أقلام حرة

الهجرة الدولية، تعبير عن مأساة بشرية

قيس مرزوق

 

مقدمة المداخلة التي قدمتها في إطار ندوة “الهجرة والتحضر: إشكالات، قضايا ورهانات” التي نظمتها شعبة علم الاجتماع بكلية الآدب-أكدال بفاس يوم 20 نوفمبر 2019 تكريماً للأستاذ عبد الرحمن المالكي.

عندما كنت صغيراً، اكتشفت علاقة غريبة بين الباخرة والحزن. الباخرة لم تكن وسيلة نقل، بل وسيلة لابتلاع الأهل والأصدقاء وأبناء البلد. والبحر لم يكن وسيلة لخلق الثروة، بل حدودا فاصلة بين دول وشعوب. لذلك كانت العائلات التي تتزاحم في الميناء لتوديع أهاليها، تبدو حزينة.

الهجرة ليست مجرد رحيل، دائم أو مؤقت. الهجرة اقتلاع للجذور، الثقافية منها والاجتماعية.

لذلك فقرار الهجرة قرار أليم. الناس عموماً لا يعرفون لماذا يهاجرون، لكنهم يعرفون لأجل ماذا ولأجل من يهاجرون: يهاجرون بحثاً عن حياة أفضل لهم ولذويهم.

المهاجر، في بحثه عن حياة أفضل، يضطر، في غالب الأحيان، ليس إلى ترك ذويه فقط، بل إلى التنازل الإضطراري عن شخصيته وعن إنسانيته.

في سنة ما من ستينيات القرن الماضي، تمكن فلاح شاب من الريف من الحصول على عقد عمل للهجرة إلى ألمانيا. وحتى يتمكن من الحصول على تأشيرة العمل (Stempel)، كان على الفلاح الريفي أن يذهب من الناظور إلى الدار البيضاء ليُجرى له فحص طبي تشرف عليه لجنة مغربية-ألمانية. بعد القيام بتحليل عينة من براز الفلاح الريفي، كانت النتيجة كارثية: اكتشفت اللجنة أن الفلاح المرشح للهجرة يعاني من التهاب في المعدة نتيجة إصابته بفيروس. كان سلوك اللجنة، رغم ذلك، متسامحاً، فقد مدوه ببعض الدواء ليتناوله لمدة شهر، فإذا ما تحسنت حاله، سيقبل، وفي حالة العكس سيُرفض ولن يتمكن من تحقيق حلمه بالهجرة إلى ألمانيا.

بعد شهر من تناول الدواء عاد الفلاح الريفي إلى الدار البيضاء لإعادة الفحص الطبي. ومن شدة عدم تيقنه من أن الدواء قد يكون قضى على الفيروس الذي أصاب أمعاءه، ومن شدة خوفه من رفض اللجنة مجدداً، اقترب من أحد المرشحين للهجرة الذي كان معه في طابور طويل في انتظار الدور وسأله: من فضلك، هل بإمكانك أن تمدني ببعض بُرازك لأدفعه للفحص، فأنا كنت مريضاً وأخاف ألا أكون قد تعافيت.

أجابه صاحبه: نعم، يمكن لي ذلك، لكن، كم تدفع؟ وبعد أخذ ورد اشترى منه عينة من البراز ب 30 درهماً وتمكن من اجتياز الامتحان الصعب بنجاح.

تبدو المسألة مجرد قصة بسيطة، لكنها في العمق تترجم جوهر المسار الإنساني التراجيدي الذي تختزله كلمة الهجرة.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock