أقلام حرة

جاكوب كوهين يكتب *الغرور الصهيوني*

جاكوب كوهين

التعريف: في التراث الإغريقي القديم يطلق اسم *هوبريس* على كل ما تعتبره الآلهة في سلوك الإنسان إفراطًا وكبرياءً وغرورا، ويستدعي عقاب تلك الآلهة لأن صاحبه إنسان لا يقف عند حدوده بل يفرط في الغرور و الكبرياء وهو ما يجلب عليه الانتقام الإلاهي من طرف *نيميسيس* بشكل لا رجعة فيه وهو الانتقام الذي يمكن أن يتجلى في الإبادة النهائية للفرد .
يمكن إجراء مقارنة مع تطور الصهيونية رغم أن هذه الأيديولوجية ليست الأولى منذ زمن الإغريق القدماء التي شرعت في مغامرة من هذا النوع، بل يمكننا استحضار نهاية إمبراطوريات أخرى أصابها الغرور ، بما في ذلك الإمبراطوريات الاستعمارية ، التي فشلت في تكييف طموحها الجامح مع متغيرات الوقائع الجديدة. لنتخيل ما كان سيحدث للإمبراطورية اليابانية لو لم تهاجم الولايات المتحدة الأمريكية أو ما كان سيكون مصير الرايخ الذي تزعمه هتلر لولا هجوم هذا الأخير على الاتحاد السوفيتي في نهاية الحرب العالمية الثانية.
إن الصهيونية في بدايتها – وهنا أتحدث عن أولئك الذين جاءوا من الإمبراطورية الروسية لتنفيذ مبادئ الصهيونية على أرض الواقع – كانت تسعى للحصول على أرض لتحقيق هدفها. كانت أوغندا وبيروبيدجان بمثابة مرحلة مؤقتة غير ملائمة ولذلك فإن الزعماء الأوائل وقعوا بأعين مغمضة على خطة تقسيم أرض فلسطين التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 1947.
لكن تحقيق مشروعهم لم يدفعهم إلى الاستسلام، بل على العكس تماما، أدت عقود وسنوات من النضال ، بما في ذلك العمليات الإرهابية ضد البريطانيين والبيئة العربية المعادية ، إلى كل تلك المغامرات العسكرية ، بما في ذلك سلسلة الأفعال الانتقامية المدمرة ضد الفلسطينيين ، والعدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956.
و قد شكلت حرب 1967 نقطة تحول في تصورهم فكانت حربا معدة بدقة وانتهت بانتصار مدوي ساعدت الدعاية في منحه الشرعية لأنه منع وقوع “محرقة جديدة” ! مثل المحرقة النازية .

بعد الحرب طرح السؤال ماذا نفعل بهذا الانتصار؟ دافيد بن غوريون ، الذي لم يعد في السلطة آنذاك ، كانت لديه نظرة سياسية وتاريخية أكثر من غيره فاقترح إرجاع كل الأراضي المحتلة باستثناء الأماكن اليهودية المقدسة في القدس مقابل سلام حقيقي. كان من الممكن أن يتم ذلك بضمانات من المجتمع الدولي ولو حصل هذا الاتفاق لكان الحلم الصهيوني الأصلي سيتحقق، لكن الذي حصل فعلا هو طغيان الانتشاء بالنصر والاستيلاء على أراضي جديدة . فقد ضاعفت إسرائيل مساحتها 5 أو 6 مرات وخرج العالم العربي مذهولا بالهزيمة النكراء وظل العالم الغربي يمجد إسرائيل واعتقد الإسرائيليون أنهم قوة لا تقهر وبدأوا ينظرون إلى جنرالاتهم وكأنهم أنصاف آلهة واحتفوا بهم بالموسيقى والأدب بصفتهم أبطالا كبارا وترسخت في الوعي واللاوعي الجماعي صور اقتحام مدينة القدس ومرتفعات الجولان وصحراء سيناء وشرم الشيخ والمدن التوراتية الموجودة في الضفة الغربية.
كيف يمكن للمنتصر أن يتخلى عن كل هذا؟ ثم مع من سيوقع المنتصر اتفاقيات السلام؟ إن “سلام الشجعان” الذي تغنى به وانخدع به الزعيم ياسر عرفات بسذاجة في عام 1993 ليس سلاما حقيقيا لأن السلام يكون مع الخصم الذي نحترمه ونعتقد أننا نستطيع أن ننخرط معه في تعاون إيجابي ونتعاون معه على أساس الحد الأدنى من الثقة المتبادلة . أما العرب ؟!
أنا أتفاجأ دائمًا بمدى جهل بعض النخب العربية بمشاعر الصهاينة تجاههم. إن كلمة الاحتقار ضعيفة للغاية لوصف تلك المشاعر، وهنا أدعو القارئ إلى الاطلاع على تصريحات راف *عوفاديا يوسف* ، أعلى سلطة روحية عند اليهود السفارديم في إسرائيل: إننا نعرف التمييز الذي عانى منه اليهود القادمون من الدول العربية في إسرائيل، فقد كان الآخرون يلقبونهم “العرب” وهي أكبر إهانة يتفوه بها الفرد الصهيوني .
إن الزعماء الصهاينة مستعدون بالطبع لتوقيع اتفاقيات السلام مع العرب ، على شرط أن يكون سلاما لا يتطلب أي تنازلات منهم ، ولا الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، ولا تحفظات على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. إنه سلام المنتصر الذي يفرض شروطه أي *”باكس إسرائيلانا “* كما حدث مؤخرا، وهو سلام لا يترتب عليه تثبيت الكيان الصهيوني في حدود مضبوطة ونهائية ، مما يترك الاحتمالات مفتوحة للتمدد واكتساح المزيد من الأرض.

لن تؤدي اتفاقيات السلام المنفصلة إلا إلى تعزيز الصهاينة في عنادهم وفي قناعتهم الراسخة بقوة في أذهان الأغلبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين ، بأن “العرب لا يفهمون حقًا سوى لغة القوة”، وهكذا يستمر الغرور الصهيوني في هذه الديناميكية ويقويها ، ويؤجل أي حل سياسي عادل ومعقول. إنهم لا ينتظرون من خصمهم إلا الاستسلام ، لا سيما استسلام الفلسطينيين الذين سيضطرون إلى الاكتفاء بما يشبه البانتوستان تحت السيطرة الإسرائيلية.
إن إسرائيل تشعر بأنها قوة لا تُقهر ولا يمكن أن تنهزم أو تتنازل . إنها تسيطر عمليا على الوسط السياسي في أمريكا بينما أوروبا لا تجرؤ على الكلام، وتعاملها الهند والصين وروسيا باحترام شديد، و أجهزتها المخابراتية السرية ترعب العالم كله، بما في ذلك حلفاءها.
من المحتمل أن يكون جهاز الموساد قد شارك في اغتيال الرئيس كينيدي ليعاقبه على معارضته للأسلحة النووية الإسرائيلية ، وقد يكون له يد في “هجمات” 11 سبتمبر. إن ملف إبشتاين Epstein وحده يسمح لهذا الجهاز بالتحكم في جميع أصناف الشخصيات البارزة وابتزازها من خلال آلاف مقاطع الفيديو المخجلة.
مع ذلك ، على عكس معظم الأنظمة التي غلب عليـها الانتشاء بالنصر ، احتفظ النظام الصهيوني ، منذ حقبته الاشتراكية ثم الليبرالية ، بحرية مذهلة في التحليل والتحدي. لنقتبس على سبيل المثال ما ورد في الفيلم الوثائقي الذي يحاور ستة رؤساء سابقين في جهاز المخابرات وكلهم يصرحون أن استمرار الاحتلال والاستعمار سيؤذن بنهاية المشروع الصهيوني. أو إعلان الرجل الثاني في الجيش الإسرائيلي يائير غولان الذي يقول إن أجواء البلاد، مع توالي الاقتحامات في الضفة الغربية وخاصة بعد اعتماد قانون أمة الشعب اليهودي الذي يشرع أشكالًا معينة من العنصرية ، تذكّره بأجواء ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين مع صعود النازية .
ورغم كل هذه الاعترافات والتوجسات، فإن الحاكمين لا يحبون سماع التنبيه ويتركون البلاد تسير مثل القطار المجنون نحو مصيرها المتمثل في إمبراطورية إقليمية مقتنعة أنها غير قابلة للتدمير ،خاصة بعد أن انتشرت فيها النزعة الـميسيانية المتصوفة التي تنتظر المسيح المخلص و تحلم بإعادة بناء الهيكل الثالث على “أنقاض” المسجد الأقصى.
إن النزعة الغالبة على المجتمع الإسرائيلي تدفعه بلا هوادة نحو هذه النتيجة ، حتى لو تظاهر بالمقاومة.
هناك حدث يوضح حقيقة هذا الهذيان من القوة والشعور بالحصانة: لقد قررت إسرائيل تلقيح كل سكانها الذين يتجاوز عمرهم ـ16 عامًا حتى النساء الحوامل ، بلقاحات الحمض النووي ARN ، التي لا يُعرف عنها الكثير والتي بدأت تحدث آثارًا سلبية في جميع أنحاء العالم. لكن الإسرائيليين لن يوقفهم شيء ، على الرغم من انتشار الإصابات الجديدة والمتغيرات الأجنبية والمحلية والوفيات الزائدة. إنه مثل التحدي الذي يرفعه الكيان الصهيوني في وجه العالم بأكمله.
يبدو أن الإنسان لا يتعلم من التاريخ، وسنختم بهذا التوضيح الذي يأتينا من عند الرومان:
في روما ، يخضع حفل انتصار الجنرالات للقواعد التي تهدف إلى منع طغيان الكبرياء وتجنب تضخم الأنا.
وهكذا ،يمر القائد العسكري في عربته خلال الاستعراض العسكري برفقة عبد يقف خلفه و هذا الأخير يهمس في أذنه من حين إلى آخر عبارة شهيرة : “Memento mori”التي تعني تذكر أنك ستموت “). إنها عملية للتأكد من أن النفس البشرية لن يطغى عليها الكبرياء لأن الهيبريس Hubris نار تلتهم الروح بالرغبة في العظمة والثروة .
جاكوب كوهين
25يناير 2021

الترجمة للعربية :أحمد ويحمان

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock