أقلام حرة

رشيد أوفقير يكتب قراءة ماكرو سياسية، فى شمول وعموميات الشأن الريفي

رشيد أوفقير

بعيدا عن آخر المستجدّات على الساحة و النقاشات الهامشية، التحيزات والمقولات السائدة ، و المواقف الميتافزيقية والجزئيات بشتى أنواعها، التي أصبحنا نسبح ونتخندق فيها، غافلين عن القضايا المصيرية الحادة، والآنية. نحن بحاجة إلى نظرة كلية ورؤية شاملة للأمور وتحليل في الأعماق ولوقفة حقيقية على أمرنا، ومراجعات نقدية من شأنها أن تحرك الراكض و تستشرف آفاق الظرفية و أن تجاوب عن تساؤلات حيوية وجوهرية ملحًّة، تفرض ذاتها مثل الأولويات الضرورية ماهي مآلات الفعل النضالي للموجة الحالية في الريف؟ ما هي طموحات النخبة الفكرية الريفية وكدا الجماهيرية؟ كيف يمكن صياغة الذات الحضارية والسياسية الريفية الأنية والمستقبلية؟ نحن أسري هاته التساؤلات. لا مفر منها. وسوف نعود إليها في كل مرة. الهروب إلى الأمام وتجاوزها، سيُبقي الحال على ما هو عليه.

هذه القراءة ترتكز على الدعائم او المحاور التالية

نقد الوضع المغربي والسياق العام

ثمة صورة يمكن رسمها، وحقائق جديرة بالرصد والتأمل، يجب التذكير بها :

أولياء أُمور الدولة والنظام في المغرب فشلو في إدارتهم التنوع وعجزو في تحقيق تجربة الدولة الحداثية الوطنية الفاعلة. وهو الواقع الذي جرف الى تصاعد و تنامي العصبيات الفئوية والتشنجات، وإنعدام الولاء الوطني الذي يزداد محدودية

قام المغرب على أساس بنية إقطاعية موروثة وغياب تداول السلطة و التعددية والمواطنة والشراكة. منظومة السلطة فيه هي جزء من الهندسة السياسية الاستعمارية، تأسست على الانفراد بالسلطة . الفعل السياسي فيه، هو حكر على الأسرة العلوية وحاشية القصر وعلى عدد من الأسر النافذة. يقوم المغرب، كذالك، على تفاوت خطير بالتمثيل السياسي،و على غياب المنطق الوطني وسيادة صراع المصالح والقوى و المنطق الطائفي الذي من خلاله تستئثر بعض الفئات بالسلطة لجني فوائدها ومكاسبها. وتستحوذ على مفاصل الدولة ومواردها ونفودها.

خلال العقود الستة الماضية تضافرت وتراكمت عدة عوامل لتعطي الحقبة الحالية. نذكر منها العوامل إقتصادية. الحال الذي نحن عليه، الأزمات الإقتصادية و الإجتماعية المتراكمة التي تعيشها البلاد، موجات الإحتجاج و الحركات و التفاوت الاقتصادي بين الطبقات الاجتماعية، و كذا ارتفاع في معدّل البطالة و التراجع في مقومات المعيشة والخدمات العامة، الفقر و الحرمان و التهميش، كلها مظاهر تثبت بكل وضوح العجزً على مستوى أداء الاقتصاد المغربي، اختلالات مهولة على مستوى التوازنات الاقتصادية أو ما يسمى بالمخططات الاستراتيجيات التنموية المفرَّغة من جوهرها ومفعولها تفشي الفساد والتضخم البيروقر اطي في الدولة ونهب لثروات الشعب والإفتراس بكل أنواعه وكذألك عجزها عن تقديم الخدمات لمواطنيها و توفير الحلول للأزمة

إن المغرب بات مجتمع منقسم على نفسه، سياسيا وثقافيا، ومناطقيا، ويزداد غرقا في تناقضاته وصل مستوى مترد ورهيب جدا. هذا الوضع يعبرعن مخاض ناجم عن نهاية حقبة تاريخية

في موازاة ذالك، تركيبة هياكل الدولة وأجهزتها، بنزعتها القومية و عقيدتها، تحمل في طياتها عناصر الكراهية والانتقام والأحقاد للكيان الريفي وحرياته الأساسية. على مر العقود المتعاقبة، مورست إقصاءات في حقه كالتغييب عن اطار الدولة والحكم، كشفت زيف الوطنية وماشابه ذالك. المنظومة المخزنية عملت بدأب كل محاولات تصفية النهضة الريفية وتنمية المجال الريفي والعمل السياسي المنظم، وإجهاض مجهودات النهوض الناشئ بالريف، وكسر عصبيته وشلّ قدراته، ومحاصرته واحتوائه… فهو يعد من كوابح الإنماء والنهوض في الريف. في هدا السياق لا يمكن التغاضي عن أن الريف ينتظر محاسبة القيادات الأمنية والعسكرية المغربية على الجرائم المرتكبة ضد أفراده. ثمة سوابق كثيرة في هذا السياق، في مراحل عدة من التاريخ الريفي القريب والبعيد

قد تختلف أراء النشطاء والباحثين والمهتمين باختلاف تنوعاتهم وتموضعاتهم السياسية، حول الجزئيات ولكن ليس على هذا العنصر الجوهري للقضية

معاينة واستقراء الأرضية والمشهد السياسي في الريف وتحولاته، يظهر جليا بأن ثمة أوضاع داخلية صعبة حساسة ودقيقة و حالة إحتقان. سخط شعبي عارم على المواقف السياسية والخيارات الحكومية والحالة الاقتصادية. الواقع الريفي مشحون بتفاقم الأزمات، والقلق على جميع مستلزمات الحياة اليومية، كما يبرز لنا بأننا بصدد نظام سياسى طائفى و”أمة” مغربية تكثر فيها المصالح الفؤوية الهوياتية، والقوميات المناطقية والثقافية وتخلو من وطنية صادقة ووحدة جامعة، ودولة محايدة. كما يوحي إلى اتساع الهوة بين الريف والمركز. الريفيون ينظرون إلى مركز الحكم في الرباط فقط من زاوية العدوان. لا يوجد في الدولة ما يعبر عن رغباتهم وطموحاتهم و لا يصح ان يوكلو مستقبل أبنائهم لكيان سياسي متحجر. بالنسبة لهم، يبقى الريف الأبعد معنى ودلالة ورمزاً، من أيّ انتماء، مجددين التمسك بتاريخه، مستلهمين منه دروس النضال والمقاومة والعزة، يسترجعون الحوادث التاريخية التعسفية في صراعهم مع المخزن

الريف على حافة الهاوية. نخبته تدور في حلقة مفرغة. الوضع على هذا النحو، سائر على ما يبدو إلى طريق التدهور والانحدار و تآكل مكوناته الرمزية، حالة التوهان والتشتت وما هو أسوأ. على سبيل المثال لا الحصر، كارثة التهجير القصري وتشريد الشعب الريفي، العقول والأفراد، وتحول أكثريته إلى لاجئين تشويه جغرافيته، يشكل تسريعا في إنهاء الوجود الريفي

لإرساء أسس الدولة الوطنية، أتساءل كيف يمكن التعويل على منظومة سياسية، عندما تُنعَتُ فيها الطبقات الحاكمة و قوى النظام ورموزه، ومن يسير في فلكه، ب «العصابة” و”المافيا” و”المجرمين” و”الإرهابيين” و”الدكاكين” « ddewla n-uqattun » هذه الصورة الذهنية والنظرة السلبية والمستهجنة التي تحملها كافة جماهير الشعب العريضة إيزاء من يحكمهم ويتولى أمرهم، لا تستثني احد في هرم الدولة. تظل بارزة في الأهازيج والشعارات التي ترفع في التجمعات الجماهيرية السياسية الشعبية، وتوظف في الكتابات السياسية، والتي يطغى عليها الطابع التشكيكي في شرعية هذه النُخبة وانعدام وطنتيها.

يمكن القول إنها مؤشرات تؤكد على هشاشة مفهوم الدولة فى البنية الرمزية والإدراكية للشعب، وفساد النظام السياسي وعدم جدية السلطة وانعدام الثقة في المؤسسات، وتُقِرُّ بالطابع الرِيعي والتوزيعي للنظام الذي يسوده الرشوة والمحسوبية. علاوة على ماسبق، لا حوار وتفاوض سياسي جدي ممكن في هذه الحالة، بما ان كل تعهدات النظام الرسمية المُعلنة، باطلة، والوعود كاذبة، والإجراءات واهية، وكل آليات العمل السياسي السلمي لا جدوى منها وبذالك احتمالات الانفجار الاجتماعي، تلوح في الأفق، واردة في كل لحظة لا محالة

أتساءل كيف يمكن التعويل على منظومة طائفية ومتعصبة، ليست لها أسس وقواعد دستورية وقانونية فاعلة فى التطبيق، تؤسس للمساواة والمواطنة؛ منظومة سياسية تُصِرُّ على التحايل والابتزاز السياسي والاستهتار بمطالب المواطنين وعدم الانصات إليهم، وتنتهج الفجور في الاستخفاف بمعاناتهم، وتمارس العنف السياسي من أجل تمرير أجنداتها ومخططاتها، أو بالأحرى، أجندات ومخططات الدولة العميقة، تسعى من خلالها إلى إبقاء الوضعية الراهنة في حالة فراغ وخلق المشاكل والعرقلة المستدامة. المنطق السليم يقضى ان ذلك القاموس يأشر لوجود واقع ثوري او على الأقل، واقع يعاقب عليه القانون والأعراف الدولية والمبادئ الإنسانية. وهو السطو والإجرام والنهب، وبالتالي يستوجب التخلص من تلك العصابة والاطاحة بحكمها

تجدر الإشارة الى أنني لا اريد تعلِّيق أزمات الريف على مؤامرات المخزن فقط، اري كذالك ان هناك من تخلى عن مسؤوليته التاريخية في الوسط الريف ، بينما كان الريف يستباح، كانو هم ينظرون

مقومات النموذج المستقل الريفي

ليس ثمة حتميات تاريخية و “لا كينونة بلا صيرورة”. إن رفع العزلة والتحول الديمقراطي لن يتأتى إلا ببناء الذات والتحرر من الموروث الي خلفه المخزن في الريف ومازال يسوق له، من مفاهيم وأطروحات وأفكار ونموذج معرفي وتفسيري، كلها اليات تذوع في الساحة وَ تهيمـن على الدهنية الريفية، وتعمل على تكريس التبعية بكل اشكالها. الريف هي مسألة وعي وفعل. وعي خصوصي يتصاعد في الأزمات لدى العامة وبعض الخاصة؛ نحن بحاجة إلى يقظة سياسية، وتحول ثقافي، وديناميات جديدة، وألية مناسبة لإقتلاع النظام العقائدي المخزني ستؤدى نحو نمط من الريف الجديد، وكذا إلى الإسهام بشكل أو بآخر في تحشيد الشارع وتعبئته وجمع الشمل وعدم التخلّف عن ساحة الفعل السياسي. نحن بحاجة الى الاستمرار في الإبداع والتجديد السياسي والنضالي والاستثمار فيه وكذا الذهاب إلى خيارات أكثر جذرية. نحن بحاجة الى ان نتسلح بعقلنا لصناعة إرادة جماعية، وعمل حضاري ينصهر فيه الكل، بدون استثناء.

مما لا شك فيه، فإن البديل سينشأ بالقطيعة مع الأيديولوجيات السلطوية وعبر تفاعل إرادات ورؤى، تستقيم مع واقعنا الريفي. مقومات النجاح موجودة ضمن طيّات هذه الإرادات.
هدا لا يعني تقوقع طائفي انطواء وانكماش على الذات

“من يركب البحر،لا يخشى الغرق”

المجتمع الريفي وعاء لصراعات ونزاعات وتجاذبات كبيرة بين مكوناتها ويعيش حالة انفصام سياسي. التغيير لن يتأتى وهناك حالة التباس وغموض وتدبدب في الأطر المرجعية واضطراب في المواقف والأراء، بحيث ان زمرة من الفاعلين غير مستقرين في نقدهم ، يقدمون رجلا ويأخرن الثانية. ثمة ضرورة تجاوز إنعدام التجانس والتناسق بين الشعار السياسي والواقع الفكري من جهة، والتجربة والممارسة من داخل النسق الريفي من جهة أخرى، فالدلالات والمقاصد والقناعات التي تُستَنتَجُ اصلا من تلك المواقف، توحي جلها الى مسار سياسي معين ألا وهي ضرورة رحيل النظام القائم وتقويض النظام الاجتماعي وجميع الأنساق الثقافية والسياسية والاجتماعية التي يستمد منها شرعيته. في الأن نفسه تحيل إلى سياسة المشي على الحبل

تشخيص القضية الريفية والتوتر السياسي الدائر في الريف

لا يمكن حصر السياق الريفي وتبسيطه في بعض المفاهيم الضيقة والمسائل الثانوية. قضية الريف وتحدياته الحقيقية ومواقفه البطولية، ممتدة في التاريخ وأزمته السياسية، شائكة ومعقدة. الريف له تاريخ مؤسساتي، ألهم الكثيرين. له فرادته، ومقوماته، ومعاييره واعتباراته السياسية وخصوصيته الحضارية والثقافية والقومية التي صاغها التاريخ. الصراع القائم به طويل، واسع النطاق والأبعاد، الخَوْض في قضايا الريف ليس بالسهل؛ وبالتالي المسألة لها مداخل خاصة واستثنائية في المعالجة. كيفية علاج هذه المعادلة والتعامل معها ليس في منال تلك الأحزاب بأدواتها ومناهجها القديمة، الأمر يستدعى تكتل سياسي تحالفي توافقي من الوزن الثقيل من داخل الريف، قائم على قناعات فكرية ومصالح موضوعية، يملك القوة والجرأة على طرح جوهر القضية وهي قضية الوجود

الريف مدرسة فكرية مناهضة التسلط والطغيان. فهو غريم سياسي لمنظومة المخزن وهو على نقيض من الأخير، يخوض غمار الصراع الفكري والسياسي معه و يرفض التبعية السياسية والاندماج في نظام سياسي تسلطي. الوقائع التاريخية وحمولتها الثورية الصريحة من تمرد، وثورات وإنتفاضات شعبية وويلات ومآسي الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان المروعة والقمع، التي يعاني منها الريف والانتفاضات الجماهيرية الراهنة، ليست عادية، إِنَّها قضايا جَسِيمة.
على مر عقود من الزمن ضلت مخطّطات، ومؤامرات هذه الأخيرة تستهدف الشعب والكيان الحضاري الريفي، وتعرّض وجوده لخطر الزوال والانتفاء والضياع السياسي. وهي تسعى أن تفقده بهذا الوضع ذاته وتميزه وتصفية هويته ووجوده. هذه المخاطر تزايدت وتضخمت. الإقرار بغير ذألك يتعمد استغباء الشعب وتشويه الحقائق والوعي والإدراك الاجتماعي لأجيال القادمة

يعتقد البعض أن تمثيلات بعض القيادات من المكونات الريفية في الهياكل القيادية للأحزاب والتشكيلات الوزارية، والمعارضة، وأجهزة الدولة، هو اندماج سياسي، في الحقيقة لا يعدو أن يكون رمزيا. لا وزن فاعل لهم ولا قرار لهم في دائرة صانعي السياسات

خاتمة
ندرك تماما طبيعة الأوضاع في المغرب وطبيعة الخلافات ومن يحرك الأمور والمواقف بالشكل الذي يرغبه . إننا بصدد مقاربة وأفاعيل مكشوفة وواضحة للعيان. تدبير المكائد، حالة التسلط والاستبداد وضيق المجال السياسي.
المخزن يحتكر الفضاء السياسي. كل القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية في يده. لحمة المخزن ممتدة إلى ما بعد مؤسساته، وتشمل المشهد السياسي برمته بانحيازاه وتحالفاته ومصالحه…. كل الإطارات السياسية والنقابية والجمعوية منضوية في عصبية الدولة متحكَّم فيها ومخترقة، وفي موقف التبعية له، ان لم تكن متحالفة معه. فضلا على انها خارجة الحكم ودائرة صناعة واتخاذ القرار. هذه القوى المحافظة التقليدانية عَجَنَها المخزن، فهي موالية وزبونة له، تفتقد الى الاستقلالية، وتمارس النفاق. من خلال مواقفها من القضايا التي تطرح على المجتمع، تسعى كغيرها فقط الى تحقيق مكاسب سياسوية: الاستقطاب، تصريف أيديولوجيتها، الإنتعاش من الأزمات والانتفاع بها، ضمان مواقعها، من خلال لعب أدوار مجرَّدة وغير مأثرة في الساحة السياسية…

القبول بأي وساطة كيف ما كان لونها، وفسح المجال لتلك القوى، تعبر، في رأيي، عن قصور في الرؤية السياسية. فهو استجداء وركون وتبعية ولا يعدو أن يكون تطبيع وحل النزاع داخل جهاز الدولة. في المغرب، الجميع يدرك المُحَرَّم السياسي للريف. ثمة منطق ثابت ويتكرس في الكثير من المحطات السياسية، لا ينكرها أحد، ولم تتغير قيد أنملة، وهناك إجماع وقالب معروف مغربي حول الريف. كل الأطراف والتشكيلات السياسة الرسمية كالأحزاب والحكومة، وأعضاء البرلمان، وضباط الشرطة والقضاة والموظفين والنقابات ووسائل الدعاية…، يستبطنون دلالاته، ويتقيدون به ولن يستطيعون كسره. الكل يدور في نفس الدوامة

الوساطة الحزبية المتعددة في قضية الريف كانت دون نتيجة، هذا يكشف عدم فاعليتها في الواقع الفعلي، إذ لم تتمكن حتى الآن من وضع آليات فاعلة ونشيطة لحمل الدولة على تنفيذ تعهداتها

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock