أقلام حرة

حراك الريف والدولة الأزمة والحل

الحبيب الحنوادي

الفصل الثاني: الحلول التي رافقت حراك الريف منذ انطلاقته في 28 أكتوبر 2016

قبل التطرق إلى الحلول التي واكبت الأزمة بين الدولة و حراك الريف، علينا أولا وضع القارئ أمام المشهد السياسي العام الذي انطلق فيه الحراك واستمد منه قوة استمراره.

أ/ المشهد السياسي العام وغياب المركز

هناك أربعة عناصر رئيسية شكلت المشهد السياسي العام في المغرب منذ بدء الحراك إلى يوم 26 ماي 2017، تاريخ بداية الهجوم الشرس للدولة المركزية على منطقة الريف.

*العنصر الاول: الإنتخابات التشريعية

عندما انطلق حراك الريف على إثر مقتل محسن فكري”يوم 28 أكتوبر 2016″ كان المغرب قد خرج لِتَوِّهِ من انتخابات 7 أكتوبر التشريعية. كانت قد مرت ثلاثة أسابيع على النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع. ولم تكن الحكومة قد تشكلت بعد. تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات ب125 مقعدا في البرلمان تلاه حزب الاصالة والمعاصرة بفارق يقل عن 20 مقعدا بينما توارت بقية الاحزاب بعيدا إلى الوراء بفارق عشرات المقاعد عن الحزبين الأول والثاني. هكذا تشكلت صورة لمشهد سياسي منفتح على كل التوقعات والاحتمالات، ماعدا احتمالين إثنين كان الحسم فيهما واضحا.
الأول:
تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. وقد إنتفت إمكانية تعيينه من الحزب الحاصل على المرتبة الثانية لأن الفصل 47 من الدستور حسم في الأمر ولم يترك أي مجال للاجتهاد. مما خلق ربما ارتباكا لدى صانعي القرار في الدولة. فتجربة العقدين الأخيرين بينت أن وجود شخص واحد على رأس الحكومة لولايتين متتاليتين أمر غير مستساغ. ومنذ بدء الحملة الانتخابية بدا أن الأمل كان معقودا على الحزب الثاني ليتصدر النتائج.

الثاني:
استحالة تشكيل ائتلاف حكومي من الحزبين الأول والثاني. فحزب الاصالة والمعاصرة أبان منذ تأسيسه على عدائه لحزب العدالة والتنمية الاسلامي. إذ تعودنا في السنوات العشرة الأخيرة خطابات وتحاليل سياسية تقول بأن حزب البام تم صنعه لمحاربة الاسلاميين. أما حزب البيجيدي فإنه لم يوفر أي جهد للتهجم وانتقاد البام، بحيث بلغ الأمر بأمينه العام السابق أن وصف في مناسبات عدة قادة البام بمواصفات قدحية. هكذا ظهر أن القطيعة بين الحزبين أمر لارجعة فيه خاصة أن القوة الحاسمة في الدولة المتحكمة في قرارات الأحزاب لم تشأ التدخل وتركت الأمر للقوة السياسية النافذة لحزب الأحرار الممثل للأوليكارشية المنتشية بالأرباح الضخمة التي حصدتها في العقد الأخير والطامحة إلى التوسع في الأسواق الأفريقية الواعدة.
باختصار لقد أدت خارطة النتائج الإنتخابية إلى ماعرف بالبلوكاج الحكومي. وبعد ذلك تم إفراز الحكومة الحالية بعد استبعاد عبد الاله بنكيران وإرساله إلى التقاعد السياسي.

*العنصر الثاني:
استمر ماعرف بالبلوكاج أزيد من ستة أشهر عندما فشل عبد الاله بنكيران مرارا في تشكيل ائتلاف حكومي من الخريطة الإنتخابية التي انتصبت أمامه. ونحن سوف لن ندخل هنا في أسباب وملابسات ذلك الفشل. فلقد حظي بما يكفي من النقاشات والتحاليل في حينه. وكل ما يهمنا هنا هو أن ذلك الوضع من البلوكاج أدخل البلاد في حالة استثنائية طويلة على غير العادة. إذ لا حكومة كانت حكومة ولا البرلمان كان برلمانا. كل ما كان هنالك وزراء في حكومة سابقة بدون تفويض سياسي من الدستور وبدون ميزانية. ولم يكن هناك أيضا سوى برلمانيين منتخبين ينتظرون تشكيل الحكومة كي يبدأوا في مباشرة عملهم. في المحصلة، كان البلوكاج الحكومي يعادل الفراغ الحكومي والغياب البرلماني.
هكذا وجد حراك الريف نفسه أمام غياب مؤسستين رئيستين من مؤسسات المركز. إذ لم تكن هناك حكومة تسمع لمطالبه ولابرلمانيين يرافعون عنه في البرلمان. وهذا بخلاف حراك طنجة سنة 2015 مثلا، الذي قام ضد تلاعبات شركة “أمانديس” في أسعار الكهرباء. حينها نزل عبد الاله بنكيران، الذي كان رئيس حكومة بكل صلاحياته الدستورية، إلى ساكنة طنجة ووعدها بتحقيق مطالبها. صدقه الناس آنذاك وعادوا إلى بيوتهم. أما الحراك المنطلق من الحسيمة فلم تكن تلك الإمكانية متوفرة لدينا وكانت كل آذان المركز صماء.

*العنصر الثالث: المشهد الشعبي
هذا العنصر يمكن تلخيصه في الأرقام الإجمالية التي أفرزتها انتخابات 7 أكتوبر التشريعية. ستة ملايين ونيف من المغاربة فقط شاركوا في عملية الإقتراع من أصل 13 مليون مسجلين في اللوائح الإنتخابية ومن أصل 27 مليون من المغاربة الذين يملكون حق التصويت. أي أن المشاركة في الإنتخابات كانت بنسبة 46 في المائة من العدد المسجل في اللوائح وبنسبة 23 بالمائة من العدد الذي يملك حق التصويت. أما عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب الذي جاء في الصدارة فقد كان أقل من مليون ونصف مليون ناخب. أي بنسبة 11،5بالمائة من عدد المسجلين في اللوائح ونسبة 5 بالمائة من عدد المغاربة الذين لهم الحق في التصويت. هكذا كان المشهد الشعبي غائبا عن المشهد الإنتخابي في غالبيته. ومن خلال الأرقام تبين أن الحكومة الحالية هي حكومة أقلية. أما البرلمان فتنقصه نسبة تزيد عن 4 بالمائة لكي يصبح برلمان أغلبية هذا فقط إذا احتسبنا عدد المغاربة المسجلين في اللوائح الإنتخابية. أما إذا احتسبنا عدد المالكين لحق التصويت فإنه يبقى بعيدا عن أن يكون برلمان أغلبية. والسؤال المطروح هو: كيف كانت أغلبية الشعب التي لم تشارك في الانتخابات تقرأ وتقيم ائتلاف الأقلية وتخبطاته وتهافته أثناء وبعد البلوكاج الحكومي؟ الجواب جاء من حراك الريف بالحسيمة:《لاللدكاكين السياسية》. وللإشارة فإن الإئتلاف الحكومي المشكل للحكومة الحالية الذي اتهم أهل الريف بالتآمر والإنفصال ليس لديه سوى برلمانيين من إقليم الحسيمة أحدهما ينتمي لحزب الحركة الشعبية و ينحدر من منطقة “كتامة” وعضو في الحكومة، والثاني من العدالة والتنمية. أما الأحزاب الخمسة الأخرى المشكلة للإئتلاف فإن نتائجها الإنتخابية في الإقليم تعادل الصفر.

العنصر الرابع:سلطة الملك
لم تكن سلطة الملك غائبة تماما عن مشهد تطورات الأحداث في الريف طيلة فترة الحراك. فلقد كانت تلك السلطة حاضرة على المستوى الإقليمي والجهوي ممثلة في عامل الإقليم ووالي الجهة. كما يمكن أن نضيف حضور نسبي من المركز ممثلا بوزير الداخلية والوزير المنتدب لدى الداخلية. إلا أن هذا الحضور الأخير كان خاضعا في آخر المطاف لحالة الاستثناء؛ حالة الفراغ الحكومي. وكان اهتمامه بالحراك لايمكن أن يتجاوز الجانب الأمني. أما الملك المتجردة سلطته عن النتائج الإنتخابية وعن حالات الاستثناء فلقد كان منشغلا بجولته الإفريقية التي هيأ لها منذ مدة ليست بالقصيرة. وكانت قد بدأت قبل موعد انتخابات 7 أكتوبر واستمرت طوال البلوكاج الحكومي. كان الهدف من تلك الجولة له وجهين تماما كوجهي القطعة النقدية لايمكن الفصل بينهما. الوجه الأول اقتصادي ويتمثل في البحث عن فرص الاستثمار في الدولة الإفريقية. وبالفعل فقد أعطت تلك الزيارات لمجموعة من الدولة جرعة قوية للاستثمار المغربي في مجال المال والأعمال، شمل البنوك وشركات التأمين والإتصالات والمحروقات والمياه… ولا يخفى علينا كيف أثر هذا التوسع وتلك الآفاق الاستثمارية تجاه الأسواق الأفريقية على السياسة الداخلية المغربية. فلقد تابعنا كيف تحكمت الأوليغارشية المستفيدة من الجولة في البلوكاج الحكومي وفي فرض شروطها لتشكيل الحكومة الحالية. أما الوجه الثاني للجولة فكان سياسيا وديبلوماسيا مركزا على كسر الجمود في الموقف الأفريقي من قضية الصحراء. وتم حصد مجموعة من النتائج في هذا المجال منها:
أولا: عودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي بعد عقود من الغياب منذ تعليقه لعضويته في منظمة الوحدة الإفريقية بداية الثمانينات من القرن الماضي بسبب اعتراف هذه المنظمة بما يسمى “بالجمهورية العربية الصحرواية”.
ثانيا: تعديل مواقف العديد من الدول الإفريقية تجاه قضية الصحراء مما ظهر جليا في قبول طلب المغرب العودة إلى الاتحاد الأفريقي. وكذلك تحييد مجموعة من الدول الافريقية التي كانت تجهر بمعاداتها لمواقف المغرب. وأصبحت الآن تنحاز إلى مواقف معتدلة تتبنى الخيارات الأممية في قضية الصحراء.
ثالثا: كاد المغرب أن يحدث اختراقا سياسيا في دولة جنوب أفريقيا بعد لقاء الملك برئيسها السابق”زوما”؛ لولا التطورات السياسية التي حدثت بعد ذلك في جنوب أفريقيا وأدت إلى عزل “زوما”من منصب الرئاسة.
ذلك الحضور على المستوى الأفريقي طوال تلك المدة لأقوى سلطة دستورية مركزية في المغرب، قابله غياب على مستوى منطقة الريف المنتفضة. وكان تجاهل حراك الريف واضحا للعيان وبذلك اكتمل غياب المركز عن أزمة الريف بسلطاته الرئيسية الثلاثة: الملك والحكومة والبرلمان. ولما تُلِيَ الملف الحقوقي المطلبي، الذي أعدته الساكنة، على الملأ يوم 5مارس 2017 بدا وكأنه ملف مطلبي مقدم لمجهول. كانت الساكنة واعية بهذا الامر مما أمدها بحوافز الإستمرار في الحراك متطلعة إلى عودة المركز بمؤسساته الدستورية كاملة.

ب/ فرص التسوية وغياب الحل

كانت السلطات الإقليمية والجهوية وكذلك وزارة الداخلية تأمل في وضع حد للحراك منذ بداياته الأولى إلى حدود تشكيل الائتلاف الحكومي وعودة سلطات المركز. وبموازاة ذلك كانت هناك محاولات من طرف المجلس الوطني لحقوق الانسان(م.و.ح.ا) ومن طرف فعاليات من المجتمع المدني ورئاسة الجهة ومنتخبين محليين للتوسط من أجل إيجاد حل للأزمة القائمة. ولم تكن تلك الجهود المبذولة من تلك الأطراف فرصا حقيقية لتسوية الأزمة. ومع ذلك ارتأيت عرضها هنا بإيجاز نظرا لكونها كانت فرصا واكبت الحراك على أية حال. وأملي كذلك أن أضع القارئ أمام المشهد لكي تتبين الصورة كاملة وتتضح ربما آفاق الحل من خلال تجاوز النواقص التي شابت تلك الفرص.

الفرصة الأولى:
أول محاولة الاتصال بأبرز نشطاء الحراك بعد الحضور الذي سجله عامل الإقليم رفقة الوكيل العام للملك ليلة مقتل محسن فكري، كانت من عمالة الإقليم لما استدعت ناصر الزفزافي للجلوس معه. بعد تفكير واستشارات مع الساكنة رفض الزفزافي تلبية الاستدعاء. شخصيا لا أعرف نوايا عمالة الإقليم آنذاك ولا أملك مبررا للحكم على مقاصد الإستدعاء والانفراد بأبرز النشطاء. إلا أن التجارب في فترات سابقة تم فيها استمالة مناضلين جمعويين ونشطاء نقابيين و إقناعهم بتفضيل مصالحهم الشخصية وعزلهم عن قاعدتهم الجماهيرية من خلال الجلوس معهم على انفراد، جعل نشطاء الحراك وساكنة الريف يرتابون ويشككون في نوايا السلطات الإقليمية. لقد أجهضت تلك التجارب السيئة السابقة محاولة حل الأزمة وأقبرتها قبل أن تولد.

الفرصة الثانية:
في الأسابيع الأولى من الحراك، قام الكاتب العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بزيارة إلى مدينة الحسيمة وربط اتصالا بناصر الزفزافي واقترح عليه لقاء للجلوس معه ومع أبرز النشطاء. قوبل الاقتراح بموافقة مبدئية لكن بشرط واحد هو أن يكون اللقاء على المباشر بالصوت والصورة أمام عدسات شاشة الفايسبوك. التزم السيد الكاتب العام الصمت. وفي اليوم الموالي غادر المدينة دون أن يدلي بأي تصريح وذلك بعد أن راقب من مقهى قبالة الساحة الكبرى مظاهرة حاشدة نظمت هناك. ربما أن السيد الكاتب العام لم يستسغ شرط العلنية في لقائه المقترح بنشطاء الحراك إلا أن ذلك الشرط كان من وراءه سببين رئيسيين:
الاول هو ماسبق أن ذكرته حول الإنطباع السيء الذي تشكل لدى الساكنة من التجارب السابقة التي طبعتها السرية والتفاهمات الشخصية على حساب المصلحة العامة كتجربة زلزال 2004 مثلا. أما السبب الثاني فإنه يعود إلى حدس ويقظة النشطاء بحيث أنهم ربما حاولوا اختبار مدى جدية المبادرة. وبالفعل لم يبذل مسؤول”م و.ح.ا” بعد ذلك الشرط أي مجهود إضافي لإنجاز المهمة التي جاء من أجلها وغادر المدينة في زمن قياسي.

الفرصة الثالثة:
عندما زار الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية مدينة الحسيمة واجتمع مع المنتخبين المحليين والجهويين، خرج رئيس جماعة”لوطا”بتدوينة على الفايسبوك قال فيها بانه تحدث مع السيد الوزير المنتدب مبديا استعداده للتوسط بينه وبين نشطاء الحراك من أجل الحوار. حسب التدوينة أبدى الوزير موافقته على الإقتراح. في اليوم التالي خرج الحراك ببلاغ رحب فيه بالحوار الجاد والمسؤول وعبر عن استعداد النشطاء لإجراءه. بعد هذا الرد، تم الإنتظار دون أية نتيجة تذكر. إلا أن شيئا ما حدث بعد ذلك عندما تدخلت القوات العمومية لمنع اعتصام نظم يوم 4 يناير2017 بالساحة الكبرى احتجاجا على خطة أُعِدَّتْ ببلدية المدينة هدفها التموقع الدائم للقوات العمومية في الساحة لمنع التجمعات والمظاهرات فيها.

الفرصة الرابعة:
المبادرة جاءت هذه المرة من رئيس الجهة.اقترح كخطوة أولى إجراء لقاء عام يشمل المنتخبين المحليين والجهويين وفعاليات نقابية وجمعوية وأطر مدنية ونشطاء الحراك. وبعد أن يتم الاتفاق بين جميع الأطراف على لائحة المطالب سيتكفل هو شخصيا بنقل تلك المطالب إلى السلطات المركزية. رد عليه ناصر الزفزافي برفض المبادرة وذلك من ساحة مدينة تارجيست المكان الذي سلم فيه محمد بن عبد الكريم الخطابي نفسه للفرنسيين إبان الحرب الريفية التحريرية. تلك المبادرة من رئيس الجهة كانت المبادرة الأكثر جدية من كل المبادرات التي سبقتها أو التي جاءت من بعدها، نظرا لكون صاحب المبادرة كان لديه برنامج عمل واضح قابل للتنفيذ بحكم موقعه كرئيس للجهة وكأمين عام لحزب سياسي له أكبر تمثيلية انتخابية في الإقليم بالمقارنة مع بقية الأحزاب الأخرى. لكن لماذا رفضها الحراك؟
هناك عدة أسباب نذكر منها ما يلي:
أولا: كان الإنطباع الذي تشكل عن شخص رئيس الجهة لدى الساكنة أثناء الحراك انطباعا سلبيا وكان من الصعب القبول بالمبادرة التي جاءت من جهته.
ثانيا: اعتبرت تشكيلة اللقاء التي اقترحها مفرطة في العمومية بحيث تضع الحراك كمجرد رقم من الأرقام ضمن أطراف قد يبدو فيها الحراك من الأقلية ومجرد صوت ضمن العديد من الأصوات. مما لا يعكس واقع شعبية الحراك لدى الساكنة.
ثالثا: عندما اقترح رئيس الجهة نفسه كوسيط طُرِحَ سؤال: إلى من سيتوسط؟ فالحكومة غير موجودة والمركز غائب. ولم تكن سوى وزارة الداخلية التي يقتصر اهتمامها بالجانب الأمني.
باختصار كانت المبادرة بتلك التشكيلة المقترحة تشبه إلى حد بعيد فكرة آلة “تورينغ” الخيالية المحضة التي تطلبت بضعة عقود من الزمن لكي تتجسد في اكتشاف الكمبيوتر. بذلك فإن مبادرة السيد رئيس الجهة كانت إما مبادرة من أجل المبادرة أو أنها جاءت في زمن غير زمانها.

الفرصة الخامسة:
بعد تعيين رئيس الحكومة الحالي وتشكيل الطاقم الحكومي، قام وزير الداخلية المعين المنحدر من الريف بزيارة إلى مدينة الحسيمة كأول نشاط له في هذا المنصب وقبل أن يتم تنصيب الحكومة من قبل البرلمان. أثناء وصوله نشرت له صور استقباله من طرف السلطات المحلية وهو ينزل من سيارته بنظارات سوداء تخفي وراءها ما سيحدث فيما بعد. فالرجل عُرِفَ عنه عندما كان عاملا لإقليم الناضور شراسة تدخله لقمع المحتجين. اجتمع مع المسؤولين المحليين ثم غادر المدينة دون أن تعرف ساكنة الحسيمة ولا حتى المنتخبين ما يُطبَخُ في الخفاء.
بعد مدة من تلك الزيارة جاء وفد حكومي إلى الحسيمة معلنا عن برنامج لتنظيم لقاء مع كل الفعاليات السياسية والمدنية في الإقليم ومنهم نشطاء الحراك. بالفعل نُظِّمَ لقاء في مقر العمالة وكان على شكل ندوة جلس فيها أعضاء الوفد الوزاري على المنصة وألقوا محاضراتهم ثم أعطي للجمهور الجالس أمامهم حق التدخل والنقاش. مر اللقاء دون أن يسجل حضورا لنشطاء الحراك الذين قاطعوا اللقاء ما عدا عنصرين سجل كل منهما مداخلة كانت بمثابة صيحة في سوق أسبوعي مليء بالهرج والمرج. انفض اللقاء ومرت الندوة وكأنها تجمع ترفيهي. إذ لا برنامج عمل تم تسطيره ولا توصيات تم تحديدها. استمر الوفد الوزاري في برنامجه الذي سطره للزيارة في اليوم التالي حيث قام بجولة في شارع “محمد الخامس” الذي كان يبدو شبه خال من الناس. هذا في الوقت الذي كانت فيه الساكنة تتابعهم عبر صفحات الفايسبوك وهي تلاحظ ذلك الاستعراض وتلك العنترية التي ربما اعتقد أولئك المسؤولون الحكوميون بأنها صورة من صور هيبة الدولة.
على أية حال، كان اللقاء الذي أعلن عنه الوفد الوزاري يشبه إلى حد كبير اللقاء الذي اقترحه رئيس الجهة خاصة فيما يتعلق بتشكيلته.لكنه يختلف عنه من خيث جهة الوضوح وتحديد الخطوات. إذ أن الوفد الحكومي اعتمد العمومية الفجة وكانت هناك الكثير من العجرفة والتعالي على الحراك الشعبي.
أثناء الحراسة النظرية في الدار البيضاء وكذلك خلال جلسات المحاكمة الابتدائية، طرح علينا سؤال لماذا رفضتم الحوار؟ فتساءلت شخصيا مع نفسي: هل يقصدون بالحوار تلك الزيارة التي قام بها الوفد الوزاري الى الحسيمة؟.

مبادرات في الظل

قبل قرابة أسبوعين أو أكثر من تدخل الدولة المركزية لإنهاء الحراك، كان والي جهة طنجة تطوان الحسيمة قد صرح لإحدى وسائل الإعلام الفرنسية بأن الأزمة القائمة في الريف سيتم إحالتها على القضاء. وحدد عدد نشطاء الحراك الذين سيتم اعتقالهم في أربعة إلى 52 ناشط. حينها قام “منتدى حقوق الانسان لشمال المغرب” بالتحرك كمحاولة منه لتفادي السيناريو الذي صرح به الوالي. فربط اتصالات بالمجلس الوطني لحقوق الانسان على مستوى المركز. كما ربط كذلك اتصالات ببعض نشطاء الحراك الذين ظن أن لديهم تأثير في مجريات الأحداث. إلا أن هذه المحاولة كما كانت في الظل بقيت في الظل وكان من شبه المستحيل أن تفضي إلى نتيجة. لأن الدولة المركزية كانت قد اتخذت القرار عندما عينت نسخة ل”الحجاج بن يوسف الثقفي”ابن “تافرسيت” عبد الوافي لفتيت وزيرا للداخلية. هذا بالإضافة إلى أن المحاولة كانت تحتاج إلى وقت أطول باعتبارها كانت محاولة للوساطة بين نشطاء الحراك و “م.و.ح.ا” الذي سيتوسط بدوره لدى الدولة.
أما أثناء تواجدنا في سجن عكاشة “بالدارالبيضاء”فقد كانت هناك في الأشهر الثلاثة الأولى مبادرتين للتوسط من أجل إطلاق سراحنا وكمدخل لحل الأزمة. إحداهما جاءت من طرف فعاليات حقوقية وطنية وأخرى من شخصيات تحضى بحضوة ما لدى المركز. إلا أن كلتا المبادرتين لم تحققا أية نتائج.

إشارة لجبر الخواطر:

في عيد العرش من السنة الماضية استقبل الملك ابنة محمد بن عبد الكريم الخطابي”عائشة”.بعد ذلك خرجت بتصريح قالت فيه بأنها طالبت من الملك إطلاق سراح المعتقلين فطمانها قائلا: “إكون خير” على حد تعبيرها. في عيد الأضحى تم الإعلان عن العفو عن أزيد من 180معتقل من معتقلي الحراك. تم استقبال هذه المبادرة باستحسان إلا أنها لم تكن كافية بالنسبة للرأي العام في الريف وفي المغرب. كما أنها لم تثني المنظمات الحقوقية الدولية من متابعة الملف وإحراج الدولة المغربية في المنتظمات الدولية.

اقتراح طريف:

بعد محاكمتنا ابتدائيا نحن نشطاء الحراك في الدار البيضاء، صرح وزير الدولة لحقوق الانسان والحريات في حوار متلفز قائلا: يجب على معتقلي حراك الريف أن يراجعوا مواقفهم كي تتعامل معهم الدولة بشكل إيجابي. فالتاريخ حسب رأيه بين لنا أن الدولة تتراجع عن معاقبة معارضيها عندما يتراجع هؤلاء عن مواقفهم ويقدمون نقدا ذاتيا. الوزير كرر هذا الإقتراح مؤخرا بعد نقلي من سجن الدار البيضاء إلى سجن طنجة.
هذا الاقتراح يدخل ضمن سيناريوهات الحل والتسوية في الفترة القادمة لذلك فإن مناقشته سيكون في الفصل الثالث.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock