أقلام حرة

حمو حسناوي : أمازيغ ليبيا و الحرب القذرة

    لقد خرج أمازيغ ليبيا من ثورة فبراير أقوياء ويحظون باحترام العدو قبل القريب، خصوصا وأنهم لم ينخرطوا في حروب عصابات امراء الحرب التي شهدتها العاصمة طرابلس بعد سقوط نظام القدافي، وكذلك لأنهم القوة الوحيدة التي أخلت مواقعها بالعاصمة وسلمتها لأهلها بعد المناوشات التي حدثت و اعطت اشارات سلبية حول الوضع الأمني آنذاك، وترجمت فيما بعد إلى ظهور أقطاب الجريمة المنظمة للتموقع بإسم حفظ القانون، و اغرقت العاصمة في جبهات مفتوحة بين جناح بوسليم و زنتان الإمارات ومصراتة قطر، وشهد الجميع كيف تقاسمت هذه الفصائل شوارع العاصمة وغنائم اداراتها الرسمية مدنيا وعسكرا، في ما ظل الحضور الأمازيغي عبر القوة الوطنية المتحركة حضورا يدور في فلك هذه الأقطاب، فيما تبقى تشكيلاته العسكرية الكبرى خارج المعادلة بالأساس بعد عودتها إلى مدنها الأصلية في جبل نفوسة وزوارة، بينما أمازيغ الصحراء يبقون خارج المعادلة بالأساس باعتبار انقسامهم بين كل الكثائب بشتى ألوانها و أصنافها دون بزوغ أي وازع تنظيمي؛ بعد اقبار تجربة كتيبة تينيري التي لم تستمر على الساحة للعديد من الظروف المادية و انعدام ارضية تنظيمية تنطلق من ولائها لإديولوجيا الأرض قبل كل شيء، وفي نظري فخروج الكتائب الأمازيغية من العاصمة بعد الثورة بنواياهم التاريخية المسالمة والمهادنة والمؤمنة بالبناء المشترك للوطن في ظل السلام، سهل خروجهم من دائرة الضوء و القرار، وجعلهم رقما خارج معادلة الحكم بليبيا الجديدة بعدما كانت التقارير الإعلامية الغربية تصنفهم بالقوة الضاربة الصاعدة في الغرب الليبي، فالعاصمة هي ليبيا وبقدر قوتك ونفوذك فيها ستأتي القرارات لصالحك وإلا لماذا يسعى حفتر حاليا لدخولها ؟!

لكن عدم توحد ألوية الأمازيغ في ظل مجلس عسكري موحد يتبع للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، جعل ثقل قوتهم السياسية يضعف بل وجعل قرار خوضهم الحرب من عدمه رهينا بقرار أمراء الكتائب وتموقعهم المذهبي و السياسي، عوض أن يكون قرارا نابعا من مؤسسة موحدة سياسيا وعسكريا، وهذا ما شهدناه في حرب العاصمة الأولى سنة 2014 ، والتي أدخلت الأمازيغ لأول مرة في حرب مصالح لم يستفيدوا منها سوى ازدياد التبعية و الإقصاء، والدليل على ذلك ما تعرضت له قوتهم الوحيدة المتبقية بالعاصمة التي لم تنل دعما ماديا ولا لوجستيكيا منذ دخولهم معارك فجر ليبيا، وتعزز ذلك بصعود حكومة الوفاق التي لم تعترف رسميا بالقوة الوطنية المتحركة جسما تابعا لها بل وفرضت عليها مغادرة احد معسكراتها بالعاصمة، ولم تغازلها إلا بعد بداية المعارك على تخوم العاصمة قبل تسعة أشهر من الآن، وهو ما يعكس نوايا الخبث التي تضمرها هذه الحكومة المنبثقة من عقيدة اقصائية خطيرة يعرف الجميع مرجعيتها ومنطلقاتها، و ترجمتها على الأرض قراراتها حتى مدنيا بعد محاولة منع الأسماء و محاصرة تدريس الأمازيغية، وكلها اشارات وجب الوقوف عليها واستثمار المرحلة لتنظيم الصف ومراجعة المواقف وبناء رؤية مستقبلية حول كيفية فرض القوة الأمازيغية على الأرض، ببناء تحالفات جديدة وعدم تكرار افراغ مواقع قواتها في العاصمة لجعلها ورقة ضغط سياسي وتفاوضي لتعزيز الحضور الأمازيغي داخل دواليب الدولة عسكريا ومدنيا، مع تعزيز المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا بمجلس عسكري موحد تابع له يتحرك وفق أوامره لأن السياسة وحدها لا تكفي في ظل احتكام اللعبة للقوة، وفي ظل نوايا التدخل التركي في الشأن الليبي والذي لن يكون إلا في صالح حكومة الوفاق التي كشفت عن مخالبها ضد الأمازيغ من قبل، و ستكشر عن أنيابها في ظل الإستقواء بالأتراك، ونخاف أن تتكرر مستقبلا حرب الشمال السوري ضد الأكراد في ليبيا وهذه المرة ضد الأمازيغ، خصوصا أن أول أولويات هذه الحكومة و النظام التركي ستكون تمرير الدستور و تكريس نظام الإخوان كأساس للدولة الليبية حفاظا على استمرار مصالح الدولة تركيا أردوغان، وخلاصة القول أنه على الأمازيغ الإستفاذة من دروس التاريخ القريب و البعيد حتى لا تتكرر الأخطاء فلولا ضغط خربيش والباروني وابتزازهما قوة بأخرى لما تحقق مشروعهما وعبرة الماضي درس اليوم في تغيير معادلة الواقع المفروض.
حمو حسناوي
الدار البيضاء 03 يناير 2020

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock