معتقل

د.سعيد السالمي كفّارة سليمان..

إذا وضعت الاعتقالات التي طالت الصحفيين المغاربة في ميزان الخدع المخزنية فإن اعتقال سليمان الريسوني هو أكثرها وضوحاً من حيث الرغبة في الانتقام بعيداً عن لُعب المخزن التي يفرشها واحدة واحدة فوق حقيقة التعسف، ويلونها بالقواميس الجنائية والجنحية، وحال لسانه يقول بكل وقاحة وهو يرفع إلى السماء يديه الملطختين بدماء المغاربة: برق ما تقشع..

هذا الاعتقال هو الاكثر بلادة أولا لأنه كان منتظرا في ظل هذا الجو المشحون باعتقالات الصحفيين والنشطاء السياسيين والاجتماعيين، أو ما يحلو للبعض أن يسميها بالتراجعات، وهو وصف غير ذي موضوع لأننا لم نحقق أبداً أي تقدم إلى الامام، بل إننا نسير بكل وثوق من من السيء إلى الاسوأ..

ثانيا، لأن كل الذين يقرؤون أخبار اليوم، ومقالات سليمان الريسوني، خصوصا قبل اعتقال ابنة اخيه هاجر الريسوني، لطالما قالوا بأن التهمة الحقيقية في أي اعتقال سيطال سليمان هي هذه المقالات، بل وإن منهم من كان يستشرف التهمة التي من المحتمل أن تلفق له، غير أن أكثر المتشائمين تشاؤما لم يتوقعوا أن تكون بهذا السيناريو الغبي..

ثالثا، هذا السيناريو الغبي هو نفسه الذي انتقم به المخزن من توفيق بوعشرين في قضية “الاتجار بالبشر”، وكأن هناك من همس في أذن العقول المدبرة للمخزن أن يلجؤوا إلى هذا الخيار لضرب الحقوقي بالحقوقي، بعد خطط الخنق الاقتصادي والغرامات السريالية، ولكن هذه “العقول” استأنست بهذه الوصفة الماكرة، وصارت “تزيد في العلم” حتى أفرغتها من “مكرها” وصارت أضحوكة أمام الناس..

رابعا، لأن كل يوم إضافي يقضيه سليمان في السجن، هو تضخيم إضافي لما جاء في التدوينة التي كان قد نشرها، وهدد فيها بالكشف عن الحياة الجنسية لمسؤول كبير، ورغم أنه لم يحدد اسمه فإن المقصود معروف، وبغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع جاء في هذا الكلام، من حيث الذوق أو الاسلوب أو الحدة أو غيرها، فإن لا شيء فيه يستدعي الاعتقال، بل إن الاستمرار في اعتقال سليمان ترويج مجاني له سيكلف الملكية غاليا في “حس مشترك” نعرف جميعا تمثُّله للجانب الجنسي بكل أنواعه..

الجميع يعرف أن القصر يريد مرة أخرى أن يقول للصحفيين بهذا الانتقام بأن الخيار الوحيد لممارسة المهنة هو الركوع، والمديح، وغض الطرف، وشهادة الزور، وما يتعفف الانسان عن قوله..

الجميع يعلم أن المخزن بهذا الإنتقام يريد أن يقوي صفوف الانتهازيين من الصحفيين بتقديم الجادين المستقلين كانتحاريين في بيئة يستحيل فيها أن تمارس المهنة باستقلالية إلا إذا كنت مجنوناً..

الجميع يعلم أن المخزن في حاجة لهذا كله إلى من يذبحه، مثلما ذبح المهدوي في محاكمة استعراضية، على بعد شهر من اطلاق سراحه، لكي يستمر الترهيب والرعب في فضاء الحقل الصحفي والويل لمن سمح لنفسه بالتغريد خارج السرب..

الجميع يعلم أن المخزن استغل فترة الحجر الصحي التي فرضت فيها حالة الطوارىء في البلاد، ولكنه نسي أنه داس فوق التعبئة الجماعية الوطنية التي لم يسبق لها نظير في المغرب المعاصر، وعوض أن تكون أساسا لمغرب أفضل فإن المخزب أبى مرة أخرى إلا أن يقول لنا إنه يرضخ في ساعات الازمات وأنه طبعه السلطوي يغلب تطبعه الانتهازي..

هذا كله معروف، ولكن السيناريو بليد، والمخزن أخطأ التصويب، وهذا سيكلفه غاليا، على المستوى السياسي، الداخلي والخارجي، والأيام بيننا…

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock