دراسات وأبحاث

حقيقة الأوراق المالية التي صدرت في جمهورية الريف

بقلم عبد الملك مرون

شرع المغامر في خدمة جمهورية الريف، الإنجليزي الكابتن غاردينر، في إصدار عدد غير محدد من أوراق البنك الحكومي بنفس الجمهورية ( 1923 – 1926)، بهدف استبدالها بالعملة الإسبانية والفرنسية المتداولة آنذاك.
وقد تمت دراسة هذا الموضوع من قبل العديد من الباحثين و الدارسين، الذين سلطوا الضوء خاصة على مقال لبيتر سيمز، تحت عنوان: “ملاحظات عن ثورة الريف “، و كان الكابتن تشارلز ألفريد بيرسي غاردينر، الذي يشار إليه أحيانًا باسم بيرسي غاردينر، هو المكلف بالعملة الريفية، حيث منح للريفيين – حسب مصادر – نحو 16000 بندقية، اشتراها من هامبورغ بألمانيا، تم شحنها على متن يخته فيسيلفيا، مما مكنه في سنة 1923 من الحصول على امتيازات مهمة من الريفيين، لصالح النقابة التي كان يشتغل فيها كمساعد لمديرها، اللورد تينهام، مقابل قرض مالي.
تشير مصادر، الى أن الاتصالات الأولى بين غاردينر وممثلي جمهورية الريف جرت في باريس، مع شقيق محمد بن عبد الكريم ، نائب رئيس جمهورية الريف، حيث اقترح عليه تزويده بالسلاح، الذي اعتبره شقيق أمير الريف مكلف للغاية، و بعد ذلك بوقت قصير، وبالضبط في ماي سنة 1923، ووفقًا لرواية نيويورك تايمز التي استشهد بها سيمز، حصل غاردينر على 300 ألف جنيه إسترليني، مقابل حقوق إنشاء بنك مركزي في أجدير، لإصدار الأوراق المالية الريفية، وتتضمن حقوق استغلال مناجم النفط، والفحم، والفضة، والنحاس بالجمهورية الفتية، بالإضافة إلى إمتيازات خاصة تهم، البريد والبرق، وخطوط السكك الحديدية، وتشغيل الموانئ، كما تم تأمين حقوق تنظيم المدارس والكليات التقنية، والمسارح، ودور السينما، ودور الأوبرا، وخطوط الترام والحافلات ! .
وأشار سميث، بناء على وثائق استشارية، اطلع عليها من مكتب السجل العام في المملكة المتحدة، أن غاردينر ومديره تينهام، طلبا مرارًا وتكرارًا من الحكومة البريطانية وسفارتها في باريس دعمهم، للظفر بالامتيازات المذكورة.
في بداية غشت 1923، قدم الكابتن غاردينر نفسه، على أنه الوكيل العام لحكومة جمهورية الريف، و في أواخر نفس الشهر، حصل غاردينر على لقب وزير مفوض لحكومة الريف، حيث نص الخطاب المستخدم في مراسلاته رسميا على أنه الوكيل العام لحكومة الريف، وطالب من الحكومة البريطانية فتح دائرة دبلوماسية وقنصلية في أجدير، عاصمة جمهورية الريف، مع إرسال دعوات مماثلة إلى العديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم، ولكن هذه الطلبات يبدو أنها تم تجاهلها.
يستشهد سيمز أيضًا بتقرير من المكتب الخارجي البريطاني تحت عنوان ” أنشطة الكابتن غاردينر في الريف”، الصادر في دجنبر 1924، الذي وصف غاردينر، واللورد تينهام ورفاقهم، بأنهم أشخاص غير مرغوب فيهم، لأنهم تسببوا في بعض المصاعب للحكومة البريطانية، بسبب أنشطتهم الشائنة، فقد تُركوا وأهملوا، وتحملوا عواقب أفعالهم، التي لها علاقة بالتفاوض للحصول على امتيازات بالريف سنة 1923، وكان الهدف الرئيسي لغاردينر ونقابته هو على الأرجح الحصول على امتيازات التعدين، والمال، من خلال إنشاء بنك مركزي في الريف.
ويضيف سميث، أن هناك إشارة بمكتب السجلات العامة البريطاني، في إحدى المراسلات السياسية، للمكتب الخارجي إلى وثيقة بعنوان ” محاولات الكابتن غاردينر صنع عملات ورقية للريف في المملكة المتحدة … “، يشير هذا المصدر إلى أن غاردينر، لجأ إلى مطابع الأوراق المالية البريطانية، لطبع أوراق الريفان، وتأمين الإنتاج، لكن في الأخير اكتشف بأن الأوراق المالية لم تنتج بطريقة آمنة.
ووفقا لروبرت فورنو، في مؤلفه “أمير الريف” ، كان غاردينر يحاول بيع لمحمد بن عبد الكريم آلة لطباعة الأوراق المالية، مقابل الظفر بجميع العملة الصعبة الموجودة بالريف.
وقد تم الكشف عن الورقتين المعروفتين بالريف ( الريفان)، في الكتالوج للنقود الورقية في العالم ( قسم المغرب)، مع الرقمين R1 و R2، حيث يظهر أن ورقة واحد ريفان، طبعت باللون الأحمر على ورق أبيض، بينما طُبعت ورقة خمس ريفانات باللون الأخضر، أو الأصفر الباهت، وكتبت عليهما في الأعلى، عبارة بنك حكومة الريف باللغتين العربية والإنجليزية، ورقم تسلسلي، وصورة هلال، ونجمة سداسية في الجانبين، بينما تضمان في الوسط مربعا يحمل قيمة الورقة بأحرف العربية، وتحته القيمة بالأنجليزية، وصورة فارس بجانبيهما، و كتبت في الجزء السفلي من ورقة 1ريفان عبارة تعادل 10 بنس بريطانية، و 1 فرنك ذهبي فرنسي، وتضم في جانبها الأيمن دائرة كتب عليها عبارة واحد باحرف العربية، وفي الجانب الأيسر دائرة أخرى وضع في وسطها رقم 1 ( يعني 1 ريفان).
وفي الجزء السفلي من ورقة 5 ريفانات، كتب عليها عبارة تعادل 50 بنس بريطاني، و 5 فرنك ذهبي فرنسي، وتحمل في جانبها الأيمن عبارة خمسة بأحرف العربية داخل دائرة، وو ضع في دائرة أخرى باليسار رقم 5 ( يعني 5 ريفانات).
يجهل معنى تاريخ 10- 10 – 23، الذي يظهر على ورقتي الريفان، ويفترض سيمز أنه التاريخ المتوقع لطرحهما للتداول، أو مرتبط بحدث ما.
ويذكر أن علم جمهورية الريف لونه احمر، و يتوسطه مربع مقلوب أبيض، يضم هلال ونجمة سداسية خضراوين بنفس الشكل المرسوم على ورقتي 1 و 5 ريفانات.
يشير سيمز إلى أن القيمة بالعملة الفرنسية يمكن تفسيرها على أمل التداول مع المناطق الخاضعة لفرنسا بالمغرب والجزائر، لكن يصعب تفسير استخدام اللغة الإنجليزية على الورقتين، حيث تغيب مؤشرات تدل على إمكانية متاجرة الريفيين مع الإنجليز، لكن لا يمكن إنكار بأن الامتيازات التي حصل عليها غاردينر كانت تهدف إلى فتح السوق مع الريفيين.
يرى سميز، ان طبع العملة الريفية باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية يدل على الجهل العميق لغاردينر، وعلى مدى اتحاده، وارتباطه بالأشخاص الذين كان يتعامل معهم، لأن الإنجليزية كانت غير معروفة بالريف، و الفرنسية كانت كلغة هامشية، وبذلك فإن عدم وجود معادلة للعملة الإسبانية على ورقتي الريفان، أمر مثير للدهشة، حيث كان من المنطقي إبلاغ المستخدمين المحتملين لتلك الأوراق النقدية بالريف بقيمتها بالعملة الإسبانية المتداولة، لأن بعضهم كانوا على دراية بالإسبانية والعربية، والبعض الأخر يتحدثون فقط بالأمازيغية، لغتهم الأصلية.
يجهل لحد الآن كيف توقع غاردينر دعم الأوراق النقدية الريفية، هل أنه كان ينوي استبدالها بالعملة الإسبانية المتداولة أنذاك بالريف، ام بالعملة البريطانية، بعد تحويل البسيطة الى الجنيه الإسترليني، حيث يمكن بعد ذلك الحفاظ على هذا الدعم للريفان بالعملة الصعبة، والسماح باستخدامه في المدفوعات.
وراجت في الريف في عهد الجمهورية (1923 – 1926 ) العملة الفرنسية، وخاصة العملة الورقية الصادرة من غرفة التجارة بوهران الجزائرية.
وحسب مقال اطلع عليه سيمز، نشر بجريدة نيويورك تايمز الأمريكية في 12 غشت 1912، أن العديد من الريفيين ذهبوا الى للإشتغال شرق الجزائر، بعد توطين الفرنسيين بوهران، وجلبوا تلك العملة.
يجهل حجم العملة الفرنسية والبريطانية التي تداولت بالريف، وساد الغموض ايضا عن الهدف من إصدار غاردينر لأوراق الريفان، هل كانت من اجل دعم الريفيين في معاركهم ؟ أم كانت تهدف الى تحقيق الإثراء الشخصي، بجمع العملة القوية ؟.
لقد أقر بعض المؤلفين بعدم وجود العملة بالريف، حيث كشف، فسينت شيان، في كتابه ” أمريكي بين الريفيين”، ان جمهورية الريف كانت ذات كثافة سكانية منخفضة، كما ان الضرائب التي فرضتها على سكانها لم تكن كافية لدعم الحكومة والجيش، والأموال التي حصلت عليها من الإسبان، لتحرير أسرى معركة انوال ( ثمانية ملايين بسيطة)، من المحتمل انها صرفت في شراء الأسلحة من الخارج.
أثبت مصادر ان وزارة المالية للجمهورية الريفية، التي كان على راسها عبد السلام، عم محمد بن عبد الكريم، كانت تعتمد على ضريبة الحبوس، والترتيب، والعشور، ورسوم الأسواق، والغرامات المفروضة على القبائل المتمردة، أو الناتجة عن بعض الجرائم والمخالفات العادية … .
كشف روجر ماتيو في مذكراته سنة 1927، بأن محمد بن عبد الكريم، قال،إنه ” ليس لديه مشاكل في تمويل الحرب، و تعديل ميزانياته التي تصل الى 600 مليون بسيطة “.
وأوضحت مصادر إسبانية، أن حجم الأموال التي كانت تروج بالمنطقة الخاضعة لإسبانيا بالمغرب، ما بين 1916 و 1932، كانت تبلغ فقط نحو 511 مليون بسيطة، مما يعني أن هناك تباين واضح بين معطيات محمد بن الكريم الخطابي، والأرقام الإسبانية.
هناك من يرى، انه من الصعب معرفة بأن اوراق الريفان تداولت بالفعل بالريف، وتساءل بعض الدارسين، عن حجمها، و مدة رواجها.
قال خوان إسبانيا، في مؤلفه ” أداء إسبانيا بالمغرب في 1926″، ” أمر محمد بن عبد الكريم، بإلقاء اوراق الريفان في البحر “.
ومن جهته قال دافيد هارت في كتابه ” أيث ورياغل بالريف المغربي”، ” إنه على الرغم من أن محمد بن عبد الكريم قد طبع نقودًا ورقية، وشاهد صورة لورقة خمس ريفانات باللغتين الإنجليزية والعربية في المحفوظات الشخصية للعقيد إميليو بلانكو، إلا أن الحديث عن رواج الريفان امر مشكوك فيه، خاصة وأن جميع مخبريه تحدثوا فقط عن بسيطة و دورو ( خمس بسيطة).”
وأشار ديفيد س. وولمان، في مؤلفه: ” المتمردون في الريف: عبد الكريم والريف المتمرد”، الى ان الخيالة الريفيين كانوا يتقاضون 2 ريفان من القبيلة التي يدافعون عن أراضيها، وأن العملة الريفية كانت تطبع في أنجلترا، لفائدة بنك الدولة الريفية، بأوراق خضراء من فئة 5 ريفان، التي تعادل قيمتها خمس بسيطة، أو 0,71 دولار أمريكي، و بأوراق حمراء من فئة 1 ريفان، التي تعادل قيمتها 1 بسيطة، أو 0,14 دولار امريكي.
وان سكان القبائل استخدموا العملة الإسبانية، وفضلوها عن العملة الجديدة ” الريفان”.
هناك من شكك في تداول الريفان بالريف، ويرى بأنه عملة، تم استيعاب قيمتها مع العملة الإسبانية المتداولة أنذاك بالمنطقة، وأن العينات التي انتشرت، عبارة عن تذكارات أخذها الجنود الإسبان من الريفيين بعد هزيمتهم، وسقوط محمد بن الكريم الخطابي.
قال سيمز، “إن اوراق مصرف الريف، لا يمكن اعتبارها عملة تابعة للجمهورية الريفية، بل يمكن ربطها فقط بعبد الكريم وحكومته، لضمان الحصول على امتيازات، وتعتبر أيضا كإرث يكشف عن طموح الكابتن تشارلز غاردينر ونقابته.”

المراجع :

– BORREGO, P.D., “Los riffans de Abd el Krim”, Crónica Numismática, Abril, 2003.

– CUHAJ, G.S., 2013 Standard Catalog of Word Paper Money, Modern Issues: 1961-Present, Volumen 3, 2012.

– GONZÁLEZ ROSADO, C., “El Riffan, la moneda de la efímera República del Rif”, El Faro Digital.es, 18 de noviembre de 2011.

– FURNEAUX, R., Abdel Krim – Emir of the Rif, London, 1967.

– ROGER-MATHIEU, J., Mémoires D’Abd-el-Krim, Paris 1927.

– SYMES, P., “The Notes of the Rif Revolt”, International Bank Note Society Journal, Volume 41, No.3, 2002.

– WOOLMAN, D.S., Rebels in the Rif: Abd El Krim and the Rif Rebellion, Stanford Univers University Press, 1968.

الوسوم