أقلام حرة

خميس بوتكمنت يكتب : أين وصلنا ؟

خميس بوتكمنت

ان المتتبع لسيرورة الاحتجاج لحراك الريف قد يسجل طفرات و قفزات في مجموعة من المراحل بدءا من الاجماع على إدانة اغتيال الشهيد محسن فكري و عبره إدانة سلوك نزعة الموت كتكتيك و وسيلة ميكانيكية للسلطة المخزنية تعبر عبرها عن تأليه القرار المخزني و محاولة تمليك المخزن سلطة “سلب الحياة ” كأداة عقابية و ردعية ، و مرورا الى تحصيل الى إجماع ريفي على الزفزافي كرمز قيادي يستجمع كل تمثلات الطهارة و الوفاء و وصولا الى بدء الاستنزاف الذاتي للكتلة الريفية بعد بداية مسلسل الاعتقالات اي بعد اصطدام الكتلة الحراكية بجدار الآلة القمعية المخزنية فابتدأ النقاش يميل الى تفكيك مشروعية قضية الحراك الى مشروعيات هامشية كمشروعية السقوف و مشروعية الترافع و التدافع السياسي مقابل مشروعية الاحتجاج الميداني و ما الى ذلك من تعبيرات تعبر عن سلوك التدمير الذاتي و العجز عن الابقاء على المشترك و الاتفاق على الحدود الدنيا .
بعدها انتقل السلوك الريفي من سلوك الاستنزاف الى السلوك العدواني بنقل الصراع من عمودي ريفي/مخزني الى صراع افقي ريفي/ريفي، أي انتقلت الحالة الصدامية من بؤرة المخزن الى الدائرة الحراكية بتوظيف أدوات الانقسامية الكلاسيكية كالتمايز القبلي و تيكي العمالة و الخيانة و هذا ما افرز الانتقال بالحراك من كتلة الى معسكرات مبنية على التحالفات دون اخذ هذه المعسكرات بعين الاعتبار أنها تتماهى مع المخزن الذي تقول انها تعاديه خطابيا من حيث الهدف التقسيمي و تحصيل الانشطارية من خلال المشاركة في القتل الرمزي لرموز الحراك و قادته الميدانيين و ايضا عبر محاولة إلباس الريفي لباس الجناية و تصويره كمسؤول عن الوضع بدل المخزن .
بعد ايجاد صيغ تبريرية لكل العلل المشار اليها أعلاه و بعد النجاح في تفكيك التكتل الى دوائر مبنية على الايديولوجيا و التسييس التي يتم تغطيتها و التستر عنها اخفاؤها بتوظيف فكر الخطابي او الولاء للرموز الحراكية او وثيقته المطلبية او الشعور القومي الريفي، وصل حراك الريف الى باريس محملا بثقل كل هذه الترسبات فظهر الحراك محمولا على رماح اقطاب متعددة كأن موقعة “”صفين يعاد انتاجها فقط يجب على الريفيين أن يعلموا ان صفين انجمت تقوية فرقة المعتزلة بشكل اكبر و ليس فقط تحكيم عمرو بن العاص و ابو موسى الاشعري .
ان العلة المؤرقة التي يجب الوقوف عندها هي ضرورة الانتباه الى أن واقع اليوم هو نتاج سلوك جماعي يحمل نزعات التدمير الذاتي و إن اي محاولة لايجاد الحلول يجب ان تنطلق من هذا الاعتبار و ليس عبر محاولة نسب الوضع الحالي الى اصل امتلاك اشخاص لمفاتيح التحكم في الريفيات و الريفيون ، فالدفع قدما بالعجلة الحراكية يستوجب الحسم مع هذه الافراد التي يتم التسويق انها متحكمة في الفعل الجماعي الريفي .
في باريس يوم أمس ظهر سلوكنا الريفي عاريا، وقفت رمزية المعتقلين أمام محك عدم الاجماع من خلال عدم تبني شعارهم كرمز موحد في يوم اختاروه و حددوه و ارادوه يوم التفاف على خط الحد الادنى لكن للاسف تم اقحام الاجتهاد السياسي و الخيارات الغير القابلة للتوحد من الاطياف المكونة لفسيفساء الكتلة الريفية و هذا يلام عليه المؤمنون بخيار تقرير المصير ثم بالمقابل ظهرت وجوه لها ارث يختزل مدلول و معنى الازمة بصراعاتهم الدونكيشوطية و هذا أساء لشعار المعتقلين الذي اختاروه ليوم 26 ، و عليه فيوم امس في اعتقادي هو بداية فرز و غربلة لما هو قادم و الاكيد انه يستلزم شجاعة الكل لقول ان رمزية المعتقلين لا يجب ان تكون وسيلة لشرعنة مهازل اللايفات المحشوة بالقذف و الشتم و كل تعبيرات الانحطاط القيمي و لا يجب ان تكون رمزية المعتقلين و تكون عشرين سنة محكومية الابرياء وسيلة لمكيجة وجه من له ارث عشرين سنة من التخلويض في المطبخ الريفي و بالمقابل ان يكون مفهوم تقرير المصير الكوني و الشعور القومي الريفي وسيلة لضرب المعتقلين و خطهم المعبر عن المتوافق عليه .
هذا كله يحتاج لكثير من الواقعية و الصدق و قوة فهم أن محاولة توجيه الكتلة و خندقتها في دائرة الخيارات السياسية سيكون حاصله هو تقوية سلوك المخزن نفسه القائم على الاحادية بدل التعددية .
على هؤلاء الذين يتوهمون التفوق و التميز بكونهم نوابغ و كبار الريف كلهم ان يرحلوا او يتحلوا بالشجاعة اللازمة لاعلان ان عملهم الاختزالي التفكيكي يتنافى مع الحراك و على الجماهير ان لا تسمح لاي كان ان يكون في واجهتها قسرا و كل من يحاول البحث عن ضوء و البداية لن تكون الا عبر مقاطعة كل اشكال الانقسامية و كل من يسوق لميزة التفاضل و لفهامة فعندما يتفرتك الجمع أكيد ان كل هؤلاء يوم تعود الكتلة لبيتها بشكل نهائي سيعودون الى حيث كانوا قبل ان يهتف ناصر الزفزافي في وجه عامل الحسيمة و وكيل محكمتها ليلة 28 ” بلاتي بلاتي ا الاوستاذ واحد الدقيقة ” .
في باريس ابان الريفيون عن قابلية التفكيك و قابلية نقل الصراع من صراع مع منظومة سلطة الى صراع حول يقينيات فردانية و هذه مؤشرات مريحية لمسيو المخزن و هدية له ان يتحول الريفي من ضاغط عليه الى ضاغط على اخيه .
كبوح جميل أجمل ما اقدره هو “فريق عمل سخاروف ” الذين ادركوا معنى الفصل بين ما يجب ان يصرف خطابيا و ما بين ما يحتاج لمأسسة و ترافع مؤسساتي .

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock