أقلام حرة

حنان غزالي الريف.. بداية الجرح ونهاية الألم

حنان غزالي

الريف، بداية الجرح ونهاية الألم.
لسنوات طوال لم أكن أعرف شيئا عن الريف بالخريطة المغربية، ما عدا كونها منطقة جبلية، من جبال المغرب، هكذا كان درس الجغرافيا يقدم لنا المنطقة معزولة عن الانسان، وكأنها منطقة غير مأهولة، وهذا عيب الجغرافيا في المقررات الدراسية، هيكل بدون روح.
وأنا قابعة بين أسوار مدينه الرباط كنت أقرأ عن الريف في القصص الصغيرة المخصصة للأطفال باعتبار الريف نقيض، لذلك فالريف في ذاكرتي هو مفرد للأرياف، التي شكلت مسرح الكثير من سرديات نجيب محفوظ، ويوسف إدريس والسباعي، وكتاب مصريون آخرون كثر….
لم تتح لي الفرصة من قبل أن أسافر في ربوع مغربي إلا لمدينتي سطات والدارالبيضاء. سطات لأنها مسقط رأس أمي وأبي والدارالبيضاء لان جدتي كانت تأخذني معها في زياراتها المتكررة لأخيها هناك. هذه جغرافية الأمكنة التي ملأت ذاكرتي الطفولية، مثل كل أطفال بلدي لا يبرحون مدنهم إلا بعد أن يكبروا ويشتغلوا، أو ليدرسوا في مدن أخرى إن حالف بعضهم الحظ، أما الباقي وهم الأكثرية، فهم محكومون بالإقامة الجبرية إلى حين.
بعد انتقالي للمرحلة الإعدادية درست ماده التاريخ، وكانت الإشارة فيها إلى أهم المعارك التي خاضها المغرب ضد المستعمر، حينها فقط سمعت عن معركة أنوال، لكن بشكل مختصر شديد الاختصار، في جملتين أو ثلاث، وهو حال كل الملاحم الكبرى للشعب المغربي، لا أدري كيف علق اسم زعيمها بذهني، وإن كنت أجهل قصة كفاح ومقاومة هذا الزعيم الذي حظي بسمعة عالمية، حيث عرفت فيما بعد، خاصة حين انتقلت إلى الجامعة، والتقيت الكثير من الطلبة من مختلف المدن المغربية، ومن بينها الحسيمة والناظور أن عبد الكريم بن محمد الخطابي كان رمزاً حقيقياً للمقاومة والتحرر، مغربيا كان وظل كذلك، وإن كان بلسان أمازيغي.
عرفت في المرحلة الجامعية، أن بلدي الغني بتعدده الثقافي واللساني، والجغرافي والتاريخي، هو بلد ظل فقط مزدهراً في ذاكرتي، وذاكرة أحرار الوطن، الذين لم يمنع اختلاف لكناتهم ولهجاتهم وطقوسهم الاجتماعية والثقافية من أن يشكلوا ذاكرة شعب وذاكرة وطن. وهو ما كنت أجهله قبل الجامعة، الجامعة التي سوف تنتهك حرمتها وتسلب من خصوصيتها الثقافية، ويجهض دورها في التكوين السياسي والنضالي. حينها فقط بدأت أتعرف عن الآخر الذي يشاركني هذا الوطن الجميل.
بالرباط يكثر المرضى الوافدون من خارج المدينة، قد يسافرون لساعات كي يصلوا إلى العاصمة من أجل العلاج، مازلت أذكر أن جارة لنا كانت تكتري غرفا لذوي المرضى أو للمرضى أنفسهم، بعضهم من شمال المغرب والبعض الآخر من جنوبه، خلقت الكثير من العلاقات العابرة مع هؤلاء، وليس هذا فقط، بل حتى الطلبة الذين كانوا يقبلون في الجامعات التي توجد بالرباط ولا توجد بمناطقهم كانوا أيضا يأتون للمنطقه من أجل غرف بثمن بسيط حتى يكملوا دراستهم، أحيانا يأتون مرفوقين بأقربائهم أو يزورونهم بين الحين والآخر، ودوماً كنت أسحب السؤال إلى الخلف، سؤال الجغرافيا والتاريخ، وكأنه تحت تخدير. كيف يختزل الوطن في مدينة؟
مازلت أذكر كيف تعرفت على فتاه من الناظور وكانت تقول أنها ريفية وملامحها أيضا ريفية، فتاه جميلة المحيا، عيناها خضراوتان، بشرتها تشبه بشرة الاطفال وبالكاد يسمع صوتهاالقادم عميقاً من جبال النسيان. أمها أيضا بنفس الصفات غير أنها كانت تملك صوتا حادا، عرفت أنها فقدت زوجها منذ زمن وهي التي ربت أبناءها إلى أن وصلوا الى مراكز مهمه .
صديقتي الناضورية التي سرعان ما تزوجت ابن خالتها بهولندا عرفتني حينها بصديقة أخرى من الحسيمة في آخر سنة قبل التخرج مهندسه دولة، وقد تم لها ذلك وتخرجت وحصلت على عقد عمل بالدارالبيضاء، والتي اليتمية الام بعد أن أخدها السرطان هي وعدد من عائلتها، كانت هذه الصديقة هي سبب معرفتي كيف ينتشر المرض اللعين بالريف، والسبب يعود إلى الغازات السامة التي قصف بها المستعمر الإسباني المقاومة بعد أن فشل في القضاء على شجاعة محمد بن عبد الكريم الخطابي ورجاله ونسائه. وصديقتي بدورها، مثل اخرين، قدر عليهم أن لا يعودوا إلى الريف لخدمته، وكأنهم مأذونون بالرحيل المستمر
مرة أخرى، أعيد تركيب ذاكرتي التي كانت ضحية تعليم قاصر علمني الواجهة، وأخفى عني العمق، علمني الاحداث وأخفى عني أسبابها ونتائجها، علمني النظام وأخفى عني من صنعه… علمني الجغرافيا وأخفى عني التاريخ.
ما هذا الاجحاف بحق الأرض التي ولد فيها الانسان إن لم يكن له الحق في أن يخدمها ويسقيها عرقه وثمره تعبه ؟؟ هاتين السيدتين كانتا مفتاحا لباب آخرى من أبواب ذاركتي مع الريف، لأتعرف على سيدة ريفية، هذه المرة، ليست المريضة، ولا الطالبة، بل المتعلمة المثقفة. لم تخلو لقاءاتنا من زيارات متبادلة، تعرفت فيها على عادات أهل الريف في الحسيمة، وتعلمت بعض الكلمات، التي لم تحتفظ ذاكرتي إلا بعبارة: اسوكاس اميمون امباركي، التي كانت تعني سنه ميمونه وسعيدة.
حينها تساءلت لماذا لم يكن لنا بالمدرسة منهاج أو مقرر لو لساعاتين كل أسبوع نتعلم فيه باقي لهجات المغرب التي تشهد على حضارته العريقة والغزيرة. هذا الغدق الذي لم ننعم به في مدارسنا لأسباب سياسية لم أعرفها إلا بعد طول سنين وتجربة.
اليوم فقط بسبب الحراك، تحركت بداخلي رغبة ملحة في أن أغوص في أعماقه، أن أسترجع ذاكرة أهله، أن أتحدث إليهم لأفهم نصفي الآخر الذي كنا يوما ما نتشارك معه الأرض الخصبة والشمس والهواء وحتى ضوء القمر الذي كان ينير لنا سماءنا في نفس الوقت دون أن يدري الواحد منا أن الزمن الاستبعاد والقمع سيعود كما كان في سنوات الرصاص ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ودون أن يدري كل منا أن سنوات58/59 الأفقيرية ستعود وإن بلباس مختلف .
لقد تحركت بداخلي تلك الرغبة وأنا الآن أحمل فكرة بسيطة عنه، أحاول أن أقارنها بما رأيته سابقا من حالات كانت تسكن بالقرب من منزلنا ذات تاريخ مضى. عرفت أيضا ان الريف عاش فترة بطولية مع عبد الكريم الخطابي، الزعيم الذي دفع بالمستعمر الاسباني الى الهاوية وكسر شوكته لولا تدخل المخزن.
بدأت أفهم لماذا لم تبرمج لنا هذه التفاصيل في المناهج الدراسية، حيث كنا ندرس مادة التاريخ عن بطولات المغرب المزيفة، عن محاربة المستعمر، عن الاستقلال المزعوم، عن الفدائية ولكن لم يقولوا لنا أن زعيم معركة أنوال تم نفيه إلى مصر ولا عن السبب، بدا لي كل شيء غبشا، ولأن التاريخ يكتبه المنتصر، زيفوا كل الحقائق كي يثبت انتصارهم الزائف، ومع زيفهم أفقدونا جزءا من هوية الوطن، وجزء كبيرا من تاريخنا وتاريخ أجدادنا وأمجادنا.
قبل حراك الريف، لم أكن أعلم أن معاناة الناس مع السرطان ماتزال مستمرة في الزمان والذاكرة. أحاول الآن وأنا أتابع حراك الريف، كما أتابع دقات القلب، أن أربط صور النزلاء المصابون بأمراض لم أكن أعرف نوعيتها، وهم يمضون ساعات طويلة بالطريق وصولا إلى مشفى حيث الأمل كل الأمل فقط أن يزول الألم.
كانوا يحضرون، وما يزالون، وهم يحملون على أكتافهم وعزتهم آلامهم وآمالهم بالشفاء والعودة إلى أحبابهم وأزواجهم وأبنائهم. كل هذا والبسمة لا تفارق محياهم الذابل والمحمر خجلا، ونار فقر وحاجة. كل هذا وقد كانوا عزيزي نفس ومروءة. كم كنت بلهاء لأنني لم أكن فضولية بالشكل الذي أنا عليه اليوم، لأتساءل حينها لما آتوا الى الرباط، ولم يعالجوا في الحسيمة أو الناضور.
حتى الطلاب منهم لم يخطر ببالي لماذا ليس لديهم جامعات بالقرب من آماكن سكنهم، دون عناء أو تعب، بعضهم من عائلات غنيه، لكن تواجدهم بالرباط استنزف ما لديهم من مال فكانوا يكتفون بغرفة صغيرة بها ماء وكهرباء وفرش بسيط، وبعض الحب من باقي الجيران، ممزوجة بالشفقة، مخضبة بالاستغراب، كل هذه الصور لم تبعث في الفضول بأن استفسر هل المغرب يختزل في الرباط أو الدار البيضاء فقط ؟
اليوم فقط، وأنا أتابع بكل ترقب واندهاش وحزن ما يحدث بالريف، اكتشفت أن تاريخا مهما من تاريخ وطني لم يسجل بعد. اكتشفت أن خريطة المغرب لم تكن مكتملة في مخيلتي وفي ذاكرتي، وأنا الآن أبحث في عوالمه الحزينة عندما رأيت حشودا من الناس تعبر أحياء الريف بمختلف ضواحيه، في عز الحر في شهر رمضان قبل وبعد الافطار، لم يأبهوا لكل هذا، لأن ما بداخلهم من نيران مشتعلة لا تكفيها مياه البحار. وكيف يبرأ القلب، وصور التنكيل بالبسطاء صبيحة العيد صادرة تشق الذاكرة؟
كانت الرغبة الملحة في استعاده شيء من الماضي، شيء من الكرامة، شيء من الحرية، هي من جعلت أهلنا وقلبنا في الريف المنسي يقفون جنبا الى جنب وهدفهم واحد: حرية وكرامة أو لا حياة ! وأبسط الحقوق منتهكة، حين يتحول مطلب مستشفى كي نعيش إلى خيانة وانفصال، معناه أن الوطن قد سُرِق.
كم مؤلم أن تفتح عينيك على العالم وتجد نفسك مصابا بجسدك لمجرد أنك ولدت بأرض موبوءة لا تورث إلا الأمراض، دون أن يحاسب من افتعل الأسباب. كم هو مؤلم أن تدفع ثمن حقد قديم. كم هو مؤلم أن تدفع ثمن أنك ولدت هناك، كل ذنبك أنك أحد أحفاد الخطابي، كل ذنبك انك تحاول أن ترقع ثوب الكرامة المشروخة. كل ما في الأمر أنك إمرأة حرة أبية تصدح بصوتها مطالبة أن تتساوى الحقوق والواجبات. كل ذنبك أنك خرجت تناضلين مع الرجل ومن أجل الحرية والكرامة، وكل ذنبك أن صوتك بات يفقع اذانا صماء، ويردد بشموخ أن الوطن للجميع ولا خير فيه إن لم يقتسم آلامه وثرواته وأفراحه كل مواطنيه بدون استثناء أو قيد أو شرط. لا خير في وطن لا يهزه انينك، ولا خير في وطن يلجمك ويركعك.
هذا الحراك الثائر زلزل دواخلي، وأخرج من ذاكرتي أوهامها، مثلما أخرج أثقال عصابات ومافيات، حتى إذا ما قال المستلبون منا، مالها، ما بها تشهر السيف والمقصلة، قال الشعب وقد أوحى له ضمير الغضبـ أن البلاد بها فرق من نار ظلت تكتم سر القتل وسر النهب لسنوات طوال.
جعلني الحراك اشعر بالخجل كإمراه كمواطنه، وكمهاجرة، هجرت البلاد ولم تهجر الوطن الذي ظل متربعا على عرش حبها للكون، خجل مشوب بالخوف والحزن على كل الذين صبروا على الويلات ولم يلفظوا الوطن خارج أحشائهم، حملوهم في نضالاتهم، فضلوا البقاء من أجله ولم يتخلفوا يوماً ومضوا إلى حتفهم من أجله باسمين، في حين حوله آخرون إلى منتجع للنهب والسلب واكتناز الفضة والدهب، وحوله الباقي المثخن بالرشوة والزبونية إلى منتجع لليالي الحمراء والوردية وكل ألوان حزام السماء والأرض، حيث أمموا البر والبحر والجو.
صفعني الحراك على خذي المخضب بالخجل من صمتي البئيس وأنا أنظر لبلدي المطعون وقد قُدَ من قُبل ومِن دُبر ومن خِلاف، وقد استبيح دم وعرض أحراره، الذين كل ذنبهم أنهم لم يخذلوه، فخذلهم وجُنِد الجند والعسس الغليظ القلب، ليكتم صوت الوطن، وقد حل كما الأرواح في صوت سيليا المبحوح عشقاً وهوى في وطن تزي بأحلى الحلل في عيون حالمين لا كباقي العشاق، حين قالت فنانة الريف وصوته الشجي ” آه لو تعلم كم نخاف عليك ايها الوطن”، انتفض المخزن ولصوص الأمس القريب، واحتج العياشة وبلطجية استعبدهم الفقر والجهل، وفتحت السجون والمعتقلات، واستيقظ السجان من نومه الذي طال عقود العهد الجديد الذي سرعان ما أصبح جزءاً من أوهام جيلي .
هذا الحراك لي، هذا الحراك فتح لي عيني على أشياء كثيرة، وهدم أوهام الذاكرة، وغير من فلسفتي في الحياة ، غير نظرتي للوطن والبلد، ومن يحكمونه.
عشت بالرباط، حيث الكل كان يحلم أن يحظى بفرصة العمل والعيش بالعاصمة. كانت علامات الفرح ترتسم على من علم أنني من الرباط. كنت أحظى بمعاملة خاصة، لم أكن أفهم معناها. كل ما عرفت هو أنني من العاصمة، وأهل العاصمة لهم مكانة خاصة. كل هذا لم يسعدني لأننا في الأصل يجب أن نكون سواسية، فالانتماء بالنهاية يكون للوطن وليس للمدينة ولا القبيلة ولا الجاه والعائلة.
شعرت بالذنب، وإن لم يكن لي ذنب في كل هذا، لماذا لم يهتم المسؤولون عن الريف كما يهتمون بالرباط والبيضاء ومراكش وطنجة أو غيرها من المدن الامبريالية ؟ وإن كانت الهشاشة والتهميش يطالان بسطاء وعمال هذه المدون عينها. شعرت بالذنب لأنه كان بالإمكان اقتسام كل هذا الاهتمام بالتساوي مع باقي جهات المملكة.
شعرت بالذنب لأن سكان الرباط لم يتكبدوا عناء السفر من أجل علاج أو كشف، لم يتذوقوا تعب وشقاء الطريق من أجل الذهاب للجامعة أو اكمال دراساتهم العليا بإحدى المدن التي تبعد عن مكان اقامتهم. كل هذه الاسقاطات جعلتني أشعر بآلامهم، وحزنهم الذي طوق قلبي.
لم أكن أعلم أن جزاء مواطني بالريف، و بعد الالم الغائر والحزن الحالك، المقيم في القلب والذاكرة منذ سنين الطوال هو الاعتقال والتعنيف والتنكيل بالكرامة والشموخ، ولم أكن أعرف أننا بلا حيلة أو قوة، ونحن ننتظر مسلوبي الإرادة أخبار السجناء من وراء القضبان.
الحراك حراكي، قلباً وخاصرة، عشقاً وذاكرة، الحراك حرك في كل شيء، كما حرك الموت والخوف القابعين في دواخل الكثيرين في بلدي، لكنه حتماً لم يحرك شيئا في ضمائر ميتة تسببت في هذا النزيف. وماتزال على موائده تقتات. هذا الحراك لي ، حرك الصغار والكبار، النساء والرجال ولم يحرك شيئاً في المستبدين الطغاة الذين يعيشون على الام الشرفاء.
لكن حتماً حرك الشعور بالوطنية والانتماء، وحتماً سيفتت صخرة الاستبداد كما تفتت مياه البحار صخور الشواطئ. الحراك لي، والحراك لنا جميعا، ذاكرة لهذا الوطن.

الوسوم