أقلام حرةالريف بعيون الريفيين

رشيد أفقير الى أين يتجه حراك الريف ؟

رشيد أفقير

المشهد الحراكي في أوروبا
الأحد 27 دجنبر 2020

*عنوان لندوة رقمية شاركت فيها و نظمت من طرف “تجمع الريفيين في بلجيكا”

الفيديو

كتذكير بالخشيبات ببعض الخطوط العريضة ، القول بقابلية منظومة المخزن، بنزعتها العدوانية للحق والحرية والإنسانية، وأحقادها المتراكمة حيال الريف، لتغيير أسس حكمها، أو بتشكيلتها الحالية او المستقبلية، قد تأتي بخير وتساهم في انتقال، وبزوغ مرحلة جديدة وريف الرفاهية، وأنها تضمر إرادة جدية لتحقيق الصالح العام هو، بالنسبة لي من المغالطات النموذجية المتداولة، وبمثابة عقيدة باطلة، وخدعة لصرف الناس عن المسالة الجوهرية. هذا الاستنتاج وهذا الموقف مبنيان على مقاربة بسيطة، واقعية، وعملية. الأوضاع الإجمالية في الريف مريرة تتدهور وتزداد سوءا يوماً بعد يوم، “واصلة حتى العظام”. حقائق تقرها ملكة العقل السليم، وصورة واضحة يجمع عليها جزء كبير من المجتمع، منهم النشطاء والنخبة والمثقفون… وتفيد به التقارير الحديثة المتواترة للإعلام الجدي، وبلاغات المنظمات الحقوقية الموثوق بها، كما تؤكده الممارسة السياسية التي نحن بصددها.
مند عقود، شهد الريف تغيرات جذرية، مكثفة ومتسارعة هامة، سياسية واقتصادية واجتماعية، وثقافية. تغيرات لها تداعيات كبرى و مخاطر حقيقية تهددالكينونة الريفية الفكرية والحضارية. تغيرات تقودها وتتحكم فيها الدوائر العليا للدولة الرسمية والغير رسمية، أضف الى ذالك انها خارجة عن سيطرة الأهالي والقوى والمنظمات المدنية المحلية، وبعيدة عن تطلعاتهم ويرفضونها بالمرة.
قد يبدو هذا الموقف كأنه تشاءم أو تفكير سلبي، إلا انه على العكس من ذالك في الأساس. أعتبرها كمساهمة لتحريك المياه الراكدة ومعالجة نقدية تحذيتيه للأنماط والمسلمات والبنى التحتية الفكرية، وما ترسخه الأوساط المعادية في عقول البسطاء. كمنهج لتحرير وتنمية الذات وتعزيز الفكر النقدي، اعتمده شخصيا، أحبذ تسليط الأنظار الإيجابية حيال الموارد البشرية الذاتية، ذات مأهلات لا بأس بها وكذا البنية التحتية و”المؤسسات” والأطر القانونية والسياسية المتوفرة، والقوى الحية الصامدة والمرابطة في الميدان، التي تساهم هنا وهناك من اجل بعث دينامية جديدة في الأوساط الريفية العريضة، وهذا هوما يبعث على التفاؤل والأمل، وما اطمئن اليه عموما، وأراهن عليه
فيما يلي، سرد لبعض النقاط الأساسية التي اراها مهمة في هذا السعي:
—–
· السؤال أعلاه، سؤال وجيه، لا يمكن حله بدون مقاربة شمولية للمصطلحات الواردة في السؤال ذاته، ومعالجة سياقات أخرى: ماهية الحراك، وضعية المعتقلين السياسيين، وضعية الريف النفسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، الاطراف والفاعلون في الحراك، الأقطاب الإيديولوجية المتصارعة حوله، الفاعلين والمؤثرين، “الجماهير الشعبية” ثم الثقافة التنظيمية والطاقة التعوبية
· في رأيي، ثمة مسألة مهمة وجب لفت الإنتباه إليها، غياب كلمة “الدعم” في صياغة السؤال. كأبناء الريف المهجرين هنا في أوروبا، يتعين علينا ان نشير الى معطى اساسي وهو أننا داعمين للحراك وان كنا مساهمين فيه فإنها عملية ثانوية، تتم من خارج الميدان وخارج الريف. المشهد الحراكي في أوروبا ملازم ومرتبط بميدان الاصل، الريف،و إقليم الحسيمة قلب النابض للحراك، وبؤرة الحدث، والفعل الاحتجاجي
سمات خاصة ومميزات المشهد الحراكي في اوروبا
المشهد الحراكي في اوروبا يشبه ذاك الذي يخيّم على الريف الأم
· هدوء نسبي في الآونة الاخيرة، بعد الحماس السياسي والموجات الحراكية التي دامت ل 3 سنوات، تراجع وتباطؤ وتيرة الأنشطة ان لم اقل اختفىائها من الوجود المادي والتنظيمي، ويعود ذالك لأسباب موضوعية وذاتية: الوضعية الوبائية (جائحة كوفيد19)، العياء، الالتزامات الشخصية والمهنية والعائلية، والظروف الحياتية (النضال عمل تطوعي)
· المسألة، مسالة طبيعية، حراك الريف جاء في سياق زمني ومكاني كباقي أقرانها من الحراكات الاجتماعية والمظاهرات الاحتجاجية المطلبية والسياسية عبر العالم، والتي تخضع لقانون معروف: النشأة، ثم النمو، والتطور، ثم التوقف أو التحول ثم الانبعاث في هيئة مغايرة (Métamorphose)
· حالة من الترقب وانتظار لما ستجود به أرضية الميدان وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي من أخبار.
الى اين يتجه حراك الريف؟
ثمة 3 مقاربات قد تقدم في هذا الشأن:
مقاربة موضوعية:
تحقيق المطالب السوسيو اجتماعية التي بلورها حراك 2016وايضا إطلاق سراح المعتقلين بدون قيد ولا شرط
مقاربة متفائلة:
من باب ضبط المصطلح، يجب التمييز بين من جهة، “الحراك” كمصطلح تاريخي عام، وظاهرة سوسيولوجية طبعت تاريخ المنطقة. فالريف كانت له دائما حركية احتجاجية، حقوقية سياسية وديمقراطية، عرف تواتر الفعل النضالي وكان دائما في الواجهة لطرح الصراع ضد الطبقة الحاكمة، و التغيير، ومن جهة أخرى، “الحراك” المستجد في الظرفية الراهنة (2016-)
لا ينبغي ان نقزم الفعل النضالي في الريف في خانة المطالب البطنية والتقنيةوالتعتيم على افاقه الواسعة والعريضة. للريف حراك دائم غير منقطع لبناء العقل والوعي وتحريرالإنسان، من الجمود والقبضة المخزنية، والحتمية المفروضة عليه، وتحرير مجاله السياسي برمته.
فيما يخص الوجهة التي يتجه اليها الحراك، لا يغيب عنا أن الأهداف المرجوة سوف تكون متعددة والوجهات مختلفة. كل على حدة يفهم ويحلل الأمور من منطلقاته ومعاييره. الريف ليس بجسم واحد أوحد والتيارات بداخله اشكال وألوان. في كل الأحوال ينبغي بناء توافقات حول القضايا مبدئية والحقوق الأساسية والانضباط للحد الأدنى تحت السقف الجامع
مقاربة متشائمة:
لايخفى علينا ان ثمة حركة مكانية قائمة، النزوح الاضطراري الجماعي والتهجير القسري للشباب والأدمغة الى أوروبا واقتلاعهم من أرضهم، والتشريد الممنهج، واسع النطاق، باستخدام وسائل الضغط والترهيب والاضطهاد. وهي جريمة من جرائم ضد الإنسانية.
بطبيعة الحال، المسؤولية كلها تسقط على السلطة، نظام المخزن وأذرعه المختلفة، الدولة المغربية ورئيسها. هذا معطى لا يختلف عليه اثنين. ولقد نجح المخزن نسبيا في سياسته هذه، لأن المفاتيح، كما تبدو، كلها في يده والوضع تحت سيطرته
اما الغايات والمطامع المنشودة، كما هو معلوم، فهي تكمن في تغيير التركيبة السكانية والنفسية والبيئة الاجتماعية، واقبار التاريخ وطمس الهوية ومعالم الكينونة الريفية.
المعوقات والشروط التعجيزية التي تعترض تقدم العمل الداعم لحراك الحسيمة/ الريف:
· مناورات ومحاولات اجهاض وتعطيل ثقافة تنظيمية ريفية في اوروبا عن سابق قصد وتعمد
· فتح معارك وهمية، مفتعلة، تصفيات حسابات
· هناك جبهات فتحت، بعضها مشروعة، والبعض الاخر تافهة، لا اهمية وإسهامات لها ولا تاثي بشيئ جديد في نقاش الإشكالات الجوهرية المطروحة، الا في زرع الشك والفوضى والسيبة والتشويش والدعاية (البروباجاندا)
· “السفسطة”، تزييف الأفكار وتشويه السياقات التاريخية والعمل السياسي بشكل متعمد أو غير متعمد
· الرواج التواصلي التي عرفته تقنية المباشر، والتي تستخدم فيها ‫اسلوب الإثارة التشويق والتوتر والانفعالات النفسية ، يأتي في إطار مؤسسات ربحية لتحقيق أرباح مالية في منتهى السهولة، YOUTUBE, Facebook Lives وذالك عبر تحقيق أكبر عدد من الزوار. أقدرها عندما تكون لها مشاريع تربوية علمية تثقيفية تكوينية نبيلة، وان كانت تسعى لمضاعفة الأرباح المالية، ما عذا ذالك فهي مزايدات ونقاشات بيزنطية ذات دوافع انتهازية ووصولية، ورداءة لا تكلف شيء ولا تأتي بشيء، خدمة لمصلحة اصحابها المالية، واستهتارا و تلاعبا بذكاء الناس
· نوعية الثقافة التعبوية : هناك ملل واستياء عميق حيال نمط فعاليات الفعل النضالي الغير متجدد ـ مسيرات وقفات لقاءات فكرية اشعاعية، …
· نوعية ومستويات قادة الرأي والفكر او صناع الرأي الذي يساهمون بفعالية في تشكيل الرأي العام الريفي وتوجيهه والسيطرة عليه (خطباء ووعاظ المنابر الافتراضية التحسيسية والتوعوية)
· التصلب البيروقراطي الذي يولد النفور
ما العمل؟
ثمة حتمية التغلب على التحديات العملية التي تواجهها الذوات الريفية الفاعلة في بلاد المهجر:
· استعادة الثقة لتعزيز اللحمة الذاتية وكسر حاجز الخوف و التوجس والوسواس القهرى
· الوضوح في المواقف
· ترسيخ قيم الحوار وثقافة التعايش والتسامح، وتجنب عوامل التشرذم .
· بلورة إرادة سياسية قوية، والرفع من منسوب الطموحات والاستراتيجيات والقفز نحو خوض غمار عملية سياسية وازنة، ابتداءا من العمل لإنشاء هيئة تمثيلية لريفي الشتات، معتمدة دوليا، تطرح رؤية سياسية تنشد التحول او التغيير السياسي، وتتطلع لما هو أنجع
· الانتظام حول القضايا الجوهرية التي تؤمن بها الأغلبية الساحقة للريفيين
· العودة للأولويات والأساسيات، الأشياء البسيطة والسهلة في متناول الجمهور العريض وعامة الشعب
· النهوض بصيغ تنظيمية ينبغي أن تكون أكثر تنظيما في مستوي الطموحات الجماهيرية، تلامسواقعهم وتلبي حاجاتهم.
· الحفاظ، على المدى الطويل، على الدور الذي يلعبه الفاعلون الداعمون للحراك ومناقشة القضايا السياسية والمستجدات. لتجنب الفراغ السياسي، ينبغي أيضا تفعيل دور لجان الدعم، والحفاظ على سيولة الأنشطة.
· لتحقيق التكامل، ينبغي الحث على الاندماج وقبول الآخر، ومد جسور الحوار وإنجاح التقارب على الصعيد الأوروبي بين كل اللجان والذوات الفاعلة رغم الخلافات الضمنية وتقديم تنازلات والمرونة والتكيف مع البيئة
· ضرورة عقلنة الثقافة والأعراف التنظيمية وإرساء قواعد الحكامة الجيدة. كما ينبغي المزيد من التقنين العلمي للظاهرة التنظيمية وإحداث نهضة في هذا المجال. دعم المؤسسات والممارسات الديمقراطية والمزيد من المأسسة، والتشييد
· التوسع في اوروبا تنظيميا، وتوسيع رقعة الاستقطاب السياسي، تفعيل وحشد الطاقات والكفاءات الشبابية، وتعبئتها المستمرة
· شبكات التواصل الاجتماعي توفر “طوفان” في المعرفة والأفكار، وبالتالي يجب مراكمتها، تحليلها واستيعابها، دراسة أبعادها وجوانبها
· تحسين المستمر للمضمون والمواد المطروحة والرسالة الإعلامية في المنابر، وكذا تحسين السلوكيات والاخلاقيات
· المشاركة السياسية والمواطنة في المجتمعات المضيفة وتعلم آليات وقواعد الحكم الديمقراطي وممارسة السلطة، والمشاركة في صنع القرار.
· المساهمة في حركة التنمية، والتفاعلاقتصاديا مع مناطق الريف (استثمارات، توفير الشغل، المساهمة في انشاء دور للثقافة،…) ودعم الشباب الذين يشكلون ثروة بشرية قادرة على الإنتاج مل والعطاء
ماذ يمكن استخلاصه مما سبق؟
· عجلة التاريخ سائرة والحركية التاريخية الحتمية للريف جارية مستمرة. االحراك “المستجد” هو ليس إلا حلقة ضمن مسلسل صراع الريفيين اللامتناهي مع نظام المخزن، و لاتزال العلل والشروط المأسسة له قائمة
· في انتظار قلب الموازين، ينبغي مواصلة العمل بلا كلل، والتأكيد على الثوابت والركائز الأساسية، لأن المخزن يوظف تقاعس الريفيين لبسط سيطرته ومسح الأخضر واليابس دون حسيب ولا رقيب
· الحصاد العام: الصعوبات والنقائص والثغرات، ليست بإخفاقات، وما يجب اخده بعين الاعتبار هي المكتسبات والتقدم الملحوظ في مجال بناء المؤسسات، و التجارب التي تقوي المسار الذي يخدم قضايا الريف
· أضحى مفهوم الثقافة التنظيمية يكتسح بسرعة السياق الريفي وهو بحد ذاته نقلة نوعية، مكسب، ومؤشر ايجابي بان الجهود المبذولة في هذا الاتجاه قد اتت اكلها. في ماض ليس ببعيد، كانت بعض المجموعات تغرد خارج إطار التنظيم، في ممارساتها و ادبياتها، وتعتبره متجاوزا و تستعلى عليه وتعارضه علانية، شكلا و مضمونا، لكن بمرور الوقت، اقتنعت به عندما برزت اهميته و طورته بما يناسب مسارها وتوجهاتها.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock