أقلام حرة

حمزة عيطاوي يكتب الزفزافي الذي لا نعرفه

حمزة عيطاوي

في الصورة يظهر ناصر الزفزافي وسط مقبرة ، قد يبدو الأمر عاديا للوهلة الاولى ، لكن أن يكون زمن إلتقاطها هو أوج الحراك الشعبي مستهل سنة 2017 و في أوج الضغط و الحركية التي كانت تحيط به يكون ناصر مفره للتخفيف هو التوجه لقبر ما فذلك هو اللغز ، هذا قبر حبيبة ناصر الزفزافي التي وافتها المنية في 2011 إثر خطأ طبي أودى بحياتها بعد أن تم وصف أدوية لتشميع الكبد و هي مصابة بمرض آخر فبدأت بداية نهايتها بعد تلف كبدها بتأثيرات الادوية ، الصدمة الأولى لناصر الزفزافي هي خبر رحيل حبيبة كان يرى كل المستقبل جنبها و حاضرة فيه ، و كان يراها حافزا للحياة و دافعا للمجابهة و مصارعة الزمن من أجلها و تكون جنبه رفيقة درب و شريكة حياة ، إلا أن القدر كان له رأي عكس انتظاراتهما و خطفت الموت حبيبته سنة 2011 ، و هنا ستبتدئ قصة أخرى ، قصة الوفاء للحب رغم الرحيل الأبدي ، قصة شوق ، قصة عدم التصديق أنها رحلت ، قصة ناصر العاشق الصادق المخلص الذي ظل مواظبا على زيارة قبر حبيبته ، كانت حاضرة في ذهنه و حية في صدره ، ذلك ما جعل ناصر يحدث قبرها لساعات و يحكي لها ما يخالجه ، حبه لها جعله يتحدى قوة و مرارة الموت و جعلها حية عنده رغم حكم القدر و ضدا فيه .


زيارات ناصر الكثيرة لقبر حبيبته لم تظل مستورة مخفية بل لاحظها ساكنة المدشر القريب لمقبرة الشهداء بأجدير ، ظنوا في البداية أنه نبّاش قبور ، فاستطلعوا الأمر سرا و راقبوه ليكتشفوا ما لم يكن في الحسبان ، رأوا رجلا يزيح عن قبر الغبار بزهور القبور ، رأوا ناصر يجلس جنب القبر يحدث غائبة بالجسد و حاضرة بالروح في ذهنه ، رأوه يتحدث و يتوسد قبرها و في مرات كثيرة كان يغالبه النوم فينام جنبها .
هذا هو ناصر الزفزافي الذي لا نعرف ، او جزءا من ناصر الذي لا نعرفه ، ناصر الذي إن عاهد على الوفاء يظل كذلك حتى و إن انقلبت كل الظروف رأسا على عقب ، لا يعرف معنى الاستسلام ، و هذه الصورة دليل على ذلك ، فها هو ذا في 2017 وسط مقبرة حيث ترقد من انتزعها القدر منه و لم تسقط من قلبه رغم رحيلها بست سنوات ، و وسط ضغط الشارع و السلطة و المتابعين و الزحام و الارهاق و الجو المتسارع الذي كان سائدا في اوج الحراك ، لم يكن يبحث عن حسناء يملؤ بها فراغا داخليا و هو الشخص الذي كان العالم بأسره يتحدث عنه ، و ألف امرأة تتمناه ، لكن كان له رأي آخر ، وسط ذلك الجو بأكمله حافظ و واظب على إعطاء زمن لحبيبة يقصد قبرها و لم يتركها على هامش الزمن و لو في غيابها القدري ، كان يقصدها ليشتكي لها وضعه و ما يعانيه و يبوح لها بأسرار لا يعرفها احد سواها و يحدثها بلغة لم يحدث بها احد سواها ، كان بطلا و زعيما ميدانيا و كانت سنده و مأواه و هي تبتسم له أكيد من عالمها حيث تتواجد ، و تفتخر بوفاء رجل عظيم لها حتى في الممات .
هذا هو حب الأبطال الذي لا يعيشه متسكعي دروب المصالح و أوهام كليشيهات الزمن الفاني ، حب لا يموت و لا يخفت حتى لو رحل و غاب الطرف الثاني ، حب يحيي الميت في صدر ينبض باسم الحب و لا يعرف الهزات و لا يتأثر بالمتغيرات الظرفية ، هذا هو ناصر الزفزافي و هذه حكاية رجل وفي اذا عاهد و مخلص للابد إذ أحب ، فكيف لا نحبه و كيف لا ننحني لعظمة معدنه النفيس .
و لعل من كان يتابع ناصر على صفحته في سنوات 2011 و 2012 يتذكر بعض تفاصيل هذه الحكاية و تفاصيل هذه الصورة التي تنشر لاول مرة بعد حظر حسابه الاصلي .
الحرية للبطل رمز الوفاء و رمز الحب الذي لا يعرف الحدود و لا القواعد و التقعيد ، و لن يخلص للحب بهذا الشكل إلا عظيم كناصر الزفزافي و من على شاكلته من العظيم

الوسوم