ثقافة

“ثبراثين ن مارزق”.. عمل تلفزي لتشريح سوسيولوجية المجتمع الريفي

رسائل مرزوق أو عندما يقوم العمل التلفزي بتشريح البنية السوسيولوجية للمجتمع الريفي.كعادته، عودنا المخرج و المنتج و السيناريست محمد بوزكو على معالجة القضايا الاجتماعية و النفسية و الانشغالات الجمعية بالريف في اعمال سينمائية على مر السنوات الاخيرة. ليعود إلينا هذه المرة بعمل فريد عبر عمل تلفزي من خلال سيناريو tibratin n marzuq و الذي أشرف على إخراجه المخرج طارق الإدريسي.

رسائل مرزوق عمل على تفكيك البنية الريفية على ثلاث مستويات مختلفة .فعلى المستوى الأول يستعرض العمل مظاهر السيبة الإدارية في القرى و الهامش الريفي و هو استدلال و برهنة على التهميش و الإقصاء، إذ يصور العمل حقيقة غياب الدولة في ريف الثمانينات، و يتضمن إستبطان غير مباشر للتعبير عن غياب القانون و التعاقد الإجتماعي من خلال حضور هيمنة عُرف الجماعة و تشريعات المدشر على أي قانون سيادي وضعي، ثم باستعراض غياب التنمية عبر تعبيرات ساكنتها المعتمدة على المياومة و الفلاحة التقليدية و الاعتماد على الحوالات المالية المرسلة من اوربا.

و ركز العمل على إظهار انتهازية السلطة الدينية (الامام-لفقيه) و السلطة الادارية (عون سلطة/ المقدم) و تحالفهما لاستثمار التخلف المجالي للإغتناء عبر استغلال الأمية و الجهل المهيمن على تكتل الجماعة السكانية و استغلال المعطيات الشخصية من خلال اقتحام خصوصيات و أسرار الغير التي تتضمنها الرسائل المتجسس عليها بالاستعانة على فساد مؤسسة البريد كمرفق عمومي.

أما في المستوى الثاني فيقوم العمل بتسليط الضوء على ظاهرة الهجرة و ربطها بالإنشطار الأسري و التفكك الذي تخلفه على تكتل الجماعة الريفية/المدشر ، إذ استطاع كاتب السيناريو و المخرج في إظهار مستوى التوتر و غياب السلم الأسري الذي تعيشهما الجماعة جراء الهجرة التي تعتبر عائدتها ضمانة عيش لأفرادها، و تخلق مستويات صراع متباينة ناجمة عن الرغبة في الإثراء و تحسين مستويات العيش و الدخل و كذا باستعراض اتكالية افراد المدشر و اعتمادهم على الهجرة كخلاص و حل للمعضلة الاجتماعية و ما يرافق ذلك من ارتفاع منسوب الدسائس و الصراع و الخلاف الذي يصل لحد القطيعة العلاقاتية.

و في هذا المستوى ركز العمل بشكل حاذق على الأعطاب الاجتماعية في البيئة الريفية و إظهار البنية القيمية داخلها ، و لعل أبرزها وجود قابلية للقتل الرمزي للافراد بالاعتماد على الاشاعة و إجماع الجماعة على تبني اطروحة شفهية للنيل من السمعة و لغاية العزل – كحالة القابلة -، هذا بالاضافة الى الكشف عن منسوب الازدواجية و التباين في نفاق الجماعة من خلال المشاهد المغلقة التي يكون فيها المظمر مخالف لما يتم التعبير عنه في محيط الجماعة المفتوح بين الافراد. أما المستوى الثالث فهو التركيز على جرد مكامن القهر الذي تتعرض له المرأة في المجتمع الريفي للثمانينات و الذي يجردها من حق اتخاذ القرار و إبقائها ملحقا لإرادة الرجل الذي يقرر مستقبلها وفق حساباته الانتفاعية و الربحية، من خلال اعتبار المرأة صفقة لتحسين و تقوية النفوذ من خلال تزويجها بالإكراه و اعتبار تعنيفها ممارسة اعتيادية تدخل في نطاق الواجب و التأديب للحفاظ على التفوق الذكوري و هيمنته على المؤسسة الأسرية و المجتمعية.

و سعى عمل رسائل مرزوق الى إظهار النظرة الدونية إزاء الطفل و توظيفه في طقوس الشعوذة و إظهار افقه المستقبلي معدما من خلال تصوير الاطفال على مر طول الحلقات المعروضة إما يلعب أو حاضرا في نقاشات الكبار التي تفوق سنه و قدرته الذهنية و الإدراكية و لم يتم تصوير اي طفل متمدرسا كإشارة على غياب التمدرس في الهامش الريفي إزاء الفترة الزمنية التي يعالجها العمل التلفزي.

و كعادته ، فبوزگو الحامل لهم الأمازيغية حاضرا في العمل من خلال إظهار tibratin n marzuq للتباين اللغوي و القطيعة التواصلية بين الطبقة السفلى/عامة الناس و مؤسسات الدولة الرسمية من خلال حوار الساعي مرزوق مع القاضية في جلسة الاستماع التي تظهر التهميش اللسني للأمازيغية باعتماد القاضية العربية في تواصلها مع متلقي يجيب بالأمازيغية، هذا دون إغفال الإشارة الى توثيق العمل لمستوى التباين بين اللغة التواصلية الشفوية/ الأمازيغية و لغة النصوص المكتوبة الدخيلة على الجماعة في شخص الرسائل، الشيء الذي فرض على الجماعة البحث عن وسيط تواصلي ينقل رسالة بلغة لا يفهمها لا المرسلِ ولا المرسَل إليه .

ختاما، يعتبر عمل رسائل مرزوق إضافة نوعية للعمل الفني الريفي، فهو لا يختلف في شيء عن الأعمال المكتوبة و الابحاث التي نحتفي بصدورها و التي تنشغل بتحليل البنية النفسية و السوسيولوجية بالريف ، فكلاهما يسائل تركيبتنا الجماعية ذهنيا و سلوكيا و اجتماعيا و يخرج المقموع في سيكولوجية الجماعة للعلن.

أخيرا؛ يعتبر الأبله الذي شخصّه باحترافية عالية Mimoun Zanoun دليلا على قوة اطلاع بوزكو على الأدب الروسي و اللاتيني و قدرته على ايجاد التجانس بين الأبله الريفي موراي و الأبله في الادب العالمي الذي يعتبر تمثلا للتعالي على خطوط تفكير الجماعة و تحرره من قيود الإجماع باعتباره الحر الوحيد الذي يعبر عما يريد و الوحيد الذي يعرف حقيقة المحيط به و الذي بمقدوره تجاوز الطابوهات.

في اعتقادي فالعمل ناجح بالنظر للامكانيات المحدودة للعمل التلفزي و السينمائي بالريف الذي يعتبر في مرحلة الولادة و المخاض و الذي يفتقر للموارد البشرية الكافية و الذي لا يلقى الدعم اللازم من لدن الدولة.لذلك أعتبر هوة اللكنات في تشخيص الأدوار لا تستحق النقد، كاعطاء دور لعون سلطة ذو لكنة ايت ورياغل على جماعة لكنتها مزيج من لكنة قلعية و ايت وريشش ، و هو السبب ايضا الذي لا يجعلني اتوقف كثيرا عند اختلاف لكنة أختين وفاء مراس / إكرام حجازي.

و فعلا استطاع زينون الذي أبدع في تقمص دور استثنائي ان يهيمن و يستحوذ على انفعالات المتلقي أكثر من مرزوق الذي يعتبر البطل الرئيسي ، كما أن شهيرة و وفاء مراس و رشيد أمعتوگ و المحجوب بنسيعلي و الكبير بنعيسى المستيري أتقنوا الدور أكثر من شخصيات اخرى لم تتخلص من التأثر من سلطة الكاميرامان و ظل تشخيصها أقرب من التشخيص على خشبة المسرح.شكرا للجميع على هذا العمل الذي أنقذ الأعمال الامازيغية من نمطية البهلوانيات و الاعتماد على تقويض الجباه و الافواه لصنع فرجة بئيسة و الاستعراض الذي لا يحترم ذكاء الجمهور و المتلقي.

شكرا بوزكو و طارق الإدريسي على هذه التحفة الرائعة و شكرا على توظيف الإرث الشفهي من إزران و اعادة إحياء جزء من ذاكرتنا الشعبية و على استحضار الغنى اللغوي لثاريفت و إحياء قاموس مهم من اللغة عبر هذا العمل.

الوسوم

مقالات ذات صلة