أقلام حرة

بعد مرور عامين على المسار الحراكي

خمبس بوتكمنت

بعد مرور عامين على المسار الحراكي بمنحنياته المبيانية و بنقط انعطافاته في مراحل اتسمت بتغير المعطيات على الارض و الوقائع ، أعتقد أن الراهنية تقتضي جرد المحصل عليه و تحليله إذ لا يمكن ان نستشف المستقبل دون تحليل الماضي و الحاضر و عليه يمكن تسجيل ما يلي (و هو رأي شخصي يتقبل الخطأ اكثر من الصواب ) :
*فيما يتعلق بالداخل :
يبدو لي ان الحراك بالداخل صار طقسا روحانيا يتم تداوله على مدار الساعة و الخوض فيه بشكل يومي و هذا مؤشر يفند القول القائل ” ان الحراك مات ” ، إذ ليس بلورة اشكال احتجاجية وسط مناخ ميداني ضبطته السلطة بآلية الأمن و المقاربة الامنية نتيجتها الحتمية هي العنف و الاعتقال و إسقاط العنف المادي عبر جهاز الامن الردعي و هو أمر يتنافى مع فلسفة السلمية التي انبنى عليها الحراك ، ثم إن الاحتجاج المباشر يعطي نتائج عكسية أهمها إحساس القاعدة الحراكية بالضعف نظرا لتفاوت اللوجيستيك المادي ، فالمحتج يمتلك حنجرة و لافتة بينما جهاز الردع يمتلك الترسانة المادية الرادية و كذا أجهزة العقاب و التطويع (مخافر ، محاكم ، … ) هذه الندية لا تخدم الحراك و لا قاعدته الجماهيزية لانها تستنزفها نفسيا و طاقيا و تسرِّع من تحصيل هدف المقاربة الامنية و هو الإضعاف الكلي الذي سينتج إخراج الحراك من خانة التداول كإنشغال الى خانة المُتَخَلص منه ، ثم إن الحراك ليس قوته في الاستعراض الاحتجاجي بقدر ما أن قوته الحقيقية تتجلى في كونه انبثق من الهامش الذي يعتبر في نظر المخزن أرضية تخصيب و تنشئة إيديولوجية الطاعة و مجالا لصناعة بدائله (اكتساح الاحزاب الادراية للانتخابات في الهوامش لموازنة خريطة المشهد السياسي المظهري المصنوع ) ، فجاء الحراك ليحرق هذا المؤشر و احرق حتى النخب المخزنية الرسمية التي تم صنعها لتلعب دور الأعيان السياسية و الحزبية ، لهذا فالانفراج الحقيقي في ملف المعتقلين رهين بعاملين ، اولهما القوة الضاغطة احتجاجيا و هو مفتقد الآن بسبب المقاربة الامنية ، أو بتجهيز منظومة الاعيان المخزنيين الذين سيخلفون رماد البام و هو ما لم يتم تحصيله لحد الان ، أضف الى هذا عوامل أخرى أبرزها العامل الرمزي للزفزافي و المعتقلين الذي يسبب أرقا للسلطة التي سعت في تاريخها على احتكار البعد الرمزي دون مزاحمتها في ذلك من اي كان ، و كذا قدرة الحراك على بناء خطاب يسمي العلل بأسمائها و ينسبها لخارج من حددت السلطة ان يقوموا بوظيفة تحمل زلات و اعطاب صنع السياسات الكبرى التدبيرية و الاستراتيجية ، و كذا مشاركة فئة عريضة من الناس يصعب ضبطها لانها خارج مظلة النقابات و الاحزاب التي سماها الحراك بحفاضات المخزن .
* فيما يتعلق بالخارج :
الحراك بعد بداية مرحلة الاعتقالات ظهرت فيه تعدد الاقطاب المتباينة من حيث نظرتها لعلة الاعتقال و ماهيته ، مما انتج تباينا في الرؤى للبدائل و الحلول للضغط للتسريع بتحصيل نتيجة إنهاء الاعتقالات بالافراج عن المعتقلين ، مع حركية الزمن و تراكمه انتقلت هذه البدائل من كونها نتاج تحليلات الى انعكاسات لردود فعل نفسية بعد تحول الصراع من صيغة عمودية بين قاعدة حراكية ضد السجان الى صيغة افقية بين مكونات الاقطاب ليتم الدخول في مرحلة الاستنزاف الذاتي اي في صراع ريفي_ريفي بدل أن يكون صراع ريفي_سلطة ، هذا الصراع الافقي الذي يهيمن عليه ما هو نفسي أنجم صنع كل قطب للخصم(المخزن) في قالب ريفي ، فصار الحراكي بالخارج يبحث عن المخزن في دائرته الريفية بدل البحث عنه في قالبه الحقيقي الذي هو الاجهزة و المؤسسات و الأذرع ، ما يحدث كان نتاج التطبيع مع ثقافة العنف الرمزي الذي ساد بين الريفيين بدءا من العنف الخطابي الذي مأسس لشرعنة التخوين و مرورا بمحاولة تكييف فلسفة الحراك مع طرح هذه الاقطاب ليسهل تصنيف الآخر في خانة الخصم المندس و المتآمر الخائن العميل المخزني … تم ذلك بتوظيف آليات الاستنزاف و الانقسامية كالتماهي مع طرح المحاظر و تجريم التسييس بدعوى تجنب الإغراق و حصر الحراك فيما هو اجتماعي دون اعتبار ان العلة الاجتماعية هي نتاج خلل لقرار سياسي ، و بالمقابل ايضا تم توظيف مفهوم التصعيد فيما هو خطابي بالعمل على الخروج عن المألوف الجمعي دون امتلاك الوسائل الاداتية و الفكرية و الترافعية التي يستوجبها الترافع من نطاق الحق الكوني لتقرير المصير ، هذه الانقسامية افرزت إحداث شرخ افقي بين عريضة الريفيين الحراكيين بالخارج أي نجحت في تفكيك بوثقة الوحدة الى جزيئات مفككة و هذا يضعف الحراك و لن يكون هناك ضغط حقيقي على السلطة بوجود أقطاب كان الاجدر ان تلعب أدوار التكملة بدل أدوار التقسيم و التفكيك .
بإيجاز و كخلاصة وجب راهنيا دراسة الحالة الحراكية من منظور علم النفس الاجتماعي لجرد صدماتنا و عقدنا و الخلل الذي يستشري على الجسد النفسي الحراكي ، و بعد هذا التشخيص انذاك يمكن ان نستخلص ما يمكن نقوم به حسب حالتنا النفسية و ما وصلت إليه ، و قبل ذلك وجب التذكير أن هذه العنتريات و كل أشكال المبارزة هي نتاجات صدامية لسلوك نفسي غير طبيعي التي تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في تسريع تفشيها من خلال محاولة رسم انعكاسات بطولية بتقمص الإرث التاريخي و السياسي لحمولة الريف في علاقته مع السلطة دون أدنى إلمام لهذه التجربة أو من خلال توظيف الرموز التاريخية و صور المعتقلين لتغليف إرادة اي كانت الحقيقية في إثبات الزعامة بتغليف ذلك بصورة عاطفية مظهرية كإبداء الحب للمعتقلين لإستبطان غاية رغبة تحصيل التميز و التفوق التي يتم اخفاؤها بمسوغات كثيرة تمويهية و توهيمية .
الحراك انتقل من منظومة احتجاجية ضد ثقافة التسلط و الحكرة و التهميش و مظاهر الاستعباد الى منظومة نفسية محركها العلل و الاعطاب و تصارع الصدمات فتم تحصيل كائن حراكي يصرخ مظهريا ضد المخزن و لكن في داخله يشتغل بنفس البنية النفسية للمخزن نفسه بحضور الانتقاص من الاخر و تغليب الاحادية و الرغبة في الإعلاء المعشعشة في باطن العقل الحراكي الآن ، وجب الانتباه لهذه التفاصيل حتى لا يصل الريفي المدافع عن الريف يفكر بنفس عقل السلطة و المخزن و يكون بذلك قد وضع نهاية لهذا الحراك الذي هو ثورة ذهنية على عقلية التسلط و على ذهنية الإتباع و سلوك الإخضاع و يصير الريفي ينظر للريفي بنظرة الرعية كما يفعل المخزن بالضبط .
اتمنى ان اكون مخطئا

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock