أقلام حرة

المرتضى إعمراشا اضطراب القيم

متابعة حراك الريف

يؤسس دعاة القيم الدينية لدعوتهم انطلاقا من رمزية المؤسس بكونه قدوة للناس ونموذجا عالي الطراز ، إلا أن الأنبياء والرسل ينطلقون في دعوتهم من أنفسهم فارضين شخصياتهم المؤيدة بالوحي والمعصومة من الخطأ كأمثلة لا يعلى عليها دون أدنى إكراه للأخر وغرور و إعجاب بالنفس ، بل هي شخصيات حاملة الشعار التواضع في أصدق صوره ومترجمين بسلوكهم اليومي تعاليم الدين ، حتى إن الناظر إليهم ليرى نفاذ الوحي على حياتهم الخاصة والعامة ، دون أي نبس ببنت شفة على ما يناقض بشريتهم أو يضع ذواتهم فوق بني الإنسان « قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده » ( الآية 11 سورة إبراهيم ) . ومن أجل ما امتلأت به تعاليمهم ، النقمة والوعيد على من يقولون ما لا يفعلون ، قال سبحانه : « يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون » الآية 2-3 سورة الصف . وهذه قاعدة سار عليها كل الأنبياء في سلوكهم الظاهر والباطن ، قال شعيب لقومه كما في سورة هود « وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه » الآية 88. وفي ضوء هذا المبدأ الذي لا هواء فيه كثيرا ما حاولت إعادة النظر في بعض المفاهيم والقواعد وقراءة نصوص

القرآن الكريم وتناولها بالدرس والتحليل لسياقها الزمكاني الذي أثر بلا شك في مراميها ومقاصدها عند علماء التفسير ، بل تم شرحها بعكس ما أسسنا في بداية هذه الورقة ، ما ولد حالات اضطراب قيمي ، وتدين سکیزوفريني لدى بعض المجموعات المسلمة خاصة في الغرب ، وحالت دون إندماح شريحة واسعة منهم بالمجتمعات الغربية . من هذه الآيات المقصودة بكلامي قوله تعالى : « ولن ترضى عنك اليهود ولا النصاری حتى تتبع ملتهم » . هذه الآية وغيرها تضعنا أمام صورة مصغرة لواقع المجتمع بالمدينة النبوية بعد الهجرة وظهور الدعوة الجديدة التي كان لنشأتها كطبيعة وسنة كونية أعداء محاربون وغير محاربين ، ومؤيدون ومحايدون ، فإذا كان اليهود والنصاری تلك الحقبة اتفقوا في عدم الرضا عن هذه الدعوة وحاملها ، فإننا سنجدهم افترقوا في الموقف العدائي اتجاهها ، قال سبحانه : « لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة اللذين آمنوا الذين قالوا إنا نصاری » الآية 82 سورة المائدة ، وهذه العداوة من طرف اليهود بالمدينة والمشركين بمكة سلوك منحرف أنكره القرآن عليهم ، كما مدح سلوك النصارى الذين رحبوا بالدعوة الجديدة ، ومن خلال القيم

الحالية للأديان كان موقف الصحابة رضي الله عنهم الذين تشبعوا ما لا يقابل العداء بالعداء إنما بالمحبة ، ولا يستقيم أن نستنكر عداوتهم لنا ثم نقابلهم بنفس السلوك ، إلا الذين ظلموا منهم وحاربونا ، وهذا ما نقله النا القرآن في قوله سبحانه : « ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالکتاب کله » 119-120 من سورة آل عمران ، ومن أجل من انتبه لذات المعنى العلامة المالكي الطاهر بن عاشور في تفسيره فليراجع قوله في آية « تحبونهم ولا يحبونكم » . وما أوضح هذا المعنى في قوله سبحانه « ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم » فصلت 34-35 ، إلا أن تحول هذا العداء إلى حرب على المسلمين أو تحالف ضدهم ، حينها وجب الدفاع عن النفس ، بل فتح القرآن باب المصالحة بعد المحاربة في قوله تعالى : « عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة » الممتحنة الآية 7 ، وبرر القرآن سلوك المدافعة بكونها سنة كونية بقوله سبحانه « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » كما في البقرة ، وبينت آية الحج معنى الفساد بهدم الصوامع والبيع والمصليات الأخرى الاتي يذكر فيها اسم الله كثيرا ، وبالعودة إلى المبدأ الذي استهللنا به المقالة نجد أن المعنى الصريح لأية « ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم » هي لزوم الرضا عن اليهود والنصارى حتى إن لم يتبعوا ملتنا ، وإلا فإننا نرتکب نفس ما ننهاهم عنه ، لذلك كانت نصوص القرآن واضحة في التعايش السلمي مع أهل الكتاب ، قال سبحانه : « قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم » وقال تعالى : « ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ، وقولوا أمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم إلهنا و إلهكم واحد ونحن له مسلمون » الآيات … ، ومنطق القرآن وآياته وأحاديث النبي الصحيحة يتماشى مع ما أصدرنا به کلامنا ، وهذا لاشك ما فقيه أجدادنا المغاربة حين تعايشوا مع اليهود والنصارى دون أدنى جرح وفي فهم أشمل لمقاصد التنزيل ومراعاته للمصالح العامة ، عكس ما تسرب من مفاهيم إلى بعض أفراد هنا وهناك كذا فئات من الجالية المقيمة بالخارج الذين يجدون الحرج النفسي في تطبيع العلاقات مع غير المسلمين و كأنهم يخالفون تعاليم ديننا السمحة ، في شمولها لا يليق أن تنسب إليه مثل هذه الأفكار العنصرية قال تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » ، والمنطق السکیزوفريني نفاه النبي عن نفسه و أتباعه حين قال : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » ، وأختم بقوله تعالى : « ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظم أولئك أنهم مبعثون ليوم عظیم » وهذا المعنى الجليل الذي رسخه القرآن هو أول آية نزلت بعد الهجرة ، فالآية تقول على الناس » أي كل الناس مهما كانت أديانهم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

المصدر : دفاتر السجين

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock