أقلام حرة

حراك الريف بين حماس “الجماهير الشعبية ” و تخاذل “النخبة المثقفة”

عبد المجيد الحقوني

منذ الاستقلال الشكلي الذي عرفه المغرب في سنة 1956 و منطقة الريف بكاملها تعيش وضعا استثنائيا مقارنة مع مثيلاتها بباقي ربوع الوطن. هذا الوضع الاستثنائي يتمثل في:
1- الحصار الاقتصادي المضروب على المنطقة و نهج سياسة التهجير القسري في حق ابنائها منذ انتفاضة الريف في 58-59 الى يومنا هذا. فحطمت هذه الهجرة ارقاما قياسية في ثلاث محطات اساسية (عقب انتفاضة الريف في الستينيات من القرن الماضي، ثم مباشرة بعد انتفاضة 84 المجيدة و أخرها محطة حراك الريف ) فحسب آخر الأرقام الصادرة عن وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي “فرونتكس” بلغ عدد المُهجّرين الذين عبروا باتجاه إسبانيا (بشكل رئيسي عبر مضيق جبل طارق) خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2017، 13 ألف و600 شخص، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الواصلين في نفس الفترة من سنة 2016.
2- إحكام القبضة الحديدية على أهالي الريف، و غياب عامل الثقة بين المركز و الهامش. هذه القبضة تتمثل في مظاهر العسكرة التي بقيت جلية منذ 24 نونبر 1958 تاريخ سريان الظهير المشؤوم الى يومنا هذا. الظهير رقم 381.58.1، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 2405 . و مظاهر هذه العسكرة لا تتمثل فقط في الطوق و الحزام الامنيين المفروضين على مداخل مدن و قُرى الريف، أو في نهج اسلوب المقاربة الامنية و الانتقام الجماعي لأبناء الريف عند كل حركة اجتماعية. او التضييق على الانشطة الثقافية و السياسية…. بل و كذلك في اسلوب التخابر المُمنهج و المعتمد بشتى الطرق و الاشكال قصد زرع نوع من الخوف و الترهيب بين السكان. و هذا ما نسميه بـ”بَوْلَسَة ُالمجتمع”.
3- الاستيلاب الثقافي و محاولة طمس الهوية الريفية . و ذلك عبر تغييب كلي لتدريس اللغة الامازيغية و طمس الذاكرة و التاريخ باعتماد المقررات الدراسية و المناهج التعليمية كوسيلة لتكريس الثقافة السائدة. كما أن الادارة لعبت دورا مهما في تكريس هذا الاستلاب الثقافي و الفكري، لا سواء عبر التضييق المباشر على الانشطة ذات الطابع الفني و الثقافي او بطريقة غير مباشرة باعتماد اللغة العربية و الفرنسية كلغة التخاطب والتواصل و التشجيع عليهما.
إن حصار الريف عسكريا، وخنقه اقتصاديا، وقمعه سياسيا، واستيلابه ثقافيا، وتهجير أبنائه، هي اساليب عقابية مارستها الدولة ضد الريف و ابناء الريف منذ الاستقلال الى اليوم. و رغم المحاولات المتكررة للنظام اعتماد اسلوب “العصا و الجزرة” مع الساكنة، للإبقاء على الوضع كما هو عليه و ضمان سلم اجتماعي لمزيد من الوقت، فإن الجيل الجديد الذي مر بتجربة 20 فبراير في غالبيته، و الذي توفرت له سُبل استعمال ادوات التواصل الاجتماعي بكل سهولة قام بتعرية هذا الواقع المُزري بشعارات واضحة داعية الى تحسين الوضع الاجتماعي و الاقتصادي بتوفير الشغل و الصحة و السكن و رفع الحيف و الظلم و الحكرة عن الساكنة.
ابتدأ الحراك سلميا قاطعا الطريق امام جميع مؤسسات المجتمع المدني من احزاب وجمعيات و هيئات. فأضحى شعار “لا للدكاكين السياسية” و “لا للجمعيات الاسترزاقية” شعارا يحظى بموافقة أغلب الحراكيين ان لم نقل كلهم. و ذلك حفاضا على استقلالية الحراك من الاحتواء من طرف هذه التنظيمات التي تشكل جزءا من النظام السياسي المتعفن.
ان لغة التواصل، و بساطة الخطاب بالإضافة الى تقنية اللايف التي استعملها النشطاء، و خصوصا قائد الحراك الشعبي ناصر الزفزافي كان لها الدور الاساسي في حشد الجماهير من مختلف مناطق الريف حول مطالب الساكنة، هذا علاوة عن الاسباب التي سبق ان ذكرناها اعلاه.
ان المسيرات الحاشدة التي عرفتها العديد من مناطق الريف، و مناطق اخرى داخل أرض الوطن و خارجه لم تعرف مواكبة بالشكل المنتظر منها من طرف النخبة المثقفة لا محليا، ولا وطنيا ولا دوليا و ذلك لأسباب عدة، اهمها:
– الاستعمال المفرط لشعار “لا للدكاكين”.
– بروز بعض الاصطلاحات التي لا تحمل أي معنى سياسي دقيق، الغاية منها فقط تصفية حسابات ليس إلا، و زرع الشكوك و الشقاق في اوساط المناضلين.
– عقدة النقص التي اصابت بعض النشطاء ممن لم يتمكنوا من متابعة دراستهم، فراحوا يطلقون على انفسهم اسم “الكادحين” و ما دونهم فهم “الخوزوماشوقيين”.
– الرفض المطلق لعملية الهيكلة و التنظيم، الضامن الاساسي لاستمرارية شعلة الحراك و ربطه بالمسؤولية.
حاول النظام المخزني بكل ما أوتي من قوة التشجيع على نشر ثقافة التخوين و التفرقة بين ابناء الريف الواحد من جهة، و اعتماد اسلوب الاعتقال و الاختطاف من جهة ثانية، بالإضافة الى تشجيعه على الهجرة السرية التي عرفت ارقاما قياسية كما تمت الاشارة الى ذلك.
انتقلت عدوى التخوين الى الديار الاوروبية في مرحلة مبكرة رغم الحصانة التي كانت تتوفر عليها لجان الدعم في بداية نشأتها. فتصدت التنسيقية الأوروبية مجتمعة لظاهرة التخوين في لقائها التأسيسي المنعقد بمدريد في 20 ماي 2017 ولقائها الثاني المنعقد ببروكسيل في 24 من يونيو 2018.
لم تصمد التنسيقية الاوروبية طويلا لهذه الموجة من التخوين، فسارعت بعض اللجان الى اعلان انسحابها من التنسيقية الاوروبية، مباشرة بعد اجتماع بروكسيل في يونيو 2018 كلجنة “خيرونا” و لجنة ” اوتريخت” على سبيل المثال. فأصبح كل من هب و دب يتحدث باسم “الجماهير الشعبية” و يطلق التهم المجانية يمينا و يسارا، فكثرَ الصَّناديد و الأحرار و في المقابل اصبح كل من يعتمد العقل و المنطق في الدفاع عن حراك الريف خائنا و مرتزقاً.
تم توظيف شعار “لا للدكاكين السياسية” و “لا للجمعيات الاسترزاقية ” بشكل مُطنب لإقصاء كل الفاعلين الحقوقيين و الجمعويين من جهة و كذا بعض الفاعلين في الحقل الفني و الأدبي تحت ذريعة انهم موالين بشكل او بآخر للنظام المخزني.
هذا الخطاب التدميري انعكس سلبا على نخبنا لا سواء بالداخل او بالخارج. فأخذت مسافة مهمة مع الحراك و داعميه. بل هناك ممن ذهبوا الى حد الانزواء الكلي و رفض أي تعاطي معه ( أي الحراك) تحت ذريعة انهم لا يريدون ان يصبحوا في يوم من الايام عرضة للسب و القذف على المباشر من طرف أناس لا تتوفر فيهم أدنى شروط النقاش و الحوار الديمقراطي.

في 5 يناير 2020
الحقوني عبد المجيد
طروا- فرنسا

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock