أقلام حرة

خميس بوتكمنت حول مبادرات الوساطة لحل ملف حراك الريف.

خميس بوتكمنت

منذ بدء حملة تطهير الميدان الريفي عبر تحريك آلة الردع المادي للاجهزة الامنية و اعتقال نشطاء الحراك الشعبي، بدأت تظهر بين الفينة و الاخرى خرجات تسوق لمجهود مبذول للتوسط بين المعنيين المباشرين في الملف و تقريب زوايا و وجهات نظرهم، المعتقلين و عائلاتهم من جهة و النظام السياسي او جهات بمثابة تمثيليات تمثله بشكل غير مباشر.
لكن الملاحظ أن من تزعم هذه المبادرات على اختلافهم و تعددهم يركزون دوما على وجهات نظر المعتقلين كأنها العائق او العامل المؤجل لانفراج الأزمة و بذلك يتماهون مع رؤية السلطة الرسمية التي عبر عنها بالاساس مصطفى الرميد باعتباره مسؤولا حكوميا التي اختزل فيها الحل و ربطه بضرورة تقديم المعتقلين للنقد الذاتي وهو نفس ما سوقت له السلطة و عملت به في الحالة المعروفة بالسلفيين الجهاديين بعد احداث الدار البيضاء ل2003، و هذا طرح غير متماسك و مفارق لواقع الحالتين، فالاولى/السلفية الجهادية مرتبطة بإشكالية التطرف الذي أولد فعلا جرميا متمثل في تنفيذ التفجيرات و العمليات الارهابية، بينما في حالة حراك الريف فالامر مرتبط بمساءلة السياسات العمومية و يطرح إشكالية العدالة الاجتماعية و المجالية و الحق المكفول بقوة القانون و الوثيقة الدستورية.
لذلك انتهت المبادرات بالفشل باعتبارها بدون فعالية ما دامت غير مرتكزة على من في يده الحل و هو الدولة و تفادت التركيز على ضرورة وجود ارادة سياسية لدى الدولة لحل الملف، و حاولت التوجه الى الحلقة الاضعف و الضحية، لذلك يمكن اعتبار شكل الوساطات السابقة مجرد بروبكندا للتداول و التسويق الإعلامي لا غير. إذ ان اي مبادرة حقيقية يجب ان تقودها الدولة بشكل مباشر دون الحاجة للوسطاء، فالوساطات غالبا تكون في حالة عدم وجود أية إمكانية للتواصل المباشر بين الطرفين المعنيين بملف ما،و هو أمر غير قائم في حالة معتقلي حراك الريف إذ منذ البداية يدعون الى الحوار و ليسوا من متبني الأحادية و الانعزال، ولا أظن ان مسؤولا زارهم في السجون فطردوه قبل الانصات له.
ثم إن محاولة تنصيب أطراف للافتاء دون اطلاعهم على الفكرة و تدارسها معهم يعتبر أخلاقيا مرفوضا لكون الأمر يتجاوز الطرف المعني و يغيبه رغم حضوره و إمكانية إسهامه في استخلاص رؤية لحل هم معنيين بهم بالدرجة و محوره.فالاطراف المعنية هم المعتقلين و عائلاتهم و الدولة الملزمة بايجاد صيغة لتقويم مفرزات القرارات الامنية و الاحكام القضائية.
لذلك فأي خطوة جادة تشترط أولا ضمانات بوجود ارادة حقيقية للدولة في طي الملف تصرح به اطراف تمثلها و ليس اطرافا محسوبة على عامة الشعب او تمثيليات نخبوية او حقوقية او سياسية لا تمتلك السلطة ولا قوة القرار التأثيري، و إن اي محاولة للتسويق لمبادرة ما دون الانطلاق من هذا المعطى لن يكون هدفه الا صنع حدث إعلامي او لهدف جس نبض المعتقلين و عائلاتهم و المهتمين بالقضية من الشارع لا غير، إذ لا يمكن تخيل نجاعة خطوة لحل ملف بثقل حراك الريف بعدم الفصل بين المتضرر (المعتقلين، عائلاتهم ، المنفيين) و علة الضرر (السلطة المخزنية)، ثم لا يمكن القفز على معطى ثاني مهم و هو ارتباط هذا الملف بتراكم تاريخي في علاقة الريف بالمركز، و بالتالي إلزامية الدولة في طرح تصور شامل و واضح يوضح فلسفتها لإنهاء سياسة الميز الممنهجة تجاه الريف و إعلان بدائل حقيقية قائمة على الميز الايجابي لدفع بعضا من مستحقات الدين التاريخي يضع في محوره النهوض بالبعد الاقتصادي و الاجتماعي و المجالي و الثقافي و حتى الذاكراتي، و هذا لن يتسنى الا بسن قرار سياسي مضاد و معاكس للقرارات التي أولدت الازمة.
أما دون ذلك فشطحات غرضها إطالة الأزمة و تمديدها عبر الزمن لاستنزاف الريف نفسيا و مجاليا بالتعامل مع المعتقلين كرهينة للضغط التفاوضي و ابتزاز الريف و تذكيره بسلطة القوة لدائرة الحكم.
ما دام المعتقلون يكررون في كل فرصة قابليتهم للانصات و التواصل فإن محاولة سلك مسار آخر غير التوجه لهم بشكل مباشر هو تكتيك للمناورة لا غير، و إن تماهي اي طرف مع هذا التكتيك و هو يعلم انه لا يمتلك لا القرار و لا السلطة التي تشترطهما اية عملية للحل هو للأسف اصطفاف في صف علة الازمة بدل الاصطفاف جنب المتضرر في المعادلة، ولو عن غير وعي.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock