والتنمية الذي يترأس الحكومة، عبر عن أمله في أن تكون الأحكام الإستئنافية أكثر عدلا. كما أن وزير العدل المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ثاني أكبر حزب في الائتلاف الحكومي، عبر عن تعاطفه الشخصي مع المعتقلين وعائلاتهم ولكن دون أن ينسى تقديره واحترامه لاستقلالية القضاء. أما رئيس النيابة العامة، فقد اعتبر الأحكام بأنها كانت أكثر عدلا بالنظر إلى التهم المنسوبة للمتهمين والتي تصل في حدودها القصوى في بعض الحالات للمؤبد والإعدام. الأحكام الصادرة في حقنا وصل صداها إلى قاعة البرلمان أيضا. ففي جلسة من جلسات الأسئلة الشفوية، تدخل رؤساء معظم الفرق البرلمانية من الأغلبية والمعارضة وعبروا عن اندهاشهم واستنكارهم لقساوة الأحكام. وطرحوا أسئلة على وزير العدل تستفسر عن خلفية صدور تلك الأحكام في حق نشطاء في حراك كانت له مطالب اقتصادية واجتماعية. وطالبوا بإيجاد حل للملف عبر إطلاق سراح المحكومين.
ربما أن رؤساء الفرق البرلمانية، خاصة الفرق ذات التمثيلية الوازنة في البرلمان، لم ينتبهوا الى أقدامهم وأرجلهم وهي تطأ وتقف على أرضية مؤسسة دستورية لها حق التدخل في الموضوع وإصدار قرار حوله. و كان يجب أن لا تكتفي بالمطالبة بإيجاد حل للملف، لأن الحل بإمكانه أن يأتي من داخلها بسبب امتلاكها لحق إصدار العفو العام. فقط، بَرلَمَانِيَيْنِ عن فيدرالية اليسار انفردا عن بقية البرلمانيين وأحدثا استثناء عن القاعدة. إذ تقدما بمقترح طالبا فيه بتحريك البرلمان لمسطرة قانون العفو العام. وقد نص المقترح على إصدار “عفو عام وشامل على كل المعتقلين على ذمة الإحتجاجات الشعبية منذ أكتوبر 2016 وحتى يوليوز 2018 مع إلغاء كل الآثار القانونية المترتبة على ذلك”.
طبعا المبادرة لم تلق تجاوبا من بقية الأحزاب وبقيت طي النسيان منذ ذلك الحين الى أن صدرت أحكام الغرفة الإستئنافية في 5 أبريل 2018 وقامت الإدارة العامة للسجون بعد عدة أيام من تلك الأحكام بترحيلنا من سجن عكاشة وتفريقنا على عدة سجون بمختلف المناطق مما دفعنا إلى الدخول في إضراب عن الطعام.

— الأحكام الاستئنافية وعودة الحديث عن العفو العام

عندما صدرت الأحكام الإستئنافية يوم 5 أبريل 2017 بتأكيد الأحكام الإبتدائية، قامت الإدارة العامة للسجون بترحيلنا من الدار البيضاء وتفريقنا إلى أربع مجموعات؛ المجموعة الأولى تم إرسالها إلى السجن المحلي بالحسيمة وهي تتكون من ثمانية معتقلين محكومين بسنتين سجنا نافذا وقد اقتربوا من إنهاء مدتهم السجنية. أما المجموعة الثانية فتم إرسالها إلى السجن المحلي بسلوان بضواحي مدينة الناظور وهي تضم ثمانية معتقلين، خمسة منهم محكومين بثلاث سنوات سجنا نافذا ومعتقلين إثنين واحد منهم محكوم بعشر سنوات والآخر بخمسة عشر سنة ومعتقل آخر حوكم بسنتين وهو يقترب أيضا من إنهاء مدته السجنية و لقد تم إيداعه بسجن سلوان نظرا لكون مقر سكناه يتواجد ضمن المجال الترابي لإقليم الدريوش القريب من مدينة سلوان. بالنسبة للمجموعة الثالثة التي تضم تسعة معتقلين محكومين بخمس سنوات وستة محكومين بعشر سنوات فلقد تم نقلهم إلى السجن المحلي بطنجة2. بينما تم نقل معتقل واحد محكوم بخمس سنوات الى السجن المحلي بتطوان، بدعوى تلقيه الفحوصات الطبية. المجموع الرابعة والأخيرة تم إيداعها بسجن رأس الماء بمدينة فاس وتضم معتقلين إثنين محكومين بخمسة عشر سنة وأربعة صدر في حقهم حكم بعشرين سنة سجنا نافذا.
بعد قرار الترحيل والتفرقة على مختلف السجون، قررنا في المجموعة الثالثة والمجموعة الرابعة الدخول في إضراب عن الطعام احتجاجا على الأحكام الصادرة في حقنا من طرف محكمة الإستئناف بالدار البيضاء واحتجاجا على التشتيت وطالبنا بتجميعنا في سجن واحد. خاصة أنه لازالت هناك مرحلة النقض التي لم تقل كلمتها بعد. كما سجلنا في السجن المحلي طنجة 2 احتجاجنا على تفريقنا فرادى على زنازن سجناء الحق العام، لذا أعلنا إضرابنا عن الماء.
لقد أوقفنا فيما بعد الإضراب عن الماء بعد تدخل المندوب الجهوي للسجون ورئيسة اللجنة الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
في الأسبوع التالي للإضراب عن الطعام، وبالضبط يوم 22 أبريل 2019 أثيرت قضية الإضراب عن الطعام لمعتقلي حراك الريف في مجلس النواب. وتم إدراجها ضمن الأسئلة الشفوية في الجلسة العامة. وكان مكتب البرلمان قد وجه دعوة لمندوب الإدارة العامة للسجون للحضور إلى قبة البرلمان للرد على أسئلة البرلمانيين حول المستجدات التي طرأت. إلا أن المندوب اعتذر بسبب إصابته بوعكة صحية. في الجلسة العامة سجل البرلماني الأندلسي من فريق العدالة والتنمية كلمة دق فيها ناقوس الخطر حول الحالة الصحية للمعتقلين المضربين عن الطعام وذكر بالإسم ربيع الابلق. ولم يذكر محمد الأصريحي الذي كانت صحته قد تدهورت مما استدعى نقله إلى مستشفى محمد الخامس بطنجة. وأضاف البرلماني الأندلسي في كلمته مطالبته بإيجاد حل لملف حراك الريف. وعندما كان الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان يجيب على أسئلة البرلمانيين حول الموضوع، ذكره البرلماني بلافريج عن فيديرالية اليسار بمقترحه الذي اقترحه في مجلس المستشارين منذ عدة أشهر بخصوص العفو العام. فأجابه الوزير بأن المقترح قد تم إيداعه لدى لجنة العدل والتشريع.
بعد تلك الجلسة البرلمانية بأيام تم تداول عريضة على مواقع التواصل الاجتماعي نقلته جريدة أخبار اليوم في عددها ليومي 31 أبريل و1ماي جاء فيها: “طبقا (للظهير107-16-1) المؤطر لقانون العرائض فإننا كمواطنين مغاربة نطالب البرلمان المغربي بإصدار قانون العفو العام على المواطنين المدانين في قضايا حراك الريف كما يخوله الفصل 71 من الدستور للبرلمان”.
بعد إحالة مقترح قانون العفو العام لدى لجنة العدل والتشريع التي أكدها الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان وبعد تلك العريضة الداعمة للمقترح أثير سجال وتراشق بين برلمانيي حزب العدالة والتنمية وفيديرالية اليسار حول التأخير في إحالة المقترح وكذلك حول تداوله ومناقشته داخل اللجنة.

— إكراهات إصدار البرلمان لقانون العفو العام

من خلال الأحداث والمعطيات المتوفرة من تجربتنا لحد الآن نجد أن هناك عنصرين من الإكراهات التي تحول دون إصدار البرلمان لقانون العفو العام :

1 — إكراهات المسطرة القانونية
2 — الإكراهات السياسية

العنصر الأول: إكراهات المسطرة القانونية

شخصيا لا أتوفر هنا في السجن على الوثيقة الدستورية لكي أطلع عن كثب على مقتضيات الفصل 71 من الدستور. كما أنه لم يسبق لي أن اطلعت على القانون الداخلي لمجلس النواب لكي أعرف تفاصيل تفعيل مسطرة قانون العفو العام من بداية إحالته على لجنة العدل والتشريع مرورا ببرمجته ومناقشته داخل اللجنة الى طرحه للمصادقة في الجلسة العامة للبرلمان وانتهاءا بالشروع في إجراءات تنفيذه. وتجدر الإشارة بالمناسبة إلى أني اعتمدت في هذا المقال من فصله الأول إلى فصله الثالث على ذاكرتي الخاصة في سرد الوقائع والأحداث وربطها بالزمان والمكان. لكن رغم كل هذا فإن السجال بين البرلمانيين الذي نشرته جريدة أخبار اليوم في مقال لها قد يكون كافيا لتبيان جزء من إكراهات المسطرة القانونية التي تمنع إخراج قانون العفو العام الى الوجود.
تقول جريدة أخبار اليوم في مقال للصحفي عادل الكرموصي: “اتهم البرلماني عمر بلافريج حزب العدالة والتنمية برفض مناقشة مقترح قانون العفو العام الذي تقدم به معية البرلماني مصطفى الشناوي للعفو على معتقلي حراك الريف طبقا للفصل71 من الدستور”. هذا الاتهام حسب نفس المقال رد عليه فريق العدالة والتنمية في شخص البرلماني عبد الاله بوانو والبرلمانية بثينة القروري. السيد بوانو اتهم بلافريج بالكذب و الافتراء. وقال بأن حزب العدالة والتنمية سيختار الوقت المناسب للرد عليه وعلى أشباهه. ما صرح به البرلماني بوانو لاقيمة له ولايفيد في شيء نظرا لأن اتهام بلافريج بالكذب لاسند له سوى لغة معممة فارغة المحتوى وعبارات فضفاضة، عندما قال بأن حزب والعدالة والتنمية سيختار الوقت المناسب للرد. لكن ماصرحت به البرلمانية بثينة القروري يستحق الإنتباه. لأنه يؤكد أن شيئا ما حدث في لجنة العدل والتشريع. وبالتالي يبدو أن السيد بلافريج لم ينطق من فراغ أو أنه قَصَدَ اتهام حزب العدالة والتنمية لمجرد الإتهام أو بدافع الضغينة السياسية.
لكي نقترب من معرفة ما حدث، سألخص ماصرحت به برلمانية العدالة والتنمية في ثلاث نقاط. وكما سنرى، فإن البرلمانية القروري من خلال قراءتنا لما بين سطور تصريحاتها، تبدو مثلها مثل ذلك الشخص الذي يتحدث ليحاول إبعاد التهمة عنه فيؤكد عكس ما كان يسعى إليه بحديثه.

النقطة الأولى: تقول البرلمانية القروري “أن لجنة العدل والتشريع وضعت معيارا محددا للتداول والتناوب لإحالة مقترحات القوانين بين الأغلبية والمعارضة تمهيدا لخلق التوازنات في عرض المقترحات”.
في هذا التصريح يبدو واضحا أن الأمر يتعلق برد البرلمانية على الإتهام الموجه لحزبها في تأخير إحالة مقترح قانون بلافريج والشناوي على لجنة العدل والتشريع. وهي تعلل ذلك التأخير الذي دام ما يقارب سنة من الزمن بالتوازنات بين الأغلبية والمعارضة في عرض المقترحات على اللجنة.
والحَكَمْ الذي يُلْزِم اللجنة بقبول مقترحات القوانين وتسجيل تاريخ إحالتها هو معيار التناوب. لذلك تَوَجَّبَ على مقترح قانون العفو العام أن ينتظر في رفوف مكتب البرلمان إلى أن يحين دوره. لكن ثغرة الحلقة المفقودة في سلسلة ماقالته برلمانية العدالة والتنمية تنكشف لنا من خلال السؤال التالي: كيف ومتى تحققت التوازنات في عرض المقترحات بين الأغلبية والمعارضة والتي أدت إلى قبول المقترح أخيرا بعد مرور أزيد من سنة على إيداعه لدى مكتب البرلمان؟.
اذا كانت مجرد صدفة أن تتحقق تلك التوازنات ويتم قبول مقترح العفو العام فجأة ومباشرة بعد إضراب المعتقلين عن الطعام وإثارة ملفهم في الجلسة العامة للبرلمان، إذا كان ذلك قد حدث بالصدفة فيا لمحاسن الصدف إذن.
لقد حاولت السيدة القروري أن تُظْهِرَ حزبها وكأنه ملتزما بالقوانين والمعايير المعتمدة، لكن وكما يقول المثل إن وراء الأكمة ما وراءها.

النقطة الثانية: في ردها على اتهام البرلماني بلافريج رفض حزب العدالة والتنمية مناقشة مسطرة قانون العفو العام تَتَعَلَّلُ البرلمانية القروري مجددا بالمعايير والقوانين، حيث تقول: “أن النظام الداخلي لمجلس النواب ينص على تاريخ وضع مقترحات القوانين وهو معيار محدد للبرمجة وأن عددا من القوانين السابقة على هذا المقترح لم تُبَرمَج بعد”.
الآن نحن أمام المرحلة التالية من مراحل تفعيل مسطرة مقترحات القوانين. فبعد أن كلف معيار التناوب، المُمَهِّد للتوازنات في عرض المقترحات، قرابة سنة من الزمن قبل أن يتم قبول إحالة مقترح العفو العام لدى لجنة العدل والتشريع وتسجيل تاريخ قبوله، يأتي الآن دور معيار التراتبية الزمنية لتواريخ تسجيل المقترحات الذي يحدد البرمجة والمناقشة داخل اللجنة. وهو معيار يستند حسب برلمانية العدالة والتنمية إلى القانون الداخلي لمجلس النواب. هذا المعيار يُلْزِمُ لجنة العدل والتشريع بعدم برمجة أي مقترح قانون إلا بعد برمجة القوانين التي سبقته. لذا يتوجب على مقترح قانون العفو العام أن يقف مجددا في طابور الإنتظار وراء مقترحات القوانين التي سبقته قبل أن تتم برمجته. ولا أحد يعلم كم من الوقت يكفينا ليأتي دور البرمجة. من يدري، فربما قد تتجاوز المدة التي تحتاج إليها البرمجة تلك المدة التي إستغرقتها مرحلة الإحالة.
هكذا يبدو حزب العدالة والتنمية مقترنا بالقوانين مرة أخرى وملتزما بمقتضايتها ومنضبطا. أما السيد بلافريج فهو كاذب ومفتري وسفيه حسب السيد بوانو والسيدة القروري، لأنه يتغاضى عن القانون والمعايير! وما على معتقلي حراك الريف بعد كل هذا سوى أن يقبلوا بقضاء وقدر القوانين والمعايير وأن ينتظروا دورهم بهدوء وصبر إن هم أرادوا أن يتم إطلاق سراحهم من طرف البرلمان عن طريق العفو العام! بل ربما قد يطول الإنتظار إلى أن تنتهي مدتهم السجنية ويخرجوا دون أن يكونوا في حاجة الى عفو البرلمان أو غير البرلمان!.

النقطة الثالثة: في سؤال عن موقف حزب العدالة والتنمية من قانون العفو العام أجابت البرلمانية بثينة القروري بأن “حزبها لم يتداول بعد مقترح القانون حتى يتسنى له التعبير عن موقف رسمي منه” .
إذن، حزب العدالة والتنمية غير مهتم وغير مستعجل بتاتا فيمسألة إصدار البرلمان لقانون العفو العام على معتقلي حراك الريف. فهو لم يكلف نفسه بعد حتى بتدارسه. ولا يبدو أنه مطروح على جدول أعماله في المدى المنظور، على الرغم من مرور زهاء سنة على طرحه كمقترح قانون وبالرغم من إحالته مؤخرا على لجنة العدل والتشريع. وهو بالمناسبة، لايحتاج إلى التدارس بقدر ما يحتاج الى تفعيل مسطرة إخراجه إلى الوجود. وإذا ما صح الإستنتاج الذي توصلتُ إليه في النقطة السابقة، فإن مقترح العفو العام لايزال أمامه وقت طويل قبل أن تتم برمجته ومناقشته؟ إذ أن هناك قوانين أخرى سبقته ولم تبرمج بعد. بل ربما هناك مقترحات قوانين استغرقت الوقوف في طابور الإنتظار عدة سنوات. ومن يدري، فقد لا يخرج مقترح فدرالية اليسار عن تلك القاعدة ويستغرق سنوات هو أيضا. وحزب العدالة والتنمية يدرك ذلك وهو قادر أن يتحكم في مصير مقترح القانون بحكم تفوقه العددي في البرلمان وتواطئ الأحزاب ذات الفرق البرلمانية الوازنة. لذلك فحزب العدالة والتنمية يتعامل مع الموضوع ببرودة أعصاب ووفقا للمعايير والقوانين. أما نحن معتقلي حراك الريف فما علينا سوى أن ننتظر حدوث معجزة إن اردنا تسريع مسطرة قانون العفو العام. أو ربما علينا أن نبحث عن فكرة مذهلة؛ كأن نتجه مثلا إلى الأساطير اليونانية و نكلف السيد بلافريج لينوب عنا ويذهب لزيارة معبد “دلفي” ويأخذ مشورة من العرافة “أوراكل” فتشير عليه بكتابة مقترح العفو العام في ورقة، ولف الورقة على شكل قصبة سبق ووضعها في يد العداء الأسطوري اليوناني”فيديبيديس”الذي قطع أزيد من 225 كلم في أقل من يوم عندما أُرْسِلَ من أثينا إلى إسبرطة لطلب الدعم منها إثر هجوم الملك الفارسي داريوس الأول إبان معركة ماراطون!.
في محاولة دحضهم لاتهامات بلا فريح لحزبهم بمحاولة عرقلة تفعيل مقترح قانون العفو العام، يتحجج برلمانيو حزب العدالة والتنمية بالموقف الذي عبروا عنه في الجلسات العامة للبرلمان، حيث يؤكدون أنهم طالبوا بإيجاد حل لملف معتقلي حراك الريف. ليس هناك أدنى شك بأن حزب العدالة والتنمية دافع عن الموقف القائل بضرورة إطلاق سراح معتقلين حراك الريف. وهذا واقع لايمكن إنكاره. بل بالعكس، الحزب يستحق الشكر على موقفه ذاك. ومع ذلك فإن شكرنا له لا يمنعنا من كشف الحقائق كما هي. في هذا السياق، سياق كشف الحقائق، أود أن أستشهد بعبارة لعميد كلية الحقوق بتطوان الدكتور “محمد العمراني بوخبزة” قالها في حوار له على قناة ميد1تيفي كان موضوعه ظاهرة غياب البرلمانيين عن الجلسات. وكان ذلك في الأسابيع القليلة الماضية. حيث قال: “إن العمل الحقيقي للبرلمانيين يتم في اللجان البرلمانية وليس في الجلسات العامة لمجلس النواب او مجلس المستشارين”. بهذا المعنى، فالعمل الحقيقي الذي يقوم به حزب العدالة والتنمية أو العمل الذي يقوم به برلمانيوه فيما يتعلق بالعفو العام على معتقلي الحراك، ليس في الجلسات العامة الشفوية وإنما في لجنة العدل والتشريع. وهو عمل يركز على مايبدو على عرقلة وتأخير إخراج قانون العفو العام إلى الوجود على حسب ما فهمنا من تصريحات عمر بلفريج السابقة الذكر والتي كانت سبب مهاجمته من طرف برلمانيي العدالة والتنمية. الحزب يفعل ذلك ليس لأنه لايريد حلا لتسوية ملف المعتقلين، بل هو لا يريد أن يكون الحزب الرئيسي وراء وقوع سابقة في تاريخ السياسة المغربية والمتمثلة في قيام البرلمان بإصدار قانون عفو عام. لأن العفو جرت العادة والعرف والتقاليد أن يقوم به الملك. والتوجس كل التوجس من أية محاولة لكسر هذه التقاليد. إن برلمانيي حزب العدالة والتنمية يتحاشون الحديث بمثل هذا الوضوح ويتحاشون وضع الأصبع على جوهر الموضوع. ولقد فضلوا المرواغة باستعمال ملعقة القانون والمعايير لأكل عقول الناس على مائدة الغموض واللبس. في اعتقادي أن عدم اعتماد الصراحة وعدم الكلام بشكل مباشر وصريح هو السبب وراء ازدواجية الشخصية التي يعاني منها حزب العدالة والتنمية منذ تواجده في الحكومة. فتجده يخدم الأغلبية داخل اللجان البرلمانية ويمارس المعارضة في الجلسات العامة للبرلمان. وهذا ماسبق أن اشتكت منه مرارا عدة أحزاب منها تلك التي تتواجد معه في الائتلاف الحكومي.

العنصر الثاني: الإكراهات السياسية والريع السياسي

ربما ما قد يميز السيد عبد الاله بنكيران عن معظم قادة حزب العدالة والتنمية هو أنه نادرا مانجده يراوغ، كما يفعل برلمانيو حزبه تجاه قانون العفو العام. فهو يذهب مباشرة الى صلب الموضوع بلغة بسيطة ومفهومة لدى الجميع. لازلت أتذكر جوابه على منتقديه الذين كانوا يؤاخذونه على تخليه عن ممارسة صلاحياته الدستورية كرئيس للحكومة، عندما قال: “هل تريدون أن تسببوا لي المشاكل مع جلالة الملك؟ سوف لن أمنحكم هذه الفرصة. أنا أعمل بأوامر جلالته”. بهذا الجواب، كشف السيد بنكيران بأبسط العبارات وأوضحها عن سر حدود عمل السلطة التنفيذية الذي ينطبق كذلك على حدود عمل السلطة التشريعية. لقد كان السيد بنكيران يدرك تماما أن هناك سلطات تدخل ضمن منطقته لكنه كان يتحاشى المناورة في الجانب المتاخم أو المتداخل مع حدود السلطة الملكية في تلك المنطقة. وهذا ماحدث بالضبط مع البرلمان في موضوع العفو العام. إذ أن أية محاولة لإصدار ذلك القانون ستكون بمثابة مناورة غير محمودة العواقب، سَيُنْظَرُ إليها من قبل المؤسسة الملكية بعين الريبة والشك. لأنها ستكون محاولة لمشاركة الملك في سلطاته التي ينفرد بها بقوة العرف والتقاليد والقانون أيضا.
سياسيا، من الصعب بمكان أن يَقْدِمَ البرلمان على إصدار قانون العفو العام، لأنه إن فعل فسيدخل في المزاحمة على الريع السياسي داخل منطقة متوافق عليها عرفيا على أنها من اختصاصات السلطة الملكية. لكي أوضح الأمر أكثر، سنتخيل معا السيناريو التالي:
لنفترض أن معتقلي حراك الريف ومعهم البرلماني السيد بلافريج وفدرالية اليسار عملوا بمشورة عرافة معبد “دلفي” وقاموا بإعارة العداء اليوناني “فيديبيديس” واستطاع بذلك قانون العفو العام اجتياز مرحلة البرمجة والمناقشة في لجنة العدل والتشريع وتمت إحالته بالتالي على الجلسة العامة لمجلس النواب للمصادقة. فهل باستطاعة القانون أن ينجح في امتحان التصويت؟ لنفترض اذن أن الأحزاب ذات الفرق البرلمانية الوازنة تصرفت بكل حرية واستقلالية واتخذت قرارها دون التعرض لأي ظغوطات من أية جهة كانت وتوافقت فيما بينها وجمعت ثليثن أو أكثر وصادقت على القانون لكونها اعتقدت أن ذلك يخدم مصلحة الشعب والوطن. إلا أنه من جهة أخرى دعونا نفترض أن المؤسسة الملكية رأت خلاف ما رأته تلك الأحزاب بأن القانون سيهدد النظام العام وسيهدد تماسك الدولة فقامت بحل البرلمان قبل أن يستكمل القانون مراحله المسطرية ويتم إجهاضه. وهكذا سينتهي السيناريو ليبقى معتقلي حراك الريف رهن الإعتقال وتدخل البلاد في حالة الاستثناء.
لاشك أننا وصلنا بهذا السيناريو إلى أقصى مايمكن للمرء أن يتخيله في معترك السياسة المغريية الراهنة وهو أن يصل صدام المؤسسة التشريعية مع المؤسسة الملكية إلى هذا الحد. إن أقصى ما وصل إليه البرلمان المغربي في تاريخ ممارسته لصلاحياته الدستورية هو تقديم ملتمس الرقابة الذي أطاح بالحكومة في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي عندما كانت الكتلة الديمقراطية توصف بالأسد الذي يفتقد إلى الأنياب، وكان الإقتصاد المغربي في غرفة الإنعاش بسبب احتمال إصابته بالسكتة القلبية على حد تعبير تقرير صندوق النقد الدولي آنذاك. أما العفو العام والشامل لسنة 1994 الذي استفاد منه معتقلوا مرحلة الجمر والرصاص واستفاد منه أولئك الذين اختاروا المنفى القسري تفاديا لاعتقالهم إن هم دخلوا المغرب، فقد قام به الملك الحسن الثاني عندما أصدر القرار بعبارته الشهيرة: “إن الوطن غفور رحيم”.

ج/ محكمة النقض

بعد صدور الأحكام الاستئنافية لتأكيد الأحكام الإبتدائية يوم 5 أبريل 2019 زارنا كاتب الضبط ليلة نفس اليوم بسجن عكاشة. بعد إطلاعنا على منطوق الأحكام، قدم لنا وثائق للتوقيع على طلب النقض فكان جواب كل المعتقلين بأن الوقت لايزال مبكرا وأن الموقف يحتاج الى لقاء مع المحاميات والمحامين من هيئة دفاعنا. في يوم الإثنين 8 أبريل طاف موظف بالسجن على المعتقلين بوثائق طلب النقض مجددا، إلا أن الرد كان أيضا بالنفي لأن المعتقلين طالبوا بمهلة إضافية نظرا لعدم لقاء أعضاء هيئة الدفاع. كانت المهلة القانونية للتوقيع على طلب النقض هي عشرة أيام، لكن قبل انتهاء المهلة بخمسة أيام كانت المندوبية العامة للسجون قد رحلتنا من عكاشة وفرقتنا الى مجموعات.
يوم 15 أبريل وقع معظم المعتقلين على طلب النقض. قلة من هؤلاء تكفلت هيئة الدفاع بطلب النقض نيابة عنهم.

مرحلة النقض هي مرحلة قضائية لها علاقة مباشرة مع ملف حراك الريف. وكان من الممكن أن يأتي حل الملف عبر المؤسسة القضائية في مرحلتها الإبتدائية أو مرحلتها الإستئنافية. أما الآن فبقيت مرحلة النقض كمرحلة قضائية أخيرة. وهي تعتبر قناة مناسبة لتسوية ملف معتقلي حراك الريف والإفراج عن من تبقى منهم في السجون. وما يميز هذه القناة عن قانون العفو العام الذي هو من صلاحيات المؤسسة التشريعية هو أن المزاحمة على الريع السياسي مسألة غير واردة. لأن المؤسسة القضائية ليست مؤسسة سياسية، إلا إذا أريد لها أن تكون كذلك في حالات معينة كحالة معتقلي حراك الريف.
شخصيا لا أحب أن أصدر موقفا مسبقا عن نوع القرار الذي ستتخذه محكمة النقض وأفضل أن أترك الحكم للتجربة والمستقبل ولكل حدث حديث.
أخيرا، لابد أن أُذَكِّرَ بالمسلمة التالية: إذا رفضت محكمة النقض ملف معتقلي حراك الريف فسوف لن يتبقى هناك سوى قناتين اثنتين يمكن من خلالهما إطلاق سراح المعتقلين. وهما العفو الملكي وقانون العفو العام. ونظرا لصعوبة تحقق هذا الأخير فإنه في الواقع ليس هناك سوى العفو الملكي لإنجاز مهمة إنهاء هذا الملف.
يتبع
#المعتقل الحبيب الحنودي من سجن طنجة2.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock