أقلام حرةثرايثماسدراسات وأبحاث

بروز الاسواق النسائية في قبائل ساحل الريف الاوسط

محمد بدواو\ باحث في التاريخ

شكلت الاسواق الاسبوعية الريفية على مدار عقود طويلة فضاءات مفتوحة الابواب لاستقبال الاهالي من مختلف القبائل والمداشر المجاورة لها، ولقد تجاوزت ادوارها الاساسية المتمثلة في العلاقات التجارية وتبادل السلع، اذ باتت فضاء لتبادل الاخبار والخبرات والمعرف بل اصبحت ملتقى لنسج العلاقات الاجتماعية بين مختلف المداشر، ومع الاستعمار الاسباني برز دورها السياسي الجهادي بشكل واضح.
ان نوعية الاسواق تختلف من حين الى اخر، ولعل العامل الجغرافي له دور في ذالك، لكن الملاحظة الثابتة عن هذه الاسواق: هي انها تقام بشكل متعاقب ومنتظم على مدار ايام الاسبوع في مناطق مختلفة، الا انه تجدر الاشارة الى انه هناك مداشر عديدة لا تقام فيها الاسواق خلال يوم الجمعة نظرا لما يحمل هذا اليوم من الحمولة الدينية عند اهالي المداشر.
الاسواق النسائية :
لا نجانب الصواب اذ اكدنا ان استمرارية اسواق النساء تحققت بالريف وحده، وبين ايث ورياغر على وجه الخصوص( دافيد مونتكومري هارت باحث امريكي)، من المعروف انه هناك اسواق رجالية اسبوعية للرجال وفقط، لكن التاريخ دون لنا مرحلة خاصة لم تنل حقها من الاهتمام الا وهي مرحلة بروز الاسواق النسائية في الريف بشكل كبير وفي بعض مناطق المغرب بشكل محتشم ولم تستمر فيها لمدة زمنية طويلة(الريف قبل الحماية قبائل ساحل الريف الاوسط 1860 1912،ص.158)، هي اسواق للأرامل والفتيات الغير متزوجات، في هذه الاسواق يلتقي العنصر النسوي وتتاح له الفرصة لمزاولة مختلف الانشطة، وجدير بالذكر انه يمنع منعا كليا ولوج العنصر الرجالي الى هذه الفضاءات(حوليات الريف،ص.55).
نجد تضارب في الآراء بين الباحثين الذين تتطرقوا الى دراسة هذه الظاهرة، في هذا الاطار يقول الكاتب الاسباني ايميلو بلاكنو ايثاكا صاحب كتاب القانون الريفي: لازلت تعقد في نفس الاماكن والايام الاسبوعية منذ مئات والف السنين (El Rif, 2 parte la ley rifena ,P.46)
لكن القارئ لإيميلو بلانكو ايثاكا يدرك ان طرحه هذا لم يبنى على أي دلائل تاريخية ثابتة، ولعل هذا هو سبب جعل ثلة من الباحثين الى نقد طرحه، حول ما سبق يقول الباحث الامريكي دافيد هارت: من المحتمل ان تكون مؤسسة اسواق النساء قد وجدت فعلا منذ مدة طويلة، غير اننا لا نستطيع الجزم بأقدميتها الاف السنين كما يذهب الى ذالك بلانكو Emilo Blanco Izaga : corenel en el Rif,P.457))
الباحث الامريكي هو نفسه اكتفى بما سبق بخصوص بروز هذه الظاهرة ولم يقدم اطروحات اخرى في هذا المستوى؛ ولربما هذا راجع غياب قلة الوثائق التاريخية الضرورية لتتبع ودراسة الاسواق النسائية وفق المنهج التاريخي.
كما خصص بعض الباحثين حيزا مهما لدراسة هذه الاسواق خلال مرحلة بداية القرن العشرين لكن ليس لتطرق تاريخية هذه الظاهرة فقط اشارات حول اعداد هذه الاسواق في قبائل ساحل الريف الاوسط، على سبيل الذكر نذكر سانشيس بريز( Sanchez Perez) تعرض لأسواق النساء التي كانت تقام في منطقة ايث ورياغل مشيرا الى ان الاسواق الموجودة في هذه المنطقة بلغ عددها ستة(les Souk Marocains, p.115)
بينما الباحث تراون(J.F.Troin) اشار الى وجود سبعة اسواق في نفس المنطقة
( A.S Perez, Zoco de mujeres en Bni Uriagul, Africa).
اسباب التأسيس:
ان موضوع تحديد تاريخ انطلاقة هذه الاسواق، وتحديد موضعها الجغرافي والزمني، لم يلقى اهتمام وعناية من قبل كبار الدارسين للمؤسسات الاجتماعية في المغرب، اذ نجد اختلافات بين الباحثين فيما يخص الطريقة المتبعة لمعالجة هذا الموضوع فهناك من اشار الى وجودها في الريف الاوسط، وتم اعتبارها مؤسسة ذات انشطة مختلفة ومتعددة (مجلة حوليات الريف، م. س، ص.61.)، والملاحظ ان قبيلة ايث ورياغل التي تقع على ساحل الريف الاوسط، تبقى الاولى من حظيت بهذه المؤسسة الاجتماعية، هذا لا يعني ان القبائل المجاورة تنعدم فيها مثل هذه الاسواق(كانت ايضا تتواجد على سبيل المثال في كل من قبيلة بقوية، قبيلة تمسمان، قبيلة ايث بوفراح، لكنها لم تستمر فيها لمدة طويلة مثل ايث ورياغل ) وانعدمت فيها تلك الصبغة الاجتماعية التي وجدت في منطقة ايث ورياغل، هذه الاخيرة هي السباقة الى تأسيس مثل هذه المؤسسات(الريف قبل الحماية قبائل ساحل الريف الاوسط 1860 1912،ص.158)، لكن كيف استطاع المجتمع الريفي المحافظة على هذه المؤسسة لمدة من الزمن؟ تساؤل يستدعي الوقوف الى العوامل المفسرة لهذه الظاهرة وذلك عبر مجموعة من الاطروحات التي عرضها ثلة من الباحثين خاصة الاجانب:
الفرضية الاولى :
التي تعود الى الباحث سانشيز بريز (Zoco de mujers,p.22.)، حيث يرى ان هذه الاسواق اتت كنتيجة للنزعات الدموية الداخلية بين القبائل والقسمات واللفوف. حسب ما اورده صاحب هذه الفرضية ان النساء هن بعيدات اشد البعد عن تلك الصراعات والنزعات، وهن اخذن على عاتقهن مسؤولية الاعالة والقيام بالعمليات التجارية واقتناء المستلزمات الضرورية للعيش، هذه الفرضية نعتها الباحث عبد الحميد الرايس بـ فرضية انعدام الامن(مجلة حوليات الريف، م. س، ص.62.)، ويضيف الباحث عبد الرحمان اليوسفي «ان الصراعات الداخلية بين المستويات المختلفة للقبيلة بلغت في منطقة الريف حدا يتجاوز جميع مناطق المغرب، حيث كانت المنازل متباعدة الواحدة عن الاخرى، والرجال يمكثون المنازل متربصين كان بمقدور النساء وحدهن قضاء الحاجيات الضرورية من اسواق خاصة بهن»( les institutions de la République du Rif, in colloque Abdelkarim,p.83)
بينما يرى الباحث الامريكي دافيد هارت أن هذه الفرضية من الوهلة الاولى تبدوا انها في قمة الحقيقة وواقعية لكن في الواقع ليست كذالك، ولعل ما يكسر جوهر هذه الفرضية هو استمرارية اسواق الرجال ابان حقبة النزعات والصرعات بين القبائل والقسمات، فإن حصل نزاع ما أهينة حرمة السوق وتفرق المجمع، ويقال باللسان الريفي “يارز اسوق” اي السوق نُسِف، حتى لو حصل هذا فإنه لا يعني عدم انعقاده الاسبوع الموالي له.
الفرضية الثانية:
يطرح الباحث اندري ادام ( ايث ورياغل : قبيلة من الريف المغربي دراسة اثنوجرافية و تاريخية،ص.125)، فرضية ذات طابع فيزيولوجي مفادها ان نسبة قارة من النساء يأتيهن الطمث، وهذا سبب جعلهن عدم الولوج الى الاسواق الرجالية، وللخروج من هذه الازمة تم العمل على خلق الاسواق الخاصة بالنساء منفصلة عن الرجال كليا، يضيف ادام ان ارتياد بعض النسوة لمؤسسة السوق الرجالية امر يخرق القاعدة العرفية التي بني عليها السوق، ويقول انه من الصعب فهم وتحليل هذه الظاهرة حسب تحليل المستجوبين في اليوم الحاضر للأن « الطقوس هي تبقى بعد زوال المعتقدات». لقد عمل صاحب ايث ورياغل الى طرح ومناقشة هذه الاطروحة مع ثلة من المستجوبين، واكد ان الجميع لم يقتنع بها وانها مثيرة للضحك(نفسه،ص.125)، ولعله نفس الامر حصل اثناء القيام بالجولات الميدانية والتجول بين الاسواق قصد حصد المعلومات الاضافية حول هذا الموضوع، اذ ثلة من شريحة المجتمع تؤكد على انها بنيت على اسس غير صحيحة.
الفرضية الثالثة:
تعود لصحبها الاسباني مالدونادو(Digresions sobre los zocos, in Miscelanea Marroqui )
اذ يربط ظاهرة الاسواق بـ « القبائل التي تكون العادات الاجتماعية فيها مبنية على تقسم العمل بين الجنسين في مختلف الانشطة اليومية». من المؤكد ان هذه المسالة هي منطبقة في جميع مناطق المغرب عامة والريف خاصة، والاشغال في منطقة الريف منقسمة الى قسمين، وهذا راجع الى كونها منطقة قروية، القسم الداخلي ولعل النساء هن من يزاولن هذه الاشغال، القسم الخارجي ولعل الرجال هم المعنيون بالقيام بجميع الاشغال التي هي خارج المنزل، كذلك الاعراف والتقاليد المحلية لا تسمح للمرأة بالاختلاط مع الرجال دون وجود زوجها (مجلة حوليات الريف، م. س، ص.63.).
الفرضية الرابعة :
تعود الى صاحبها بريز ( Zoco de mujers, p.22)، اذ يشير الى ان السبب في احداث هذه المؤسسة الاجتماعية يعود الى فائض في العنصر النسوي الذي كان في الماضي مما ادى بهن الى الانخراط والمشاركة في التجارة.
الفرضية الخامسة :
تعود الى صاحب ايث ورياغل، مفادها ان القانون العرفي الريفي وموقف الرجال من النساء كان عاملا اساسيا، ويضيف انه العامل الوحيد الذي ادى الى خلق اسواق النساء في المنطقة، ويستطرد قائلا ان مسألة التمييز بين الجنسين حاسمة، ويركز هارت على عزل العنصر النسوي عن الرجاليلكون الاعراف و التقاليد لا تسمح بذلك.
الرواية الشفوية :
هناك تضارب في مسألة تأسيس هذه الاسواق اذا نظرنا اليها من ناحية الروايات الشفوية المتداولة، حيث يؤكد بعض الريفين على ان سبب نشأتها يعود الى نسب النساء الى عائلات محترمات سواء عازبات او متزوجات، لكون هذه النساء اذ ولجن الى اسواق الرجال قد يعمد احد اقربائها الى قتلها.
بينما رواية اخر تفيد ان احد الاعيان وهو سيدي محند بعد استقراره في سهل نكور قام بإنشاء اسواق؛ احدهما للرجال قرب الوالي سيدي بوعفيف، واخر للنساء بأزغار ولا تفصل بينهما اي مسافة كبيرة ( الريف قبل الحماية قبائل ساحل الريف الاوسط،ص. 159).
ان الاجتهادات والتحليلات التي طرحها الباحثون من خلال الفرضيات الستة قامت على انقاض مجموعة من المعطيات الاجتماعية ابان مرحلة الصراعات والنزعات، كذلك ركزت على احد اهم ميزات الذهنيات والثقافات التي كانت سائدة، ان كل ما سبق فرض وجود نظرة عامة حول المرأة ودورها الاجتماعي، جل ما تم ايراده لا يخلوا من الاهمية والجدية الى انها فسرت بعامل وحيد فقط مما جعلها سكينة المعطيات المباشرة لكونها ركزت على عامل وحيد من اجل تفسير الظاهرة. لا يمكن فهم اي ظاهرة كيف ما كانت اذ تم النظر اليها من زاوية وحيدة، خاصة اننا لن نصل الى المبتغى الرئيسي لفهم العوامل الاساسية التي ادت الى ظهور هذه المؤسسة، لبد من دراسة شاملة سوسولوجيا تاريخية لفهم وادراك الحيثيات التي انتجت لنا هذه المؤسسة.
وكي لا نطيل على القارئ سنحاول في مقال اخر التطرق الى المزيد عن هذه الظاهرة الاجتماعية.
محمد بدواو\ باحث في التاريخ.

الوسوم