أقلام حرة

بلال أهباض المعتقل على خلفية حَراك الريف

حسن الحافة

 

بلال أهباض المعتقل على خلفية حَراك الريف

والمحكوم عليه بعشر سنوات سجناً، مبغاوّش يخلوه يحضر مراسيم الدفن ديال الأمّ ديالو لي توفات بالسرطان.. ولسخرية الأقدار، أن ما خرج الابن يطالب ببناء مستشفى لعلاجه والحدّ من عدد الأرواح التي يختطفها يومياً؛ واُعتقل على خلفيته، هو نفسه المرض الذي اختطف روّح أجمل الأشياء في حياة كل شخص؛ الأمّ.. حتى وهو يقدم لإدارة السجن حيث يقبعْ طلب تمكينه من إلقاء نظرة الوداع على جثتها وهي تُدفن؛ لحدود هذا الصباح مزال مجاوبتو الإدارة المعنية.. مع أن عليوة خرج يدفن مّو؛ وهو المتهم باختلاس ملايير السنتيمات من المال العام، أموال الفقراء والمُسضعفين.. خرج ومرجع باقي ليه؛ لتكون بذلك أطول عملية دفن في تاريخ البشرية.. بلال، وحسب ما قريت في بعض التدوينات هاذ الصباح، أنه يهدد بوضع حد لحياته ما لم تستجب الإدارة لطلبه.. منحهُ الحق في توديّع جُثمانها لمثواه الأخير.. أن يحتضن ذاك الجسد المسّجى بالأبيض بآخر نظرة قبل أن تُهال عليه الأتربة.. الإدارة لم تلتفت له.. فهي بطبيعتها امتداد لمنظومة استبدادية.. قمعية.. حقيرة لا تفوت أي فرصة لإذلال أي إنسان، فما بالك بالمناضل أو المُعتقل السياسي.. تنتظر الفرصة لتمارس عليه شتى العذابات النفسية، وأعلم جيدا حالة بلال النفسية الآن، فقد سبق لي أن عاصرتُ حالة هستيرية تملكتْ سجينًا بمجرد ما أُخبر بموت والدته.. انتفض وراح يصرخ كالمجنون.. استحال على أربعة سجناء أشدّاء يحكمّوه بعد أن هاج وثار.. لعن المخزن والنظام.. لعن الحياة التي ستصبح بلا طعم وملحها (الأم) يذوب للأبد.. لعن الحراس بالاسم؛ وهذه المرة لم يرتهب أو يخاف؛ فمن كان لأجلها يتفادى المشاكل على أمل معانقتها خارجا، قد ماتت.. كسّر وضرب.. ركل ورفس.. وبدل الحارسين؛ دخل عشرة ليصفدوا يديه لعله يهدأ، وفي نفس الوقت، ليهينوه ويدمروا ما تبقى من كرامته.. علقوه للقضبان، ومع حركاته الهائجة لعله يتخلص من الحديد، فارتْ الدماء من معصميّه ولم يبكي ألما بسببها؛ بل أبكاه شرخ فراق يُستعصى على النسيان.. نظرات مدير المعْقل له ساخرة وشامتة.. أي قلب قاسٍ يملك هذا الرجل.. ماذا فعلوا به ليجعلوه كائناً بلا مشاعر .. فحتى في أبشع الحروب، كان يحضر التعاطف والرحمة .. نموذجاً، سجين ألماني نازي تخلى عن قتل خصمه لمجرد أن رأى لعبة لدب قطني صغير مدسوسة بحزام سرواله.. فعرف أنها تعود لطفلة صغيرة تركها خلفه وجاؤوا به لخوض حرب تخدم مصالح حُكامه ونزواته.. ففي الحرب ياصديقي ليس هناك جندي غير مجروح؛ فمن لم تجرحه الرصاصة، جرحته أشياء أخرى داخلية…

يحدث هذا مع سجين حق عام.. سجين دخل بتهمة اعتراض سبيل المارة وسلبهم أموالهم، ومن قاوم، تنهال عليه ضربات ساطوره الكبير.. هكذا تعامل لص مع خبر موت أمه؛ فما بالك بمشاعر مناضل فنان، مانح الأمل، مثقف، مع الخبر، وهو من كان يكن لها حباً عظيما، وعلى ما أتذكر أنه قال؛ لأجل أن لا تمرض أمهات الآخرين بالسرطان، خرجتُ أحتج.. على العموم سيظل تاريخ من يحكم البلاد ملطخاً بلاّ شرف .. بلاّ أمانة.. بلاّ شرعية.. بلا أي محاولة منهم لأن يمنحونا إشارة واحدة صادقة عن كونهم يريدون فتح صفحة جديدة بعيدا عن شعارات تسويقية كاذبة.. فبماذا سيسيء لهيبة الدولة – كما يدعون – السماح له بعناق والدته لحظة إنزالها لمثواها الأخير؟ في ماذا سيفيدهم تحقيره أكثر مما هم يفعلون بسجنه لعشر سنوات؟ هل يعتقدون أن الغضب سينتهي مع كم معتقل رأي؟ واهمون أن يظنوا أن للبركان فوهة وفقط ونسوا باطنه المنتفض..
هذا الصباح أيضاً يفقد واحد من قيّادة حراك جرادة والده، ولسخرية القدر مجدداً، أن موت والده راجع لمخلفات سنوات من شمه لرائحة الشاربون.. مات بسبب مرض صدري ناجم عن الفحم، وهو نفسه ما رفعه الشاب يطالبُ به، بديل اقتصادي يعفينا من فقدان آبائنا مبكراً.. ربما أيضا لن تسمح له إدارة سجن – برخصة – الخروج لحمل جثمانه للمقبرة.. لن تمنحه شرف تلقي العزاء في الشخص الذي كان “عزاءهُ” لحظة المحن والأزمات..

رحم الله أب ادعينين وأم أهباض..
والحريّة لكل المعتقلين.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق