معتقل

المعتقل السياسي إلياس أقلوش

خربشة السجين 2262

المعتقل السياسي إلياس أقلوش يكتب:
خربشة السجين 2262
الساعة تشير الى كارثة إنسانية إلا منتصف الليل، السجناء كانوا منشغلين في اللاشيء،انسحبت الى زاوية الغرقة بعيدا عن ضوضاء الجميع متدثرا خيبات الحياة و رعبها لأتناول عشائي البسيط ، في يدي ملعقة بلاستيكية و طاسة مليئة بالفواكه المقطعة الممزوجة بعصير تافه، اتجاذب أطراف الحديث مع سجين فرنسي الجنسية ذو أصول ريفية كنت أحدثه عن الحراك و سياق احداثه الكثيرة…، فجأة و في ظلمة الليل اسمع صراخ معتقل من الحراك يصرخ ملء صوته ” إلياس….الياااااااس اياو اللا لا لاااااا…” الصوت قادم من المرحاض ، تهت لثواني وسط هذا الصراخ ولم افهم بعد ماذا يحدث ولما هذا الصراخ…،اسرعت مخترقا الظلام حافي القدمين متجها صوب المرحاض، فإذا بحبل رقيق يتدلى من قفل النافذة وفي نهايته رأس معتقل من الحراك ووجهه يميل الى زرقة خفيفة ورغوة كثيفة تغادر فمه دون توقف …لم افهم شيء خذلتني قوتي و انكسرت الى شظايا صغيرة، صديقي الذي كان يصرخ بإسمي يمسك الحبل وخصر المنتحر بإحكام… انحني مقرفصا لأمسك قدميه لأقف متجها الى الأعلى بعد ان استجمعت قواي التي خارت من هول المنظر ،سحبت يدي اليمنى و ادخلت اصابعي بين المشنقة وعنق المعتقل ..فجأة احسست بقوة الشد على رقبته و بحجم الضغط الذي تعيشه روحه الثائرة و جسده المنهك، توقف بي الزمن وبكيت بلا دموع كغريق يستجدي منقذا يظهر فجأة وسط الظلام لبرهة تاهت افكاري كمجنون يأست الحياة منه منذ امد بعيد…
في قلب هذه العاصفة و الصراخ انتزعناه من موته المحتوم أو بالأحرى من مصيره الخالد فسقط علي صديقي شبه جثة بأنفاس متقطعة و رقبة متورمة فصرنا نتوسط ارضية المرحاض المبللة ببول السجناء. ذاكرتي سجلت هذا المشهد بجودة عالية و كأنني اشاهده الآن وأنا اكتب هذه الأحرف اللعينة . نعم تبللنا كثيرا و تبللنا بأحزاننا و آلامنا ولم نأبه ببلل المراحيض العفنة و فقدنا أنفسنا ونحن لازلنا على قيد الحياة. صديقي المعتقل حاول الإنتحار منتفضا من الوجع النازف الذي عشعش بداخله انتحر لأنه رفض الظلم والقهر و الحكرة فقرر ان يمضي إلى اللاشيء و الى حلم ذا وجع و حرية أزلية بعيدا عن ضوضاء الجميع. قرر ان يستغني عن طفليه الجميلين وزوجة صغيرة السن ووالدين طاعنان في السن لا يقويان على فراق ابنهما البكر…فقمنا بتجفيفه ولكننا لم نقوى على تجفيف آلامه و أوجاعه و جروحه…لقد احسست بالعجز المطلق وبفراغ ابتلعني عدة ايام دون توقف…
اردت ان اكتب اكثر عن هذه الحادثة لكن تزاحمت افكاري داخل جمجمتي ولم استطع ان اخرجها كلها اعتذر منكم جميعا…
#انتهت…

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق