أقلام حرةثقافةحرية التعبير

رشيد أفقير : جدلية “القوى” الريفية والسلطة

رشيد افقير

تمهيد

تهدف هذه الورقة المتواضعة لطرح نظرة شمولية للأمور، خارج النسق المعتمد في النظر النقدي والمعالجة التحليلية للراهن الريفي. تتضمن مراجعة معرفية لبعض الحقائق، ارتباطا بالفعل السياسي وقضايا المجتمع الآنية والمستقبلية. تشتمل تشخيص الخطوط الفكرية العريضة، والقيم التي تنطلق منها المشهدية السياسية في الريف،و التي توجه سلوكيات الجماهير والأفراد وتحدد العلاقات والتفاعلات، وبالخصوص منظومة التفكير والتعاطي مع رهان السلطة السياسية، لدى الفرقاء والقوى، في الريف/الأم والمهجر، من قيادات وزعمات، منظوين تحت إطارات رسمية وشبه الرسمية وكذا المستقلين وحاملي دعوات التغيير وطلاب الحرية… تشتمل على مساءلة قاموسها السياسي، و قوة تأثيرها ومساءلة رغبتها في الوصول لسدة السلطة و الحكم. هل يمكن الحديث عن وجود رغبة في ممارسة نشاطات سياسية مستقلة عن المكونات والأدوات، والقبضة الايديولوجية للدولة الرئيسية والطموح إلى تغيير نظام التسلط والاستبداد؟ هل هنالك مساعي إلى إبتداع هوية جماعية، وتصور مستقبلي استراتيجي جديد عن السيادة الداخلية، يناسب التطلعات الديموقراطية المشروعة للمجتمع السياسي الريفي؟

ارتأيت إلى طرح هذه الاستفهامات من باب الوقوف على جوهر الصراع الدائر حالياً في المغرب، والمسائلة حول إشكالية الفكر والمفاهيم السياسة السائدة، إغناءً للبحث وتوسيعا لنطاق النقاش والحوار العام

انطلاقا من مُسَلَمات الفلسفة السياسية، في تكوين المجتمعات والأمم، يمكن القول بأن مجال السياسة هو مجال صراع مصالح متعارضة، وبالتالي يمكن الجزم بالشكل القطعي بأن الوضع في المغرب ليس ببالغ التعقيد ولا بعسير على الفهم، فيمكن إجْمَالُ جوهره في نزعة الصراع من أجل الوصول إلى السلطة والمال والنفوذ.

قبل التطرق إلى التساؤل والإشكالية الأساسية، ارتأيت الى استدراج عرض موجز يشخص بعض أوجه ورموز السلطة التقليدية الممارسة

نبذة عن طبيعة السلطة في المغرب

 الحاكم في المغرب، ضمن الأسرة المالكة، يتحكم في البلاد كملكه الخاص، يرث ويورث الكرسي (الشرعية المستندة الى الملكية الوراثية)، السلطة فيه لديها أسس وثوابت. مصالح وتوجهات معروفة. تتجسد في بسط وتحجيم نفوذه على البلاد. إحالة “رعاياه الأوفياء” إلى التبعية الخالصة له، كحاكم البلاد، القائد الأوحد، الذي يعد ” رمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها”، كما جاء في الدعايات الرسمية.

قواعد التحكّم والتسلط والهيمنة واليات المتسلط في التأثير على مجرى الأحداث، معروفة أيضا لدى العام والخاص، فهو يستقوي بأجهزته التنظيمية، وإداراته الترابية و مؤسساته التشريعية، و البيرقراطية والأمنية والعسكرية و الأجهزة السرية (الدولة العميقة) و بشرائح من النخب المثقفة و الأعيان المواليين له، والكتل السياسية؛ و كما يعتمد على تدخير الدخيرة (الإفتراس)  و يستغل الترسانة الإعلامية ومؤسسات الدين و الميل الروحاني لدى غالبية المجتمع، كوسيلة سهلة للسيطرة على  كل مرافق الحياة السياسية  والإقتصادية والاجتماعية ،… في البلاد؛ يستمد قوته من التكيف المستمر عبر التاريخ مع متغيرات البيئة ؛يعتمد على صناعة الأزمات السياسية والقلاقل والفوضى وتدويرها لصالحه؛ ناهيكم عن إنتهاج الية “فرق تسد” و”الدهاء والعطاء” إضافة إلى إشغال الشعب كله بقضايا ثانوية، بعيدا عن الهموم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هي لب  أولوياته و إهتماماته، أي المجتمع.

وجوه ومرامي السلطة في الريف

 التسلط على/في الريف له مميزاته وخواصه. نزعة استيطانية صرفة. تتجلى أهدافه ومراميه في تأمين مصالح وأطماع المتسلط وبطريقة أو بأخرى، إلحاقه بركب بلاد المخزن. فيتم إستغلال ما يعتبره” سذاجة” مكوناته لتحطيم طموحاته الجيوسياسية وعرقلة بروز القومية الريفية، من خلال إماتة المقومات والدلالات الحضارية للشعب: سلب الهوية الريفية وتفتيت لحمتها وطمس معالمها، وتغذية الخلافات بينها، كي تنسا همومها الرئيسية الكبرى وإبقاء عليها في حالة نزوح دائم وتهجير قسري؛ تضييق الخناق على النشطاء والأفكار وتعطيل الحريات؛ بثّ الشلل في كل المرافق الاقتصادية ؛التفقير والتجويع وتوسيع حجم البطالة؛ تجريد عقول الجماهير من قدرتهم على الفكر المستقل وتأبيد الجمود السياسي فيها .هذه العوامل اوصلتنا إلي حالة مأساوية  تتجلى في تذهور الوعي السياسي والتجذر محليا للتخلف وثقافة الخنوع. وهو ما يفسر الإستبداد القائم، اذ لا ينبت إلا في هذه التربة.

 مرتكزات منظومة تفكير القوى الريفية إزاء رهان السلطة السياسية

في ضوء هذه التوصيفات، ماهي الطبيعة التفاعلية للقوى الريفية إزاء إشكالية السلطة وتأطيرها للمشهد السياسي المحلي؟

نستطيع القول إن ما يميز إجمالا مسارات ومناهج وإهتمامات القوى والمكونات الريفية، بتناقضاتها الداخلية، وأقطابها وتضارب أهدافها، هو سعيها الى الإندماج الوطني والانصهار والتآلف السياسي، والرضا (قسراً أو طوعاً) بالسلطة، بحيث تقتصر في الغالب على التحرك ضمن الفضاء الاجتماعي والسياسي الذي يشرعه لها الحاكم الفعلي. لتحقيق مكاسب شعبية اجتماعية وحقوقية وثقافية؛ المطالبة بالحريات؛ النضال ضد التهميش؛ تحسين الاوضاع الاقتصادية والتنموية؛ المطالبة بحصتها في الثروة والموارد “الوطنية” وإعتماد ثقافة المظلومية التاريخية … أما المشاركة في العمل السياسي، فهي تقتصرعلى المقاطعة والممانعة دون الرغبة في إحداث قطيعة، في إطار وطني مغربي “من طنجة إلى لكويرة”، عالقين بين المعارضة والموالاة والحياد. جل تحركاتها تتم على إيقاع القوى السياسية “الوطنية” “المركزية”، وتعاقدات معينة مع السلطة، بناءا على مبدأ المواطنة والتعددية. هذا الأداء النضالي يتسم بنوع ما من الولاء الى المركز، ويلعب دور إصلاحي سياسي سلمي وتحديثي لمنظومة المخزن، تعتبر من خلاله هذه القوى الهوية الريفية، هوية فرعية، ثانوية بل الأكثر من ذالك لاتعترف بشيئ إسمه “القضية الريفية”. بتعبير أخر، يتبين بأن الفاعل الريفي منشغل بالجزئيات والتفاصيل الفرعية، متحفظ، غيرمكترث، “منسلخ” وغافل عن المسألة الرئيسىة التي تتجلى في السلطة و الإستيلاء عليها. بحيث يفتقرلأدنى إرادة سياسية، وينعدم لديه الطموح إلى السلطة والسيادة والتطلع إلى إمتلاك مقاليد الأمور والمناصب العليا.

“المعارضة” الصورية

 المعارضة بمعناه الوارد في علم السياسة، هي تلك الاحزاب السياسية التي تناضل للاستلاء على السلطة. يتَّضح جليا أن الفاعل في الريف عازف ومُعرض عن “فكرة” تولي مقاليد الحكم في “قيادة سفينة البلاد” ولو نظريا.من المفيد التذكير بأن الحياة السياسية في الريف تحركها جماعات ومدارس فكرية وفصائل سياسية ايديولوجية وثقافية ذات أبعاد محلية لكن خاوية البرامج من هذا المنظور. شكليا وضمنيا، لا يوجد في الريف أي حزب سياسي قومي يُعنى بالهوية، وليست هناك ما يمكن تسميته رغبة سياسية للاستلاء على السلطة. المفهوم السياسي والأداء العام لدى الفاعل السياسي في الريف يتمثل في المطالبة والمعارضة الجزئيةو المتابعة والرقابة على سياسة الحكومة، دون التجرأ على خدش تابو أو محرم من الوزن الثقيل، أي السلطة ومنبعها. كما يلجأ البعض للتوكيد وإذكاء هذه الصفة بالتصريح بأن الريفي “وطني” في طبيعته وأنه “كأيتها الناس” لا وجود لرغبة للتمايز. يصور معظم الفاعلين أدوارهم على أنها اجتماعية واقتصادية ولها دوافع حقوقية كونية صِرفة. بالتالي هذه القراءة لا تنسجم مع مواصفات ومقتضيات مفهوم المعارضة.

هناك فرضيات لتفسير هذا السلوك. التطلع إلى السلطة خارج مداركه، العقلية والجغرافية، ومن “الموبيقات/المحرمات” السياسية، إن صح التعبير، وحكرا على غيره، خشية من الرقيب الرسمي، ومن إثارة الفتن والاضطراب والتوتر، غير واثق من نفسه، كما قد يتحول هذا التطلع إلى تهمة قد ترمي به في غياهب السجون. علاوة على ذألك، النظام ينتهج نظام المشاركة الانتقائية في السلطة، الاستبعاد للعنصر الريفي، بحيث توجد على هرم السلطة، فئات مهيمنة وتوجهات نفعية مصالحية، مسيطرة على المجتمع والدولة، تحتكر الامتيازات الإستراتيجية وتنادي الي اعلاء قومياتها على حساب العناصر الأخرى، وكونه ضحية لأشكال الاضطهاد والتهميش المجتمعي والسياسي. ثم هناك حواجز أخرى في عملية الإدماج “الوطني”، كون المجال السياسي مغلق بالأساس، تسود فيه أحادية السلطة والانفراد بالقرار. وأخيرا وليس آخرا، هناك بعض “الكوابح” النفسية الاجتماعية التي تتحكم في الذهنية الريفية، فمثلا شعور الأقلية والإعتقاد إذا “حَكَمَ الريفي، خَرِب المجتمع” والذي تروج لها أطرف لها ميولات معادية للكينونة الريفية.

من جهة أخرة، هذا الوضع هو نتاج لإنعدام المجتمع المدني الريفي، وفي أحسن الأحوال، نتاج لبنيته الناقصة والهجينة.

هناك أعطاب بنيوية، انطلاقا من إرث ثقيل للماضي. العزوف عن العمل السياسية التنظيمي والتأطير والحشد من داخل هيئات سياسية. انعدام الثقة في جدوى العمل السياسي

بات الفاعل الريفي أسير مصالحه الاقتصادية. من وراء انخراطه في العمل السياسي والانتماء لتجمعات، توجد دوافع البحث عن المكسب والمغنم والجاه والنفوذ والامتيازات، وضمان نصيبه في كعكة المشهد السياسي، مقابل ذالك ينعدم فيه السعي لتأسيس مؤسسات وإرادة شعبية

كذالك، من بين العوامل الذاتية الي تساهم أيضا في سيادة هذه الوضعية، وجب الإشارة الى السلوكيات السلبية.

ثمة مأهلات ومقدرات الفاعلين الريفيين تُبدَّد في هدم المجهودات الذاتية وزعزعة البروز والنشأة الوليدة للمجتمع السياسي الريفي الفتي، وإثارة الانشقاقات، وهي اساليب مجموعة من المغفلين، الغارقة في البلادة والفاقدة للتطلعات السامية، تحاول فرض سطوتها على الملآو بكل الوسائل

قد يكون هناك “تعتيم على الذات”إزاء القاعدة الشعبية، فلا يعقل مبدئيا أن يكون الفاعل الريفي “بجلال قذره” غافل عن جوهر هذه القضايا وغير متعطش للسلطة، بكل تلك ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ الذي “يتميز” بها والشائعة في الوسط النضالي، ﺍﻟﺤﺠﺎﺠﻴﺔ والخطابية وعناصرالتفاوض السياسي وصياغة المفاهيم، والسلوكيات التي تحيل ظاهريا إلى الاستقلالية الفكرية والارتقاء، والإدراك المتعمق للأمور، والمنطلقات المعرفية والثقافية، …

في تقديري، إن واقع الفعل السياسي الريفي اليوم والانسداد الذي يطبعه، أي غياب القوى الريفية في دائرة صنع القرارات والسياسات وفقدانها لمكاناتها، في حد ذاته، وبلا شك، يعبر عن إخفاق للتراكم الحاصل في السياق النضالي والتجارب التاريخية الريفية، والتي يمكن وصفها بهزال إنجازاتها، ومناهجها، بحيث لم تثمر شيئا في مجال الشرعية السياسية، ووقوعها أسرى الدوران في الفراغ. في هذا المسعى، أصبح اليوم الريفيون يتموضعون “أسفل سافلين”، مقارنة مع المكونات الاجتماعية، الإثنية والجهوية الآخرة في المغرب.

جدلية الشتات /ريف الأم

إن الفراغ الصارخ، الحاصل ميدانيا في الريف، يشكل عقبة في المضي قدما في الخطط من أجل الوصول إلى السلطة. غالبية القوى الريفية تناضل وتجادل عن بعد، إنطلاقا من المهجر. إشكالية تطرح نفسها بإلحاح، أي الإرتهان على الخارج للتحرر، ومدى فعالية هذه المنهجية. ولي عودة إلى هذا الموضوع في مقال لاحق.

في نظري، الأمر الأكثر أهمية في الصراع الريفي هو بعده الداخلي وعامله الذاتي قبل كل شيء. الريف بحاجة إلى تنمية عمرانية وإلى فاعلين في الميدان، وجبهة داخلية، للتأثير الفعال ولبناء حزام سياسي كاف للتحكم في المشهد المحلي، واستعادة السيطرة على المجال المكاني والزماني. ثم إن الشتات الريفي يتطور ويشكل تدريجيا فئة متباينة عن الشعب الأصل الذي ينبثق منه، لاسيما في واقعه المادي والفكري وتطلعاته. بالمقابل، اضحى الريف مجال سياسي فارغ، مُتَخلَّى عنه، لعوامل شتى، ومنها الهجرة المكانية (أو التهجير القسري) والهجرة الفكرية والسياسية. وبقي الذين يجسدون الريف أحسن تجسيد هم الذين يعيشون وسطه ويتلمسون مراراته. من بينهم نخبة من النشطاء والجماهيرالبارزة والفاعلة، والتي تحتاج الى كل أشكال الدعم والمساندة، قولاً وفعلاً. بغض النظر عن قوتهم ومأهلاتهم على المناورة السياسية المنقوصتين، وهشاشة ظروفهم، وعدم تجانسهم، إيديولوجيا وسياسيا. فهم في الواجهة ومربع الفعل،فاعلين على الأرض، وموجودون في المشهد السياسي، ويقومون بمجهودات كبيرة لضمان ديمومتهم وتعزيز موقعهم الداخلي. أكثر من ذالك، بإمكانياتهم البسيطة، يقارعون المخزن وينافسونه على النفوذ. كما أن مستقبل الريف مرهون بهم. أما الفاعلين خارج موقع الصراع والمناورات، وبعيدون كل البعد عن بؤرة الحدث، في مواقع اللجوء والشتات، لن يُمَكِّنو من تحصيل مكاسب سياسية ، تغيرات جوهرية وواقعية ملموسة من شأنها أن تقلب الموازين وتغير بكثير المعادلة القائمة في الديناميات الداخلية  ،وخاصة الديمغرافية، امتثالا لمقولة “الطبيعة تخشى الفراغ”. وجب الإشارة أن لا أحد ينكر دور الشتات الريفي في استنهاض المجتمع وإثارة الوعي السياسي بالقضية الريفية، ولعبها أدوار معينة في الدعم على مستويات مختلفة

إذن، مواجهة زحف القوى المعادية لمصالح الريف، تقتضي أساسا، ملء الفراغ السياسي لتكون هناك فاعلية في إنتاج بديل محتمل. الإبتعاد الجغرافي في حد ذاته، يمكن إعتباره شكل من أشكال التفريط في ورقة قوية ورأس مال أساسي، وهو مجال النفوذ أو الأرضية (Acbar)

تدبير الزمن الريفي في زمن المتغيرات السياسية

 في ضل غياب تلك القوى، نكوصها وتفريطها في مكانتها في المراكز القيادية، وأدوارها الوظيفية وشرعيتها، ولنظرتها الدونية للشعب، وعجزها عن التعامل مع استحقاقات العمل السياسي الريفي، يبقى ضمير الشعب حاضر بقوة، سدا منيعا بوجه أي قوة تحاول المساس والعبث في إرادته واذلاله. تتميز الجماهير الريفية بحيوية، وأخلاقيات رفيعة ومواقف ممانعة مشرفة، وإرادة لا تلين، وطموح يحمل في ذاته بذور ومقومات البقاء والبناء والإرتقاء، وجلب تغيرات سياسية واجتماعية ضرورية، وقدرته على تنظيم ذاته.

على العموم، مستقبل الريف والمغرب على المحك. في وقتنا الحاضر، يسود التعصب ضد النظام القائم/المخزن. يجمع فيه الرأي العام الريفي على أن الريف متضرر منه، وفيه ضياع مصلحته. الكل “كاعي”. كما يرى في الدولة شرًا وأداةً لإدامة الاستغلال والتلاعب بمستقبل المنطقة والعبث به. هذا الجو العام السياسي السائد، يعزز الإحساس بالعزلة والانفصال، الثابت في اللاوعي الجماعي ويغدي شكوكه اتجاه مقاصد مسؤولي الدولة، ونجاعة مؤسساتها في تدبير الشأن العام بالريف وتنمية المنطقة والمجتمع، وضمان مستقبل الأجيال القائمة والمقبلة. يُنظَر إلى المنظومة المغربية على أنها عاجزة عن استيعاب الخصوصية الريفية ومراعات الواقع القومي التعددي في المغرب وعاجزة عن تقديم حلول سياسية للمشكلات المطروحة. في الكثير من الأحيان، هناك شعور بعدم الانتماء سياسيًا إلى المجتمع أو الدولة. الدولة بالنسبة له، فقدت مصداقيتها وهويتها، لكونها تقوم على القوة والعنف والمكر والخداع أكثر مما على القوانين والاعتدال والعقلانية. هذا ليس بتعصب جغرافي وإنما هو ملاءمة للوقائع وطبيعة الأشياء، ولا يجوز أن يثير حساسيات القوميات الأخرى

يترتب عن هذه العوامل المتضافرة فيما بينها:

  • إتساع الفجوة والتنافر والصدام بين الحاكم ومؤسسات الدولة المغربية والمحكوم الريفي.
  • اليقظة وتنامي صيرورة فكرية ووعيٍ يؤسس لنهوض ثقافي وتحقيق الذات.
  • ظهور مفاهيم أخرى حول ضرورة صياغة أفضل للنضال في الريف من أجل مكاسب سياسية وافاق أخرة.
  • طفت في الساحة السياسية تيارات تطرح تصورات، وطموحات تحمل في طياتها بما معناه “مشروع” سياسي للعودة الى الذاتية الريفية، بدرجات مختلفة، وأحقية الداعين إليها في استعادة لدورهم الأصلي، وفوقتيهم في تحديد مصيرهم، وتبوأ مواقع محورية في مجالهم الجغرافي، مما يُملي الحاجة إلى تطوير نظام سياسي وحاكمية جديدة وواعدة، كفيلة بتسيير شؤون مجالهم وتنظيم الحياة العامة، يمتلكون فيها القرار في تحديد ما هو صالح لقيادة الريف. تتبلور هذه التصورات في مفاهيم، بعضها يتجاوب مع الإطار المؤسساتي للدولة والأخرى مناهضة له، من بينها:
  • الحكم الذاتي
  • الإختيارالفدرالي
  • الاختيار الاقصى والتمرد على النظام والخروج على قواعده الشرعية (التيار السيادي)، والذي أربك خطط النظام وقلب حساباته

لا مجال لإستقصاء تفاصيل وحيثيات هذه المفاهيم. فيما يلي، أود وضع هذه الطروحات موضع قراءة نقد مبسطة وموجزة وابراز تحدياتها التي يمكن تخطيها:

  • البعد الجغرافي عن بؤرة الحدث. هذه السرديات تغذي نقاشات، وحوارات غالبية الفاعلين في المهجر
  • السطحية والانفصام بينها وبين غالبية الشعب (غياب البعد التعاقدي)، ثم أن بلورة لأي رؤية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن القاعدة الشعبية، والتشبث بالأرضية، ودمقرطة المعرفة الفكرية والحوار التواصلي مع القوى الاجتماعية. دينامية المجتمع الريفي هي طاقة ومادة خام، عفوية في تعبيراتها، تحتاج تأطير وتشكيل محكم، ومرافقتها ولكي لا يتم احتوائها من طرف نخب النظام، واستغلال مواردها المتاحة لأقصى حد ممكن. الأمم تقاس في ضوء قدرة قواها على تقديم خدمات لقضاياالمواطنين وتقديم مكاسب بارزة وفرص تاريخية
  • كيف ما كانت صيغة خارطة التشكيلات والتيارات، فإنها تفتقد لصفة تمثيلية واستقطابية جامعة، يَعُمُّها العجز في في الإنتظام والبحث عن طروحات عملية ومخارج واقعية، وتطال نهجها السياسي مناكفات وأخطاء، (في إستقطاب المناصرين والتموقع في صفوف الجماهير) وحالة التيه والإرباك وانغلاق الأفاق السياسية، مما جعلها حلقات مفرغة. وجود غموض ناجم عن طبيعتها ومساراتها والأهداف التنظيمية التي تسعى لتحقيقها. إذ ان هذه التنظيمات تطغى عليها معالم حقوقية، وثقافية و تفوق أبعادها السياسية.
  • وإن كانت هنالك إختلافات شكلانية خارجية في الغايات، فنفس الأسلوب ووسائل الإقناع ونمط العمل يسود النفسية الفكرية لأفرادها. نفس المعضلات، ونفس مواقع الخلل والسلبيات التي وقعت فيها التنظيمات والأطر السياسية التقليدية، والتي وقفت أمام نجاحها: الطروحات الإيديولوجية البرامجية (إنعدام رؤية إنتقالية رصينة ومتكاملة الأركان) والتفاعلية (المعالجة السطحية للإشكالات المستعصية المطروحة) وكدا على مستوى العمل التنظيمي، والاعراف والممارسة وضعف الانتاجية الفكرية.

استفهام حول سلامة منهج البحث في شؤون الريف

إعتدنا في أدبيات سوسيلوجيا الريف المتعارف عليها، على مغالطات منهجية، في الفهم والقياس والاستدلال، من بينها:

المقاربات القانونية والمؤسساتية، الفاقدة لقدرة تفسيرية موضوعية لكثير ميكانزمات التي تتحكم بمسارات وتطورات المجتمع في شموله. فضلا على المقاربة التاريخية. إسقاط أسباب الحاضر على مجريات الماضي وتفسير آثار الماضي على الحاضر. عادة ما يهتم الباحث في شؤون الريف بصفة ممنهجة بإبراز هذه الرابطة السببية (نمط تسلسلي خطي linéaire لتمكنه من إدراك الأسباب وإستكشاف دلالات السلوكيات والظواهر الاجتماعية في حاضر المجتمع السياسي الريفي (تجربة الجمهورية، والحركة الوطنية وجيش التحرير…)  القول بأن الحراك الشعبي في الريف مثلا هو نتيجة حتمية لجدور تاريخية متمثلة في الجمهورية الريفية و إنتفاضة 5859/ ، هو تفسير لايحتكم للواقع كمحك و يتجاهل الأسباب المادية والموضوعية والمتغيرات الواقعية وسلسلة متواصلة من المعطيات منها البيئة السيكولوجية. هذه الرابطة السببية تبقى نظرة جزئية للأمور، لا تكفي، وغير مُرَاهَنٌ عليها في الوصول إلى حقيقة الأشياء.

الملاحظ أن الفاعل الريفي يستمد جزء كبير من إيراداته من بطولات التاريخ وما يسمى “العصر الذهبي” كمصدر واحد “للريع النضالي” وكسند للشرعية والسلطة. ينتفع بها بشكل منتظم، في انتظار الحصول على عوائد محتملة. الملاحظ ان هناك غياب تام لأليات إنتاج إرادة الشعب. [إذا الشعب يوما أراد الحياة. فلا بد أن يستجيب القدر (الشاعر أبو القاسم الشابي)]

إن الحاضر السياسي الريفي له محدداته ومسبباته في زمن تفاقمت فيه المتغيرات. كما أن الجيل الحالي له كيان مستقل بذاته. لم يعايش تلك المراحل، فقط سمع بها وإلا لطالب علنا وبصريح العبارة بعودة الجمهورية الريفية الخ…

منهجية البحث السليم في معالجة شؤون الريف تستدعي اعتماد قراءة وصياغة تجمع بين مناهج مختلفة، والمنطلقات والمعاني الخاصة بالحقبة المدروسة، والفاعلين في تلك الظواهر، وبالتالي الخروج عن النسق، المتبع إلى يومنا هذا في تفسير الحقائق والوقائع الاجتماعية.

في سوسيولوجيا الريف، وفي ظل التحولات الجذرية والتطورات المتجددة بإتجاهاتها المتشعبة، يتعذر الإدراك والضبط الموضوعي لفهم سيرورات البنية الداخلية، والعملية السياسية والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمنظور الفعلي للقوى الفاعلة والمؤثرة، بغية النّفاذ إلى سر كينونة الإنسان الريفي. هناك إعتبارات شتى تفسر هذه الإشكالية:

  • شح في الاحصائيات والبيانات العلمية الموثقة، والمعطيات السليمة، والمراجع، وإسهامات أكاديمية بحثية دقيقة ومتكاملة، مختصة بموضوع السلطة.
  • التقلب الحاصل في الظروف والعلاقات والصراعات المستمرة.

الرؤية التحليلية والإستنتاجات والاستنباطات، الواردة في هذه الورقة، تعكس محاولة شخصية لإستقراء، ورصد أحوال المجتمع، والعلاقات الاجتماعية والمفاهيم، والمبادئ التوجيهية، والقيم التي يتَّبعُها، والتحديات السياسية والفكرية التي يؤمن بها. هذا لا يعني أن المشهد سهل التحليل والتفسير، فهو معقد ومتشابك للغاية، لذا وجب تشجيع الأبحاث العلمية التي تهتم بتطور المجتمع، والاستمرار في طرح كل القضايا والإشكاليات وإلتقاط الأفكار التي تشغل الرأي العام، للنقاش، وإعتماد الإستفهام والشك الممنهج كفلسفة تفكيرية لزعزعة المسلمات واليقينيات ومحاربة الشائعات والأساطير المزروعة في المخيال الريفي

وجب التمييز، من جهة، بين السردية السياسية الدعائية التي تقدم الأمور على أنها من البديهيات والأمور الثابتة، والمنهج العلمي الذي يستند الى معطيات ملموسة موضوعية جادة وذي مصداقية، من جهة أخرة

الملاحظ أيضا أن البحوث والدراسات الريفية المتداولة تُغيِّب من مباحيثها جوانب مهمة وأساسية، كمفهوم السلطة، فهي، في غالبها، مشحنة بالمسلمات، وتسبح في نطاق رؤية أحادية، وتوجهات مُسَيَّسة وميولات، تُشَرِّع في غالبيتها السلطة القائمة والمركز، وتخضع طوعا إلى مبادئه وثقافته وتطلعاته

  خاتمة

تعد السلطة مفهوم محوري ومسألة مركزية، وتحوي أهمية استراتيجية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.

إجابة على الأسئلة المطروحة في التمهيد وجب الإشارة الى القضية الأساس. يمكن القول بأن هناك أزمة فكر تعصف بالريف. والفكر، كما هو معروف، هو من دعائم الحرية والتحرر..

يظل الفاعل الريفي حبيس الإستبداد، و منطلاقات ورموز و شعارات سياسية، ونطاق فكري، طبخو في المركز.  السعي لمصلحته يقتضي إذن كخطوة أولى، تفكيك هذا الموروث الثقيل و التمرد عليه. والدليل على ذالك أن الفاعل الريفي، في الظرفية الراهنة، غائب من الريادة والقيادة. مفعول به، تتقادفه وتتجاذبه وتتنازعه أمواج المتسلط المتلاطمة، حتى ينتهي به المطاف في حظيرة السلطة المركزية، مُهجَّن ومُروَّض!!!

الفاعل الريفي أمام خيار تجديد فكره أو الإندثار. من اجل فتح الافاق، وإمساك مصيره بنفسه، وجب العودة للنشاط السياسي والميداني والتنظير، والهيكلة والمَؤسسة. كما ان محاولة لفهم ما يجري، يستلزم استئناف التساؤلات حول المصطلحات السياسة الأساسية: الدولة؛ السلطة؛التسلط؛ السيادة؛الذاتية الريفية ؛الإغتراب،… والقيام بمراجعات جدرية في العقل الريفي ونسق معتقداته و مفاهيمه و اليات تفكيره  و وجوده السياسي و الاجتماعي،… الذي صار اليه.

ما دامت الأفراد والجماعات تتغاضى عن مناقشتها في عمقها ولا تولي لها اهتمامات أكاديمية، والخوض في الأمور الأخرى الحاسمة والكبيرة، فلن يتم القفز من ذألك الهامش الى الواجهة.  كذالك ان تم تغييب التداول في هذه الامور الجوهرية، في الخطابات السياسية في الساحة العامة، سيوضح بأن الوعي المتظاهر به زائف. ومحاولة مقارعة سلطة المركزو كسر إحتكاره ، يندرج في إطار الشعارات الزائفة

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock