معتقل

رسالة إبنة معتقل”زينب الحنودي”إلى والدها خلف القضبان

متابعة حراك الريف

إلى أبي الحبيب الغالي الأستاذ الحبيب الحنودي فخر النسب والإنتماء فخورة أنا بنفسي لأني ابنتك وأحمل إسمك.
والدي الغالي اليوم تحِلُّ ذكرى عيد ميلادي الحادي عشر،في ظروف صحية عالمية موبوءة.فرضت علي أن أذوق معك مرارة السجن المحبوس فيه.عيد ميلادٍ يُناهز عقدا وسنة من عمري سُرقت منه ثلاث سنوات ظلما،حُرمت فيها من حبك وعطفك واهتمامك ورعايتك،ومن شعور الطفلة المُدلَّلة المتعلقة بأبيها،حُرمت دلالك والأمان بقربك.يتيمة أنا وأبي حي يُرزق لم أتمتع بصُحبته في طفولتي،وها أنا الآن على أبواب المراهقة ولازلت على حالي محرومة منك.
سيبقى يوم عيد ميلادي الثامن يوما مميزا جدا في حياتي، يوم يُؤَرخ لحدث تاريخي في عائلتي الصغيرة.
كان اليوم الثالث من رمضان سنة 2017 الذي وافق 30 مايو. عيد ميلادي السنوي الذي سيحيا معي بذكرى اعتقالك ما دمت حية.
كانت أمي تُعِدُّ تحضيرات الحفلة مساءاً فجأة رنَّ الهاتف. هَرْوَلَتْ إليه مُعْتَقِدَةً أنك أنت المُتَّصِل إذْ به صوت امْرأة،وقفتُ أمامها أُبْصِرُ ملامح وجهها تتبدَّل والشحوب بانَ عليها وهي تُخَفضُّ نَبْرَة صوتها سألتها من ماما؟ أدارت وجهها وهي تُخفي الدمعات لاشيء إنها خالتك تسأل عن حَفْلتِك،لم تقنعني إجابتُها شَعَرْتُ أنها تخفي شيئا ما.
وأنا أحتفل بعيدي دونك أبي أثارني قلقُ وسرعة أمي في أخذ الصور لي وفي تقطيع الحلوى وكأنها خائفة ومترقبة لأمر ما،مَا زاد مِن شَكِّي أن شيئا ما حدث ولاتُريد أن تُفْصِح عنه.أنْهت الحفلة غيَّرْنا ملابسنا رَتَّبَتِ البيت،وأمَرتْنا أن نَلْزَمَ أَسِرَّتَنا وهي معنا تُحَدِّقُ إلى الباب وتُرَاقِبُ الهاتف.سألتها مرة أخرى ماذا هناك أمي؟ قالت لاشيء،ثم اسْتفسرتها لماذا تلبسين جلبابك إذاً؟ فهمست في أذني كي لايسمع إخوتي والدك أخذته الشرطة على ذمة الحراك،وقد يأتون إلينا لتفتيش البيت،نَبَض قلبي من شِدّة الفزَع شَعُرْتُ كأنه سيخرج من بين ضلوعي، صَمَتْ وعانقتها جيدا وانْكمشت في حضنها لِتدور الأسئلة الكثيرة في رأسي،حول مصيرك وماذا سيحدث لك؟ وهل سأراك مرة أخرى؟ وما معنى الحراك؟ فنِمْت دون أن أشعر متى أغمضت عيناي،والأسئلة بقيت تُطْرَح وأمي على حالها جالسةٌ مترقبة.
في اليوم الموالي أبي الحبيب حلَّ المساء اقتربت ساعةُ قدومك،عيناي تتأرجح بين الباب وعقارب الساعة وفي قلبي أُمْنية أن أسمع مِفْتاحك يفتح باب منزِلنا الدافئ دوما بعطفك وحبك ورعايتك..
انتظرت وانتظرت وانتظرت لكنك لم تأتي ولم تفتح الباب شعرت بخيبة أملٍ تسللت إلى روحي. حينها علمت أن قصة ما ستبدأ في حياتي،ذهبنا نحن الثلاثةَ نسأل والدتنا عنك لماذا لم تعد حتى الآن؟لأنك تأخرت كثيرا فأخبرتنا الحقيقة مع شرح طفولي نستطيع استيعابه، مُنْهِيةً كلامها أنك لن تعود ستظل معهم لفترة ما وبعدها تعود إلينا.مَرّ الشهر كاملا ونحن ننتظر أن تنتهي الفترة،لكنها لم تنتهي وأنت لم تعُد واستمرت الفترة ليستمر معها الانتظار،ويبقى واقفا على باب منزلنا يُذَكِّي فيَّ حرارة الشوق إليك ويوقظَ ذكرياتي معك.
اشتقت إليك أبي الحبيب إشتقت لحنانك والأمان الذي يَعُمُّ البيت بوجودك،اشتقت لمدحك وثناءك لِنَصائحك وغضبك وحتى لِنَهْرِك! إشتقت لدخولك علينا كل مساءٍ تحمل لنا كل ما رأت عيناك،وأنت مغمور بالفرح والسعادة لأننا نحوم حولك تعطينا ما أتَيْتَ لنا به،وتُشجعني أن أتذوق كل جديد اشتريته لنا،إشتقت أن تحملني بسيارتك إلى المدرسة،اشتقت أن أخرج وأجدك عند بابها تنتظرني لتعيدني للبيت،اشتقت للعيد معك وللنُّزْهات والسفر اشتقت أن أعوم في البحر وأنا على ظهرك تعلمني العوم.ذكرياتي معك لاتنتهي أبي الحبيب إِستحضارها والتفكير بها يشعرني بقسوة غيابك وبفراغ كبير في حياتي من دونك.حياتي التي دخلتها قصةٌ جديدةٌ لم تكن في الحسبان.
أبي الحبيب لن أنسى أول زيارة لي إليك بالسجن. في تلك الليلة رَكِبْنا حافلة تَعُجُّ بعائلات المعتقلين، أصواتهم تتعالى بشعارات تطالب بإطلاق سراحكم،كنت أتصفح وجوههم ولاأفهم لماذا يرفعون تلك الشعارات؟أنظر لأمي الحاضنة لأخي الصغير تُرَدِّدُ معهم تلك الشعارات وأنا مستغربةٌ لا أفهم ولاأستوعب مايحدث بالضبط.
انطلقت الحافلة.بعد برهة صمت الجميع ليسرح بي خيالي إليك أتساءل كيف هو السجن؟وكيف أنت بداخله؟ كيف حالك وأنت بعيد عنا؟كيف سأراك غدا؟طيلة الطريق أتساءل مع نفسي لتبقى أسئلتي معلقةٌ دون إجابات.
لن أنسى أبي الحبيب صباح تلك الزيارةِ كنت في قاعة الانتظار تنتظر دخولنا. ما إن رأيناك حتى تسابقنا إليك مسرعين، لتحضُننا جميعا وتعانقنا بحرارة شديدة،لازلت أستشعرها إلى الآن وأسْتَأْنِس بِدفئِها،ولن أنسى أيضا عندما انتهت مدة الزيارة،فخرجنا جميعُنا نبكي لأنك لم تعد معنا،ولم أقوى على فراقك الذي أحدث غصَّة في قلبي من الألم. زيارة بَصَمَتْ في ذاكرتي صورة حزينةً جدا،أتذكرها كل ليلة فأبكي بصَمْت كي لاتسمعني أمي، أبكي بدموع ممزوجة بالألم والحزن عليك لأن مكانك ليس في السجن بل معنا هنا،وأقول لنفسي لماذا قست علي الدنيا؟لماذا حُرِمْتُ منك أبي الحبيب؟.
مرَّ عام كامل لتحاكم بخمس سنوات،فتوالت الزيارات إليك لأعتاد عليها رغما عني،عندها علمت أن فراقك كان قهريا وسيطول أمده،وعليَّ أَنْ أتَحَمَّل فهو من أجلي ومن أجل مستقبلٍ أفضلَ للأجيال الصَّاعدة مثلي، فتعلمت منك الصبر والتحمل،ومن أمي الصمود فهي التي دوما تذكرنا بحديثها عن بطولتك وشجاعتك وتذكرنا بمواقفك الباسلة،دائما تزرع فينا الشعور بالفخر بصَنيعك،وتقول لنا أن التاريخ قليلا ما يجود برجال مِثلَك ويجب علينا أن نعتز ونفتخر بك كثيرا.
نعم أبي الحبيب أدْرَكْتُ وأيقنت بعدها أنك الحرُّ العظيم،وما أعظم الأحرار الذين لايَحْنون الجباه،ولايرضَوْن بالدَّنِيَّة!!أنت من ترفع شعار الأحرار في هذا الوطن بكل عِزَّة وكرامة وشرف.
أبي الحبيب لا أجد مايناسب من كلمات لتوَفِّي حديثي عنك. عن رجل خَبِر من الحياة الكثير،الرجل الصلب المخلص عجَّل الله سراحك وجميعَ رفاقك.
أبي الحبيب هذه رسالة حبٍّ صغيرة وحَنينٍ وُلدَ فيَّ دون تفكير،أردت أن أوصلها إليك مُحرَّرَةً ببساطةٍ عميقةٍ كما بداخلي الذي يُكِنُّ لك كل جميل.رسالةٌ قد تقرأها وأنت هناك أُرْسِل لك معها أسمى التقدير والاعتزاز،وكلُّ مايمكن لإبنةٍ أن تقدمه لأبيها،فلو كان لِلْحب وساما فأنت بالوسام جدير يا أعز إنسان على قلبي.
أعيدها ألف مرة وسأبقى أعيدها حتى تعود إلينا أحبك و أشتاق إليك كثيرا،وحتى يَحِين ذلك الموعد أعدك أن أكون الإبنةَ التي تتمنى وسأبقى،وإنْ جرحتني الحياة سأَصبر وسأقاوم فذلك مَورُوث منك يا أعظم رجل.
أبي الحبيب لازلت أحتفظ برسالَتِك لي من داخل أسوار السجن بعكاشة،فعندما أريد التحدث إليك أقرأها،وعندما أريد أن أقبِّلَك أُقبل الرسالة،وعندما أشتاق لحضنك أحضنها وأقول لك أني أيضا فخورة جدا بك،وأحب نفسي لأني ابنتك.
أحبك حبا عظيما يا رجلا عظيما حباني الله إياه.
*وهذا مقتطف من رسالتك أبي لي من السجن.
“سلامٌ عليك لما وُلِدت وسلام عليك في رحلة حياتك أنت أول أطفالي الثلاثة لازلت أتذكر حركات يديك ورجليك عندما كنت تشعرين بالراحة والفرح،لم تكوني كثيرةُ البكاء رغم صغر سنك،لازلت أتذكر كذلك عينيك الحادَّتين وهما تتابعان اهتزاز اللُّعب المعلقة قبالة رأسك المسنود بوسادة ناعمة داخل سرير مهدك…لما كبرت أدركت بسرعة أني أنجبت إبنة ذكية إسمها زينب الحنودي”.
وفقك الله يازينب يا ابنتي وجعل خطاك مباركة أنا فخور بك وتذكري دائما بأني أحبك حبا عظيما.
والدك الحبيب الحنودي

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock