دراسات وأبحاث

ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة في -مثلث الموت- الريفي

محمد القجيري

يصادف هذا اليوم الثاني من شهر أكتوبر، أهم الملاحم البطولية والكفاحية في نضال شعبنا الريفي؛ إنها الذكرى الرابعة وستون انطلاق الرصاصة الأولى في جنوب الريف ما بعد نكسة 1927، إيذانا بتجديد مرحلة الكفاح الثوري المسلح. كانت ثمة حركة ريفية ثورية تحررية لها مشروع تحديث سياسي واجتماعي، وحّدت بين فئاته المختلفة حول هدف واحد ووحيد هو الوصول إلى طرد الاستعمار وتحقيق الاستقلال. وكانت ولادة هذه الحركة الثورية المسلحة للريف ممثلا في جيش التحرير الريفي بعد مرور ثمان وعشرين سنة بالتمام والكمال على نهاية حرب الريف، ليعيد استكمال طريق الثورة المسلحة من أجل تحقيق الاستقلال والإقرار بحقوق الشعب الريفي المشروعة، ووقف هذا الغزو الفرنسي-المخزني الذي كان يعيث في الأرض والبلاد والعباد فسادا وجورا وإرهابا وطغيانا.
واليوم بعد مرور ثمانية وخمسون عاماً على ثورة 02 أكتوبر من العام 1955، يقف الشعب الريفي على إحدى أبرز محطاته التاريخية، ليسترجع تفاصيل الأحداث ويُعيد إلى الأذهان شريط الكفاح المسلح وجسامة التضحيات التي قدمها الريفيون في سبيل الحرية والاستقلال، في ملحمة أكتوبر العظيمة المرسومة بخطة جرى الإعداد لها بدقة متناهية وبجاهزية قتالية عالية من قبل الثوار في جنوب الريف، معلنة ثورة شعبية تحررية من أجل نشدان الاستقلال التي انطلقت شرارتها في صبيحة اليوم الثاني من شهر أكتوبر على الساعة الواحدة صباحا، والتي دخلت قاموس الثورات الحربية في القرن العشرين باعتبارها أقوى الثورات التحررية التي شهدها العالم المعاصر، ويعود الفضل في ذلك إلى “خطة حرب التحرير” التي ألهمها وهندس معالمها التنظيمية والعلمية والعملية، الرئيس المنفي محمد بن عبد الكريم الخطابي. فالأمر يتعلق بخطة حرب العصابات وبتفجير الصراع والثورة المسلحة في الوقت بالذات، في عدد من بلدان الشمال إفريقي عن طريق معارك ذات أهداف استراتيجية محددة في المكان والزمان بحيث يكون تأثيرها موجع للعدو، يوازيها تحريك الشعوب والجماهير والشخصيات المعادية للاضطهاد الاستعماري والإمبريالية نحو الثورة والإدانة الشاملة للوضع الاستعماري وتعبئتها للدفاع عن الاستقلال والجلاء والحرية والعداء للاحتلال بشكل عام. فكانت بداية الشرارة الأولى بمنطقة إكزناين في جنوب الريف، وبالضبط في مثلث الموت: أكنول- بورد –تيزي وسلي. وأولى القضايا التي يجب التنويه عليها في “خطة حرب التحرير” هو التنسيق المحكم بين الثورة الريفية وثورات البلدان المجاورة لها، حيثما تزامنت الشرارة الريفية مع ثورة القبايل ووهران وغيره من التخوم المحيطة والمشتعلة في اليوم الثاني من شهر أكتوبر عام 1955. ذاك يقينا هو التتويج لكل العمليات السرية والتحضيرات التي أفرزتها خطة القائد العظيم محمد بن عبد الكريم الخطابي لثورة أكتوبر المجيدة التي جاءت لرد الاعتبار لملايين الضحايا التي أزهقت أرواحهم بين بلدان شمال إفريقيا، ولرد الاعتبار كذلك، بالدرجة الأولى، للنكسة التي حلت بشعبنا الريفي وثورته التحررية التي أجهضت إثر المؤامرة الدولية التي حكيت له عن الفترة التي بدأ فيه التحالف الدولي الاستعماري المشكل بين اسبانيا، فرنسا والمغرب، بهجماته العدوانية على الجمهورية الريفية الديمقراطية الشعبية.
ولمّا كان جيش التحرير الريفي يحقق انتصاراته المتتالية منذ صبيحة 02 أكتوبر 1955 على الجيوش الفرنسية الاستعمارية التي كانت تعسكر في الجهة الجنوبية للجمهورية الريفية المحتلة، أدرك هذا الاستعمار الفرنسي مدى قوة وخطورة الجيش الوطني الريفي ومشروعه السياسي الكبير المناهض للتواجد الفرنسي والقصر المغربي في بلاد الريف باعتباره النقيض المطلق لسياسة الحماية الاستعمارية لدولة ليوطي الجديدة، ورأى في سلطان المخزن، محمد الخامس والزوايا المرتبطة به إلى أنهم يشكلون رقماً مهماً في المعادلة السياسية والإستراتيجية لمصالح فرنسا في مستعمراتها وعلى الأخص في الريف والمغرب أو مراكش سابقا، وكذلك في التخلص من جيش التحرير الريفي الذي كان له مشروع تحرري للريف ولباقي بلدان شمال أفريقيا. لقد كان مناهضا لكل أشكال الاستعباد والاستعمار على الشعوب المضطهدة المعادية للتدخل الأجنبي مهما كان مصدرها. وفي هذا الصدد، لا يمكننا أن نستثني الاستعمار الجديد (كما كان يسمى في الريف) والممثل في الاستعمار المخزني-الحزبي الذي كان يحاول السيطرة على مقاليد الحكم في الريف تحت نظام الحماية الاستعمارية، والذي كان له أعضاء جيش التحرير الريفي بالمرصاد فصدّوا مخططه، حيث وقفوا في وجه المخطط الفرنسي؛ في مواجهة تسلط الحكم العلوي المغربي على شعب الريف.
والحق كذلك أن الشعور بالقوة بأهمية تحرير بلاد الريف من نير الاستعمار بحدوده التاريخية بالنظر إلى قوة الانتماء الريفي لجيش التحرير وما يستدعيه من حديث عن الوحدة الريفية بعمقها الأمازيغي لهو مما يمكن التماسه في المشروع الجمهوري للريف الذي كان حاضراً إذاك في أذهان ثوار جيش التحرير الريفي خصوصا إذا علمنا أن جل رواد وأعضاء هذا الجيش الوطني الشعبي الريفي كانوا في غالبيتهم جنوداً وقادة في الجيش الوطني للجمهورية الريفية ورفاقاً لمؤسس هذه الدولة الأمازيغية، الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي. فقد ظلوا يستلهمون ثورتهم ومشروعهم السياسي من التنظيم العسكري والسياسي الذي كان عليه جيش الجمهورية الريفية، والذي لم يكن قد مرّ على تواجد هذا الجيش الجمهوري في ذات المنطقة الجنوبية للريف أكثر من ثلاثة عقود من الزمان لمّا كان يحارب الاستعمار الفرنسي والمغربي عندما اندلع النزاع المفتعل بصدد الحدود البرية بين الجمهورية الريفية ومنطقة الحماية الفرنسية في العام 1925، والمعروف بحرب الأشهر الثلاثة؛ في معارك طويلة، ابتداءا من شهر مارس 1925، الدائرة بين الجيش الوطني الريفي والجيش الفرنسي الاستعماري المدعم بالقوات المخزنية المغربية.
وأمام توالي هجمات الريفيين المحكمة على القوات الفرنسية المحتلة لجنوب الريف واشتد عليها الحصار الريفي في أواخر العام 1955، وبدأت هذه القوات الاستعمارية في الأفول والانهيار بين مستعمراتها وعلى الأخص في كل من جنوب بلاد الريف والجزائر أمام الانتصارات المتتالية التي كان يحققها جيشيْ التحرير في كل من الجزائر والريف، انتهجت فرنسا الاستعمارية سياسة جديدة في التعامل مع ثورة جيش التحرير، تمثلت بشكل خاص في تحريك بيادقها وكلابها الضالة والمفترسة في المغرب التي سخرتهم من أجل أن يحفظها من الزوال والاندثار في مستعمراتها، حيث مكنتهم من القيام بأوسع التصفيات الجسدية للمقاومين كما حصل مع اغتيال عباس لمساعدي، عريس شهداء جيش التحرير والتشهير بهم وتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيالات السياسية لرموز جيش التحرير الريفي التي كان يشرف عليها القصر المغربي وحزب الاستقلال الفاشي الشوفيني والميليشيات الارهابية المرتبطة بهم. وبالموازاة مع ذلك، كانت الصحافة المغربية في الوقت بالذات، تشن هجوماً شرساً على أعضاء وقادة جيش التحرير الريفي وتنعتهم بعدة أوصاف قدحية يراد بها تشويه صورة الأحرار الأمازيغ؛ أصحاب الحق والأرض كـ: “دجالون وخلاقوا المشاكل”، “الاستعماريين وقطاع الطريق”، “إرهابيين”… وغيرها من الأوصاف والنعوت القدحية التي دأب الحكم المغربي على الترويج لها بين عامة الناس. يحدث هذا، في الوقت الذي كانت فيه السلطات المغربية الاستعمارية تباشر عملياتها الاجرامية الارهابية وحملاتها المسعورة الممثلة في الاختطافات والإعدامات والاغتيالات والتصفيات الجسدية على نطاق واسع في حق أعضاء وقادة جيش التحرير الوطني الريفي. فكانت النهاية لجيش التحرير الريفي دامية على يد عصابات القوات المسلحة الملكية المغربية بتنسيق مع ميليشيات حزب الاستقلال والقوات الفرنسية.
فوفاءا لتضحيات الريفيين ودماء الشهداء وكل الجمهوريين الريفيين الأحرار الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الاستقلال والجلاء والتخلص من ربقة الاحتلال البغيض وعملائه وأعوانه، ونحن نعيش ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة، وإذ نستحضر كذلك، نضالات شعب الريف المشرفة الذي قدّم تضحيات جساماً ودماء غزيرة طاهرة روت في قمم وسفوح وجبال ووديان الريف الأحمر في سبيل نيل استقلاله والانعتاق من براثين الاحتلال والاستعمار، فإننا على نهج أجدادنا الجمهوريين سائرون حتى تحقيق حلم الاستقلال التام للريف من خط الحدود مع المغرب حتى البحر الأبيض المتوسط، ومن خط الحدود مع الجزائر حتى المحيط.

المجد والخلود لرائد ثورة أكتوبر المجيدة.
المجد لكافة شهداء الثورة الشعبية الريفية.
عاش الريف حراً مستقلا.
عاشت الجمهورية الريفية الديمقراطية الشعبية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق