fbpx
أقلام حرة

حسن باربا، هل حقا حوكم بعشرين سنة؟؟!!

متابعة حراك الريف

قد يبدو التساؤل أعلاه مثيرا ومشككا، لكن اختياري له ليكون عنوانا لهذ التدوينة، هو اختصار لمعاناة يصعب علي أن أرويها في تفاصيلها على هذه الصفحة، هي قصة أقل ما يقال عنها مأساوية تجمع كل أشكال وأنواع المعاناة، خصوصا ما تعانيه عائلته الصغيرة، التي تتكفل الأم بحمل ثقل المسؤولية وحيدة، بلا معين ولا معيل.


تعرفت على أمه وعائلته، حين انتقلت إلى إمزورن ذات يوم رفقة صديقي سمير، بعد أن حدثني كثيرا، عما تقاسيه في سبيل الحصول على لقمة العيش، قبل أن يعتقل ابنها البكر، حسن، وكيف أصبحت حياتها أصعب وأمر بعد اعتقاله وصدور الحكم في حقه بعشرين سنة، وهو الذي كان قبل شهور، من محاكمته قاصرا لم يبلغ بعد سن الثامنة عشر من عمره.. كانت تتنقل وحيدة نحو سجن راس الما بفاس، بلا مرافق، بعد أن تستقل الحافلة عند منتصف الليل أو قبله بساعات، في اتجاه فاس، ونزولها في المحطة الطرقية في الثالثة أو الرابعة صباحا، في جو الشتاء البارد، حتى تتمكن من زيارة ابنها وطفلها، وتعود في نفس اليوم، خصوصا وأن يوم زيارتها لابنها لم يكن يتوافق مع باقي المعتقلين بنفس السجن: “كيف لأم وحيدة، تغامر بكل شيء وسط مدينة ترتعد أبدان الكثيرين حين يسمعون ببعض الأماكن التي يكثر فيها الإجرام، ومطاردات اللصوص ورفض انصياعهم لأوامر رجال الشرطة، والسيوف والآلات الحادة… كل هذه الصور كانت تحملها أم حسن باربا وهي في طريقها لزيارة ابنها”، كما روت لي في أول لقاء لي بها..


حين أطلت من نافذة الغرفة المطلة على الشارع، لم تتعرف علينا، حتى نزلت وردت التحية، وتعرفت على صديقي سمير الذي كان على اتصال بها، وعرفته بها وبظروف حياتها، فزوجها وأب أطفالها، يعاني من تخلف عقلي، جعله لا يغادر باب البيت أو الشارع الذي يقع فيه منزله على أبعد تقدير..
حين رآنا وهو جالس على الرصيف قرب باب المنزل قال: “أنا أعرف من تكونان، فأنتم تسكنان في حي باريو حدو وأنت ابن حمادي..”
التفت إليه، وقلت له ضاحكا: كيف تعرف أنني من باريو حدو يا سيدي الشريف؟
أجابت أم حسن: إنه زوجي، ولا تؤاخذه، فهو معاق عقليا.
كان الجواب كالسهم الذي أصابني في مقتل، فلم أكن أعلم أن الأمور قد تسوء وتكون أسوأ، فلم أعرف أن من يكلمنا هو والد حسن باربا، شهقت شهقة عميقة وصمت عن الكلام..
أما معتقل الحراك، حسن باربا، فلم أكن أعرفه ولا سبق لي أن التقيته، حتى تم تنقيله إلى السجن المحلي بالحسيمة، قادما من سجن راس الما بفاس، كانت المرة الأولى التي أراه فيها حين قمنا بزيارة ليوسف، وكانت أمه وأخته وأخوه الصغيرين، قد قدموا لزيارته في نفس اليوم. حين دخل قاعة الزيارة، كان طفلا صغيرا، نحيل الجسم، نحيفا، لم أستطع أن أضغط عليه حين عانقته، خوفا من أن يؤلمه ذلك، على العكس من باقي رفاقه، فعبد الحق صديق، شاب قوي البنية، يزداد وسامة وجمالا، وقوة في كل زيارة، شاب ظريف، خلوق، تتلمس براءة مشاعره وصدقها من الوهلة الأولى، تغيرت ملامحه وبنيته كثيرا منذ الزيارة الأولى التي رأيته فيها قبل ثلاث سنوات تقريبا بسجن عكاشة.. أما فؤاد السعيدي، هو أطولهم بلحيته الخفيفة، وبابتسامة لا تفارق محياه أبدا، فهو من النوع الذي خلق ليبتسم في وجه الآخرين، توطدت علاقتي به بعد كل زيارة خصوصا بعد أن رحلوا إلى سلوان ثم الحسيمة.. أما أصحاب التعبئة المضاعفة في المأساة والمعاناة، الأخوان عثمان وابراهيم بوزيان، فهما نموذج من الشبان الذين كانت الحياة قاسية معهما بعد أن جمعهما الاعتقال دفعة واحدة، شابان خلوقان، بشوشان.. لا يستطيعان أن يخفيا مشاعرهما اتجاهك في كل زيارة، تتلقى منهما مشاعر الود والاحترام بدون أن يكثرا من الكلام، عناق يختزل آلاف الكلمات..
التفت إليه حين كان بجانبي، وقلت له وهو يحدث أمه ويعانقها في كل لحظة، ويداعب إخوته الصغار: كن قويا يا حسن، فبجانبك رجال لن يفرطوا في شيء من أجلك، فالحمد لله الذي كان رحيما بأمك بعد أن نقلت إلى سجن الحسيمة، رغم أنه سجن صغير، وتتضاعف فيه العقوبة بسبب ذلك، حيث يحس السجين بالسجن أكثر، لكن فكر جيدا فيما كانت تقاسيه أمك من أجل الوصول إليك، فهذه المسكينة هي الوحيدة التي تعلم ما كانت تتكبده من أجلك..”
بكت الأم وهي تتأملني أكلم ابنها وأساعده على أن يكون قويا في مواجهة السجن، ابتسم إلي حسن باربا بابتسامته الطفولية، ضغط على يدي بقوة، كست جسمي قشعريرة، قالت الأم وهي تنظر إلي وهي تمسح دموعها: “الحمد لله، فالآن أستطيع أن أستقدم أطفالي لزيارة أخيهم الأكبر، وأتشارك الزيارة معكم كل أسبوع، لا أحس بالوحدة التي كانت تقهرني.”
انسحبت بهدوء وأنا أومئ لحسن بأن ينصت لأمه من أجلها ومن أجله، وأنا أتأمله، هل حقا حوكم هذا الطفل بعشرين سنة، وهل سيقضيها كاملة وراء القضبان؟؟؟ هل سيدوم حرمان هذه السيدة التي تكافح بعرق جبينها من أجل إطعام أطفالها وزوجها، وهل سيطول ويمتد لعشرين سنة؟؟؟؟!!!!

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock