أقلام حرة

خميس بوتكمنت يكتب ” كي دار مولاي محند وحد الريفيين “

خميس بوتكمنت

كثيرا ما يتكرر السؤال ” مامش يكا مولاي محند يسمون ايريفين ؟” او ” كيدار مولاي محند وحد الريفيين ” ، هذا السؤال ماهيته شجب حالة التفكك و تطلع للوحدة و الانسجام تعبير عن إرادة التكتل و التجميع ، لكن يظل السؤال و هذا ما يهمني غير موفق في طرحه و يعبر عن ازمتنا إذ ان الوحدة هي نتاج عمل جماعي بينما السؤال يحاول شخصنتها و حصرها في فردانية كأننا ننتظر المنقد الموحِّد المفرد بدل العمل بشكل جماعي لتحصيل الوحدة و ثمونت او كأن الاخر الغائب القادر على التوحيد هو علة وضعنا بدل الاقرار انها تعنينا بشكل جماعي ، شخصنة الوحدة و تفريدها هو طرح غير موفق لاسباب كثيرة أهمها أن اتحاد الريفيين في مرحلة العشرينات كان حافزه انتصار حربي على الارض الذي افرز الخطابي زعيما و ممثلا للوحدة اي ان رمزية الخطابي المعبرة عن تمثيلية الريفيين كجماعة هي عمل الريفيين و عمل الكل و ليس العكس أي ليس نتيجة لاجتهاد لشخصية محمد عبد الكريم ، بل الأكثر من ذلك فحتى الانتقال من “محمد بن عبد الكريم “كتمثل شخصي و فرداني الى “مولاي موحند ” او سّي محند هو نتيجة و صناعة للريفيين و ليس صناعة خطابية في شخص محمد بن عبد الكريم ، فهم من نصبوه قائدا و ليس العكس و جاء التنصيب بتوافق و ليس بترشيح تنافسي ، بمعنى أن الريفيين من صنعوا وحدتهم و ما الخطابي الا تعبيرا عنها و نتاجا لها ، و هذه النتيجة لم تأتي من فراغ بل جاءت كعمل مظني سابق كان مبتغاه إحقاق الوحدة أبرز محطاته هي استثمار ثقل القبيلة و تحويل دورها الى ورقة قوة في عامل الجمع و التوحيد بالانتقال بها من مركزة القبيلة التي كانت تطغى على بنية كل القبيلة ككتلة مستقلة الى جعلها ملحقا ترابطيا فتم إحقاق نظام اقرب للنظام الفيدرالي بتوحيد القبائل و جعلها مكملة لبعضها و القطع مع حالة استقلالية كيان كل قبيلة المعبر عز النظرية التجزيئية ، تحقيق هذا المبتغى تم بإعادة الغرامات كشكل من اشكال إعمال القانون للقطع مع مبدأ الثأر و انهاء تفشي السطو و الاستيلاء باستعراض القوة اي تم استثمار ما كان يكرَّس للتصارع بين القبائل الى عكسه فتم التوافق على تسييد الأمن عبر تحويل نفس القوة التي كانت وظيفتها حسم مناصرة القبيلة لتقوم بالانصهار في تكتل قوى اتحاد القبائل كمثال على ذلك مثلا جعل التجنيد القبلي مهمته صد هجومات اسبانيا و ليس الهجوم على القبائل الاخرى (كل قبيلة كانت تجند عددا من الناس مهمتهم الهجوم على قبيلة غارت على قبيلتهم مثلا ايت توزين كان لها 8000 و ايت بويحيي 6000 مجند دائم ) اي تم توجيه هذه القوى التي كانت من اجل التطاحن البيني موجهة لخصم جديد بشكل جماعي و هذه الفكرة تم تطويرها في القانون العسكري في دولة الريف فيما بعد ، و بعدها تم الانتقال الى تقوية شعور الريفيين كجماعة بالسلم للقطع مع هاجس الاستهداف و التوجس الذي كانوا يعيشونه فتم إلغاء “ثاخانت ” او ” اخام ن رعسث ” و هي غرفة كانت تبنى فوق الباب الخارجي يراقب عبرها صاحب البيت بيته كنشاط للحراسة ، هدم الغرفة أشعر كل ريفي انه لم يبقى مستهدفا من طرف أخيه الريفي ، و بعد هذه المرحلة تم الانتقال الى تعاقد جديد يعبر عن الاحساس الجماعي للريفيين بالامن الداخلي و هو اعارة اسلحة القبائل لبعضها عندما تكون مستهدفة من قوات المستعمر التي كانت مرابطة على السواحل و اشرطة محددة منتظرة لحظة الزحف الميداني ، و هنا تم الانتقال من التخلص من عائق استعراض القوة فصار السلاح الذي كان موجها للصراع بين الريفيين موجها بشكل موحد ضد العدو الجديد وحده .
هذه النتائج لم تتأتى بالصدفة بل بعد خلق السوق آلية للتواصل و التأطير و مكانا بنفس مميزات الصالونات الثقافية ، يعرف الخوض في جميع المستجدات و يتم فيه إعلان المواثيق و القرارات المتفق عليها عبر ” أبارح ” ، و للحفاظ على وظيفة السوق كأداة للتأطير و النقاش تم تحصينه من اشكال الصراع و الاقتتال و جعله مكانا للسلم و صنع القرار خالي من شحنات القوة و الصدامية عبر سن قوانين عرفية تقوي سلميته ابرزها جعل سن 1000 فرنك على من يشهر بندقيته في السوق في وجه عدو عائلي و 500 لمن ثبت تربصه بأي كان في احدى الطرق المؤدية للسوق (البقرة كان ثمنها 150 فرنك ، و البندقية الاسبانية ثمنها 75 ، هذا فقط لتبيين ان 1000 هو رقم باهض انذاك ) .
من خلال هذا يتضح أن اجدادنا الذي حققوا وحدة الريف استطاعوا تشخيص حالتهم المجتمعية بطريقة جد متقدمة ، و كانوا سوسيولوجيين بلغة عصرنا ، إذ استطاعوا تشريح حالتهم الجماعية و تحويل نقاط ضعفهم الى نقط قوة عبر تشخيص ذاتهم الجماعية و تغييرها بشكل رهيب ليتحولوا من أعداء الذات عبر مطب الاستنزاف الى حماة لقوتها و فاعلين في تغليب روح الجماعة على الأنا السلبية ، عكسنا نحن الذين نتغاضى عن تشخيص ذاتنا و نريد ان نحقق ما يستوجب تغيير نمط تفكيرنا اولا بالفعل و التعبير الملموس فنهرب الى التنظير الذي لن يغير ابدا اعطابنا السلوكية في الواقع ما لم نكن جريئين في تشخيص حالتنا النفسية و جرد امراضنا و مكامن الخلل فينا للقطع معها ان فعلا اردنا تحقيق الوحدة التي هي هدفنا الذي يبقى الان هدفا نظريا لا نريد تفعليه عبر تغيير نمط التفكير و الرجوع للذات الريفية كعامل موحِّد بدل الهروب للامام من خلال تحاشي تشخيصها او تعريفها او على الاقل الاجابة على سؤال ؛ ماذا نقصد ب ” نحن الريفيون ” ؟ و ما معنى الريف و اي ريف نريد ؟؟ بعد الاجابة على هذه الاسئلة ستكون الصورة واضحة و سنعرف العراقيل التي تقف في وجههنا و سنعرف ايضا الادوات التي يتم تسخيرها و تحريكها للحيلولة دون احقاق هدف المصالحة مع ذاتنا الريفية و ان نكون ريفيين بحق .
فالوحدة مسألة سلوكية قبل ان تكون نظرية

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock