أقلام حرة

المغرب : دولة “كرتونية”،تحكمها “عصابة” !؟

إشكالية المنهجية في بناء الخطاب الحجاجي الريفي

هذه الورقة هي تتمة لمقلاتي السالفة، في الحقل الفكري ومجال نقد العقل الريفي المعاصر والنقد الذاتي على حد سواء…

بشكل عام، يعتمد الفرد في بناء أي نسق معرفي وتحصيل الحِكم واستيعاب مضمون تحولات المجتمع، على منظومة من الاستدلالات، يتم استنباطها، علاوة على العقل ومذارك أخرى، من المخزون الثقافي الإجتماعي الشفهي، وأقوال الأقدمين من أبناء القبيلة والمدشر، من بسطاء وفقراء الناس، الفاهمون والعارفون لأسرار الحياة، …

في خضم الحركات التظلمية  والإحتجاجية، يستهوي الفاعل الريفي في محاجاجته، إستشهاد واستدعاء خواطر ومقولات قديمة ومأثورة، تناقلتها الأجيال ولا يزال تداولها إلى الآن في الوسط الشعبي والنضالي، لعله يجد ما يروى ظمأه، ويشفى غليله في الترافع لقضايا المجتمـع .

وقد وقع اختياري على مقولتين، لشخصيتين، أرباب نفوذ مرجعية، وسلطة معرفية، ومسارات سياسية وفكرية، عاشو في مراحل زمنية متقاربة. رغم الفوارق بينهما، فإن خطابهما أصبحا مرجعية للكثير. كما يعكس هذا الإختيار الرغبة في إثارة مسألة التعامل مع المفاهيم الشائعة، و نقد تنظيرات ترسخت في الثقافة وإشكالات يمكن حصرها في النقل والعقل والفكر، ومحاولة استنساخ الماضي، في انسلاخ عن الواقع وغفلة وجهالة لمقومات العصر، ولا مبالاة إزاء تحدياتها، وهي كالتالي :

  • مقولة عبد النبي ن سوق“الدولة مثل هذه، أستطيع أن أصنعها بنفسي” “دولة كرتونية”Dawla am ta, ataf  ggigh nnit“،ddewla n uqartun
  • مقولة  “هل أنتم حكومة أم عصابة؟” موحند ن عبد الكريم الخطابي

في هذه الورقة سأعمل على إستقراء المقولتين وما تتضمنه من دلالات ومعاني ونقد المسلمات والبديهيات التي تحيلان إليها، وإختبار المقدرة التفسيرية التي لُفقت لها، كنماذج تحليلية للواقع المعاصر، وسأركز على استعراض بعض أنماط التفاعل و مظاهر تَبَنِّي نموذج هذه التنظيرات، من قبل المتلقي الريفي المعاصر.

الفرضيات التي أنطلق تفيد أن:

  • الفاعل الريفي يتعامل مع حِكَم ومقولات الأقدمين بدون ضوابط وبتقديس،
  • الأقوال موضع البحث، أضحت صورة نمطية كاريكاتورية “has been “لم تعد اليوم لها القوة في الدلالة تعطل العقل وتعيق مسيرة الدفع بالفكر السياسي الريفي نحو آفاق الاجتهاد والتحديث والإبتكار
  • من خلال التداول والإستشهاد الشائع بالمقولتين، يتضح بالتأكيد أن الفاعل الريفي يسبح في حقل الظن والتوهم، ويجعل من فهمه للمقولتين عقيدة في منهجه النضالي، والساعية الى التبسيط المفرط للواقع الملحوظ
  • تبوث نية الإستصغار والإحتقار والإنتقاص في مساجلة الخصم استنادا إلى مبدأ التعامل بالمثل في خرق سافر لقاعدة احترام الخصوم كأول خطوة من خطوات تحقيق التحرر
  • تلك الأقوال موضع البحث، توهم للفاعل الريفي بأن كينونة المخزن سهلة المأخذ، وأن من السهل أن يزعزع كينونتها وشرعيتها ويحسم النزاع لصالحه دون شقاء وعناء، وهو ما لايأيده الواقع المادي الملموس

 

الدولة مثل هذه أستطيع أن أصنعها بنفسي ddewla n uqatun” Dawla am ta‪, ataf  ggigh nnit, “

بداية، كمنطلق للفهم والتَبَيُّن، وجب طرح التسائلات التالية:

ما مدى صحة ودقة وعمق هذه المقولة؟ هل فعلا الكينونة المؤسساتية المغربية مثل الو‫رق المقوى carton؟ماهي مزايا و راهنية وتفسير المقولة لحاضرنا المعاصر ؟ ما الذي يمكن أن نستنتجه منها؟

سيرة ذاتية بإيجاز

عرف بعدّنبي ن السوق ( … – 1996 ) ” لُقِّبَ “بالفيلسوف” و”الحكيم” معروف خاصة في أسواق آيت ورياغل. يُروى أنه كان مقاوم في إطار جيش التحرير. عاش بقية حياته ساخطا عن أوضاع عصره، مستهزئا بها، فأصبح، لأسباب مجهولة، يتسوّل متسكعاً في أسواق مداشر المنطقة. يقال أنه كان له أسلوب في التعبير خاص به، و ذاكرة وعي وإدراك. عرف بالأحمق ولم يكون مجنونا، ولاجاهلا .كان له كبرياء وعناد. يُعرف عنه الكثير من الأقوال تتضمن أطروحات و رؤى بعيدة المدى، تتميز بالعمق والتعقيد في المعنى، تحمل إيحاءات سياسية من خلال إرتباطاته بمحيطه الإنساني الاجتماعي

المقولة تستهدف الدولة المركزية المغربية، و هي مروية شفهية طُرِحت في قالب انفعالي، استفزازي، تناقلتها أجيال المنطقة. يُحتمل أن تكون قد لفضت بطريق عفوية في بعض أسواق المنطقة للتعقيب على أحداث 58/59 تعاطفا مع قضايا ومواقف محيطه أو ملخصا لكل ما دار في مجتمع عصره

مبدئيا، إن كان، حقا، بإستطاعة عبد النبي بناء دولة لكان قد بناها هو بنفسه، الواقع، أنه لم يكن بإستطاعته فعل ذالك!!! إذن ما المغزى من المقولة؟ ثم ان ماهي الغاية في الطموح في القليل أي إنشاء دولة كرتونية؟ وهل الريف يحتاج لدولة كرتونية؟ سواءا كانت تفيد الإستعارة أوالكناية أواستعمالا حقيقيا لمفرداتها، لايغير من الأمر شيـئا!

يإيجاز، المقولة تثير في جوهرها مسألة غياب العدل والأمن والأمان، والظلم، …

ما يعنيني أكثر في هذ البحث، هو كيف يتم تلقي واستهلاك هذه المقولة من طرف الفاعل الريفي المعاصر؟ وما هي الممارسات التي تجسد لهذا التلقي والتفاعل؟  محاولة الإجابة عن السؤال، سأجيزها في التالي:

  • المقولة اصبحت من الأفكار والمعتقدات العامة، لها الكثير من المؤيدين، يُستدل بها حينما يراد الإشارة إلى اللادولة أوهشاشة المؤسسات ومباني الدولة المغربية، المخزن، وحينما يراد تفنيـد ودحض حجج كينونتها والحط من شأنها والسخرية منها واحتقارها أو بِنِيَّة الإضرار بسمعتها وبهيبتها…
  • هذا النمط من الإستدلال يحيل إلى نوع ما من التبعية والتقليد الأعمى، والأفراط بالثقة في النفس، والتجرد من الواقعية وتزييف العالم المادي الملموس بكل معطياته
  • المبالغة في القدرات الذاتية. يَظهر المستدل/المتكلم كأنه ماسك بمقاليد الأمور، قادر على زعزعة مكانة تلك الدولة الكرتونية والأمن والاستقرار بداخلها، على حد تعبيره وهي كلها مؤشرات لسلوكات العجز عن المواجهة ووضع الخطط والأهداف المرغوبة، والتقاعس في تجديد وإنتاج الأفكار، والبحث والتمحيص، كما يشير إلى كلام مجرد من الرؤية الجادة والنضج والكفاءة
  • هذا النمط من الإستدلال يحمل في طياتها وثناياها فكرة التعفف وعزة النفس والتظاهر بالتفوق النوعي على الطرف الأخر، والدوغمائية والتعصب
  • عبارة نموذجية للمباهاة والادعاءات الوهمية والخيالية ناتجة عن إستجابة انفعالية في الشدائد والأزمات، عندما تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، وعندما يكون المرء في حالة مزاجية مكتئبة
  • هذا النمط من الإستدلال قد تدل أيضا على الإمتناع بالاعتراف بوجود الطرف الأخر، أي الدولة الغاصبة!  تحت دريعة إجتناب “التطبيع” !!! فما مغزى أن يكون الفرد فاقد لبديل ولأدنى مقومات التأثير في الأمور أن يمنح إعترافا لقوة نظامية قائمة بذاتها والإقرار بسلطتها، من عدمه، (عدم تكاُفئ الفرص والمقامات) وهو غباء وبلادة واستخفاف بعقول البشر ونفاق الذات.
  • هذا النمط من الإستدلال يستبطن نظرة تشاؤمية للحياة، ناتجة عن تفضيل الماضي وتعبر عن صعوبة إستيعاب الحاضر والمستقبل ومسايرة وفهم متطلباته
  • مقولة تدخل في إطار سردية لإرضاء شغف عامة الناس المتعطش للإثارة

 

مقولة  “هل أنتم حكومة أم عصابة؟” موحند ن عبد الكريم الخطابي

تركيبة الجملة تتكون من كلمتان ذي معاني متضادة: «الحكومة والعصابة”، في صيغة استفهامية، بلاغية، استنكارية، يقصد بها التقرير. المتسائل هنا، ع.ك.خ، يرجح أن يكون الصواب هي الفرضية الثانية.

السياق : السؤال جاء في رسالة وجهها موحند ن عبد الكريم الخطابي إلى  رئيس الوزراء المغربي آنذاك مبارك البكاي بعد احداث انتفاضة 58 / 1959 وذلك بعد أن قامت ميليشيات تابعة لحزب الإستقلال، باختطافات واغتيالات في صفوف منتفضين يطالبون بإقامة إدارة جهوية تسمح للريفيين بإدارة شؤونهم بأنفسهم، إضافة إلى مطالب أخرى مشروعة (18 مطلبا)

مقاربة مكيافيلية للسياسة

رجوعا إلى خلفيات وحيثيات المقولة، فعبد الكريم .خ كان يقصد بها ميليشيات حزب الاستقلال أساسا ومماراستها، والتي كانت ترأس الحكومة أنذاك. وبالتالي إذا كان مولاي موحند يقصد الحكومة فالحكومة، كما هو معلوم، هي محكومة بدورها، لا تحكم. أما إن كان يقصد بها هرم الدولة و القائمين على السلطة في المغرب بنظامها وأطرها وأحزابها في آن واحد، وهذا لم يرد في الرسالة، فالمقولة ثورية في طبيعتها، ولها تداعيات ثورية، تفيد وجوب جلاء الدولة العلوية عن المغرب وقيام دولة أخرى من جديد؛ حديثة وعصرية و:تأسيس عقد اجتماعي جديد و ايجاد ثقافة سياسية جديدة و إعادة بناء العقول، إلخ،…

في هذه الحالة، المقولة تسائل بإلحاح الجيل الحاضر وتضعه أمام مسؤولياته. إذ كيف لعصابة (إجرامية) تسود بدون حسيب ولا رقيب وتستحوذ وتسيطر على جميع خيوط التحكم في مؤسسة الدولة ومصير الشعب؟ التفكير المنطقي السليم يقضي أن “من بنى على باطل فهو باطل”! وبالتالي الإقتناع بالمقولة يستوجب العمل بها، والتقاعس عنه، يعني وجود فصام فكري وسياسي متجدر.

إجمالا، في جميع الأحوال، التقوقع حول مصطلح ضيق وتوظيفه كأنه مقولة سياسية وتنظير له قدرة شمولية لفهم الظواهر والإدعاء بعلميته يثير بعض الإشكالات منها:

  • قراءة إنتقائية، بحيث أن مقاربة مسألة العصابة في التنظير السياسي الريفي متنوعة بتنوع الزوايا والمناهج
  • الخلط بين حقب التاريخية، (المفارقة التاريخية  Anachronisme)
  • إسقاطات، متعلقة بالتصورات التي يولدها مصطلح العصابة في أذهان الرأي العام، إذ أن العصابة في المخيال الاجتماعي، تأشر على أنها مجموعة صغيرة خارجة عن القانون لسلطة الدولة تمتهن الإجرام، غير أن المقصود، وسياقها في رسالة الخطابي، ليست بتلك المواصفات السطحية الضيقة، بل يتعلق الأمر بتنظيم نظامي، يسن القوانين، يسود ويحكم وهو ما دفع بالفاعل الريفي ليفسره على غير حقيقته ولا يقيم له وزنا، وهو خطأ إبستمولوجي (الواقعية الساذجة Réalisme naïf)
  • المصطلح يثير الكثير من الغموض، فيحجب فهم حقيقية الرهانات والظواهر السياسية، وﻣﺪى ضخامة الصراع على النفوذ والحكم ﺿﺪ دولة نظامية، ونضام حكم متجدر، كما يعيق بلورة أهداف سياسية حقيقية والتقاعس عن الإجتهاد
  • ماذا استفذنا من هذه المقولة فضلا عن انها أضحت موضة خطابية، شعار يُشهر موسميا في المظاهرات، ويتم به محاولة مقارعة النظام والساسة في المغرب!؟
  • هل بمقدور الفاعل الريفي بقيام بثلك الثورة التي هي من تداعيات التشخيص الذي قام به موحند ن عبد الكريم الخطابي القائد السياسي المحنك العارف لخفايا وأسرار النظام والساسة المغاربة والمدرك لعلم السياسة التطبيقي، معاييره وخباياه،…؟

من جانب أخر، حركة التاريخ، تشابك وتعقد مستجدات الأوضاع السياسية، تفقد المقولة فعاليتها، وإن كانت حق مؤكد. والدليل أن “جمهورية” الخطابي، و”جمهورية” اليسار، و”جمهورية” أعبابو، و”جمهورية أوفقير”، والفكر الثوري والتمردات على الشرعية الرسمية والصراعات الاحقة، سلكن ذالك المنوال، بكيفيتهن وأدواتهن ومقاصدهن الخاصة، لم تفلحن ولم ينالن من النظام. استسلمن وبقي النظام قائم، يتربع على عرش السلطة، يسود على المجتمع ومكوناته ويُخضع من عداه، ومازالت قوية شعلته السياسية وكذالك مرتكزاته (إدارة الصراع وممارسة العنف والقوة وإمتلاك السلطان). ما العلة في ذالك؟ كيف يمكن تفسيره؟ أولا، الكيان ليس بكرتوني، ؤإن كانت تحكمه عصابة، فهي فعلا عصابة، متمكنة، تمارس سياسة واقعية براغماتية، لها حلفاء ودعم، … فتعريف السياسةيتضمن عناصر من الجواب، فهو فن المناورة للوصول إلى السلطة والبقاء فيها، كما تستند في المقام الأول على العوامل والاعتبارات العملية والمادية، لا مجال فيها للمعاييرالأخلاقية وما شابه ذالك. السياسة تبقى محكومة بقانون صراع القوى المادية، والغلبة للأقوى وهو ما يأيده الواقع السياسي الموضوعي المغربي (النظرية الواقعية السياسية بمفهومها التقليدي)

الإستبداد يستمد شرعيته من جهل وتخلف المجتمع

 

إن طبيعة الإستدلال في العلاقة الجدلية بين القوى الريفية الفاعلة والنظام المغربي، يطرح العديد من نقاط الاستفهام:

ليس بإستطاعة هذا التكتيك النقدي العقيم شكلا ومضمونا، أن ينال من حقائق موجودة وراسخة ودولة لها مؤسسات صلبة متجذرة في الدولة العميقة وتابثة في وجدان المغاربة وسلطة متمسكة بثوابتها، ونهج راسخ. لو افترضنا أن إنفجار سياسي أو تحول سياسي استثنائي أوإنتقال طرأ على الوضع الداخلي، فإنه سيتم إعادة إنتاج المؤسسات القديمة بقياادات جديدة لكن من نفس الأساسيات والمنطلقات. وإن كانت ظروف نشأتها الأولى وتطورها وقيادتها ونظامها تميزت بالفساد وسوء الإدارة و انفلاتات شتى، فهياكل الدولة وثوابتها مازالت قائمة والنظام لم يسقط بعد

هناك فارق بين، من جهة نقد فلسفة إدارة البلد وما راكمته الدولة والقائمين عليها من نهب موارد الشعب والكسب الفاسد وغياب حكم القانون والشفافية والمسائلة وحقوق الانسان وسيادة الظلم والإقصاء وانتهاك الحريات، و شطط السلطة والاستبداد، فهو كله مشروع، إذ أن مشهدية المخزن والبنية التسلطية في المغرب باتت واضحة ومعروفة. ومن جهة أخرى ادعاء أن الدولة، كرتونية في جوهرها، والادعاء بسهولة مبارزتها وارباكها!

كل عاقل يفهم في الجديات السياسية يعي بأن الإستبداد يستمد شرعيته من جهل وتخلف المجتمع وغياب مجتمع مدني فاعل، وبالتالي التربص بهكذا أسلوب، تعد محاولة بائسة وتافهة، تفسح المجال، عن غير وعي، لهذه الدولة، وقيادتها، لتزيد قوة وتماسك وجاذبية. من الصعوبة أن هذا التكتيك النقدي أن يغير مجرى الأحداث،و يُقَوِّض نظام نظام الحكم، ويستنزف قوتها. قافلة المخزن مرت ومازالت مستمرة في مرورها دون هوادة، ومقابل ذالك مازال نفس الكلام يُجتر إلى ما لا نهاية، في النقاشات والحورات. كلام تافه، أكَلَ عَلَيهِ الدَّهْرُ وَشَرِبَ، ومازال سواد الناس من أفراد الشعب يصدقونه. الإصرار في هذا النهج، والفراغ الحاصل الناتج عنه، سيزيد حالة المعسكر الريفي سوءاً وجمودا، وعلى كل الأصعدة، وسيبقي على الريف في حلقة مفرغة، وخانة الفكرة العقيمة،…

سياسة أم “معيور”؟

نفس التحليل ينطبق أيضا على مفردات ومصطلحات استفزازية أخرى، راسخة ومتواجدة بقوة في الخطاب والأدبيات الريفية، تكشف النقاب عن القدرات التواصلية والتعبيرية الحقيقية لمستخدميها، خاصة في المواقع القيادية.  أذكر على سبيل المثال لا الحصر AFITAR وتعني الحظيرة بالريفية (الدولة،المخزن،النظام= الحظيرة)  ومصطلحات  وسلوكيات أخرى، ليست بحقوقية ولا قانونية ولا عراكا سياسي حقيقي،… ولا فكر ثوري و لا تخضع لمعيار العقل ولا إلى متطلبات العمل السياسي الناضج، فقط تشوه الحقائق، ضنا ممن يُقِرُّونَها ومن يتبني هذا التكتيك، سيخدشون كينونة المخزن أو أنه سيقود لتفكيك مفاصيل دولة المغرب ، والحقيقة أنهم يخطئون التقدير والتصرف والممارسة الفعلية والقولية، كما أن تجسد سلوكيات طائشة، تفسد العمل السياسي.

واهم من يظن أن هذه السلوكيات ستجرد “موجة” الدولة من مقتضيات استراتيجيتها ومن عزمها للاستمرار في توسيع رقعتها السياسية واستهدافها للمعسكر الريفي وتحقيق مطامعها وتطوَير تطلعاتها إزائه!

قد يقول القائل أن هو أسلوب خاطف من تكتيكات حرب العصابات السياسية يلجأ إليه   الأضعف في مواجهة الأقوى، إلا أن الملاحظ أنه ليست لتلك السلوكيات لاأهداف سياسية و لا تنظيم، ولا عقيدة واضحة المعالم.

خاتمة

مما سبق، اختم بالملاحظات الاستنتاجية التالية:

  • التلقي والعمل بالتراث القولي للأقدمين، مادة جديرة بالبحث وبإمعان النظر العلمي، بحجة انهم يشكلون وعاء الفكر الريفي، تلعب دور في صياغة الكثير من المفاهيم و في صياغة مدارك وسلوكيات وإنفعالات الفاعل الريفي وكذا علاقاته الأجتماعية،…
  • في هذه الورقة إرتأيت أن أسلط الضوء على التقليد وبعض جوانب التي تأثر في الفكر والفعل الريفي المعاصر، أردته أن يكون نقاش موضوعي دون انحياز وبكل أريحية، لا امتدح أي طرف ولست ممن يعظّم وينفخ في الأمور عن فراغ
  • في نفس السياق، عندما لا تتغير الأمور وجب البحث عن مكمن الخلل. التحولات السياسية والمتغيرات في الصراع تفرض على الفعل الريفي، ونخبه الفاعلة، إعادة النظر في راهنه وتكوينه الفكري والنهوض من على تلك الفرضيات التي تفتقد للواقعية، وتجديد الياته ومنهجيته في الميدان العملي، والتعامل مع مستجدات الراهن كما هو
  • كتشخيص للآمور، على عكس ماهو سائد في بعض الأوساط الريفية من تصورات لا تستقيم عقلا، أرى شخصيا أن المغرب دولة بمجمل المعايير * وهو ما يجب التعامل معه بدون مركب نقص أو تحرج، لكيلا ننافق أنفسنا. يجب تسمية الأشياء بمسمياتها، كسابقة مُأسِّسة ومُمهِدة، حينئد يمكن ان نسعى قدما إلى الأمام لتحقيق المصالح وبلوغ الغايات المرجوة.
  • السيرورة التاريخية لنظام المخزن تبين أنه عَبَر التاريخ بأقل خسائر ممكنة، حافظ على جوهره ولديه مجموعة من اليات التحول والتغير والتكيف مع البيئة السياسية الجديدة والمناورة، فهو يحسن هذه العمليات ببراعة
  • هنا سوف أكرر قناعاتي الشخصية، ماعدا الرهان على السلطة وبناء القدرات الذاتية، المعرفية والتنظيرية والمؤسساتية والعلمية والعناية بالأمور الجوهرية ومواجهة التناقضات الرئيسية واستقطاب الكفاءات، ومحاولة لعب أدوار طلائعية، الرقي بأسالب التوعية والتربية السياسية. في الظروف الراهنة كل ماهو خارج عن هذه الدائرة فهي مجرد استعراضات، سفسطة، وتنصل من القضايا الأساسية، والتركيز على رهانات خاسرة وباطلة و إستئناس، ومتاهة وتلاعب بالألفاظ والموازين و قلب الحقائق و تضليل وخداع الساذجين. المآلات التي وصل إليها الريف، والمشاكل التي يتخبط فيها والتي يحصد فيها الخيبات، تثبت صحة هذا التحليل.

———————————-

*الدولة بمعناها الشمولي هو كيان سياسي قائم بذاته على نطاق جغرافي محدد، تُمارس السلطة فيه عن طريق منظومة من المؤسسات، كما أن هناك دستورا حكومة وشعبا، وسيادة، وإعتراف دولي، وإستحقاقات إنتخابية (وإن كانت شكلية)وجيشا، إلخ…

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock