المغربمعتقل

شهادة صادمة للصحفي عماد ستيتو زميل الصحفي عمر الراضي حول جرائم البوليس السياسي المخزني

متابعة حراك الريف

إنذار أخير! ابلع لسانك… سنلطخ سمعتك بقضية جنسية، وستموت حياً ووحيداً في زنزانة.

ستموت حياً ووحيداً في زنزانة، وسنوقف حياتك، وسينتهي كل شيء بالنسبة إليك، فقط لأننا نستطيع… سنحطّمك، وسنلطّخ سمعتك وهي كل رأسمالك، وسينفضّ أصدقاؤك من حولك، وسيشككون في نقائك قبل أن يشكّوا في براءتك، وبعضهم قد يأكل لحمك حتى قبل أن ينضج، وسيخشى أكثرهم شجاعةً وجسارةً، التقدم إلى ساحة النضال من أجلك… هذه ليست مجرد تهديدات أو محاكاة خيالية، أنت فعلاً لن ترى الشمس أيها الصحافي المغربي لسنوات طويلة، وستزداد عزلتك، وستلتهم جدران زنزانتك في سجن عكاشة أفضل سنوات عمرك، وسيبقى الآخرون متفرّجين، وسيقتلهم العجز وكل يوم يشهد ميلاد متراس جديد يقتلع مساحات جديدةً من فضاء عام شبه مغلق من الأساس، هو الفضاء نفسه الذي مارست فيه غوايتك في مقاومة إشارات منع التوقف التي كانت زمن حريتك تتناسل كالفطر، غوايتك التي تحولت إلى لعنة.هذا جزء من مشهد كثيف، لكنه غير قابل للتوصيف. جرّبنا كل تلك الكلمات المستعملة لكنها لا تسعف في النجاة بتعبير لائق عن تراجيديا مستمرة منذ أكثر من عام ونصف العام. ماذا سنقول؟ أو بالأحرى ماذا سأقول؟ ومن أين سأبدأ؟ كيف ستُحكى هذه الحكاية؟ هل أكتب رثاءً أم كلاماً شجاعاً يرفع معنويات زملائي القابعين في السجون؟ أم أكتب عن فقدان الرغبة في الكلام، وعن مشاعري التي أصبحت جافةً ومحايدةً، وعما تعنيه محاولة بدء حياة جديدة؟في شارع الولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة تونس، كان المرور يومياً من أمام مقر نقابة الصحافيين التونسيين -بعد الاستيقاظ المتأخر بفعل أدوية النوم ومضادات الاكتئاب- يشعرني بأحاسيس متناقضة تتعايش في داخلي. على جدار مقرّ النقابة عُلّقت صورة كبيرة لزميليّ وصديقيّ المغيّبَين عمر الراضي وسليمان الريسوني. أتوقف لدقائق وأحدق مليّاً في الصورة، وألتقط صورةً جديدةً لها، وأمضي إلى وجهة غير محددة وأفكار مشوشة تتزاحم في عقلي.سيشككون في نقائك قبل أن يشكّوا في براءتك، وبعضهم قد يأكل لحمك حتى قبل أن ينضج، وسيخشى أكثرهم شجاعةً وجسارةً، التقدم إلى ساحة النضال من أجلك… هذه ليست مجرد تهديدات أو محاكاة خيالية، أنت فعلاً لن ترى الشمس أيها الصحافي المغربي لسنوات طويلة.كيف يمكن لحياة أن تتحول في لحظة إلى مجرد صور في بلاد أخرى؟ أصدقاؤك لا يزالون هناك وقد توقفت حياتهم قسراً وهم يواجهون نظاماً بأكمله جعل من التنكيل بهم والإمعان في قتلهم نفسياً ورمزياً، معركته الذاتية. تتذكر عائلاتهم -بابا دْرِيسْ وماما فتيحة وخلود- التي أصبحت تعرف طريق سجن عكاشة أكثر من الأحياء التي تقيم فيها، بسبب شبه المحاكمات المضحكة-المبكية التي تعرضوا لها مجدداً هذه الأيام من دون أن يُسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم أمام قضاة يعتقدون أن صلاة النوافل وصوم شوال سيغفران لهم آثامهم. وأنت الذي كان عليك أن تختار بين المحاكمة الغيابية والاستمرار في المشاركة في المسرحية الآن، وحيد جداً وكئيب وميت من الداخل أكثر مما مضى، تفتش عن أسباب للاستيقاظ في اليوم التالي ولا تجدها، وليس لك عزاء، وأحياناً تعذّبك عقدة الناجين، وتتساءل إن كنت من الناجين، وهذه التروما تشتد يوماً بعد يوم.القضاء…

شاهد زور

في 3 آذار/ مارس الجاري، وقبله في 23 شباط/ فبراير الماضي، وكما كان متوقعاً، لم تحصل أي معجزات، وأكدت محكمة الاستئناف في مدينة الدار البيضاء أحكام “الإعدام” القضائي الصادرة ابتدائياً في حق الصحافيَين عمر الراضي وسليمان الريسوني، المعتقلَين تعسفياً منذ ما يقارب السنتين.وسليمان الريسوني متابَع بناءً على تدوينة فيسبوكية يزعم صاحبها تعرضه لاعتداء جنسي من طرفه، وأيدت المحكمة بذلك الحكم الابتدائي القاضي بسجن الصحافي خمس سنوات، وهو الحكم الذي صدر في غياب المتهم الذي كان يخوض إضراباً طويلاً عن الطعام استمر 122 يوماً، فيما يتابَع عمر الراضي بمزيج من التهم التي تجمع بين الاغتصاب والتعامل مع جهات أجنبية، وقد أكدت المحكمة الاستئنافية الظلم الصادر ابتدائياً بإدانة عمر الراضي وسجنه ست سنوات، والحكم نفسه الصادر في حقي بعام سجنا.اختار القضاة مجدداً تجاهل كل مطالب الدفاع بالاستماع إلى الشهود، وصمّوا آذانهم عن الدلائل والحجج القانونية والتقنية الجديدة التي قدّمها المحامون في مرافعات طويلة امتدت لأسابيع. وسرد سليمان الريسوني خلال كلمته الأخيرة أو في أثناء استنطاقه، عشرات التناقضات في روايات المطالب بالحق المدني والثغرات والعيوب في استنتاجات الشرطة القضائية وملاحظات قاضي التحقيق.خلال المرافعات الأخيرة لهيئة الدفاع عني وعن عمر الراضي، تحدّى المحامون أن تقدّم جهة الاتهام لائحة الدول أو العملاء الأجانب الذين يُتهم عمر بالتخابر معهم، أو المعلومات السرّية الحساسة التي قدّمها وأضرّت بالوضع الدبلوماسي للبلاد، كما قدّموا الحجج الكافية على انعدام أي دليل مادي على مزاعم “الاعتداء الجنسي”.ماذا سنقول؟ أو بالأحرى ماذا سأقول؟ ومن أين سأبدأ؟ كيف ستُحكى هذه الحكاية؟ هل أكتب رثاءً أم كلاماً شجاعاً يرفع معنويات زملائي القابعين في السجون؟ أم أكتب عن فقدان الرغبة في الكلام، وعن مشاعري التي أصبحت جافةً ومحايدةً، وعما تعنيه محاولة بدء حياة جديدة؟ساد اعتقاد بأن تبنّي القطيعة مع النظام القضائي المغربي خلال المحاكمات السياسية، قد يكون أحد أسباب تشديد الأحكام، وهذا تحليل شائع انتشر حتى في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان والمناضلين والصحافيين، لكنه تقدير قد يكون وجيهاً لو كان الأمر يتعلق بمواجهة نظام سياسي يفكر بمنطق الربح والخسارة، لكنه نظام لا تستطيع العلوم السياسية تحليله، وهو نموذج عن تحول العقد النفسية إلى نمط للحكم.في الواقع، أثبتت هذه المحاكمات مجدداً أنه لا جدوى من الإيمان بالمسار القضائي في مثل هذه القضايا، وأن مثل هذه المحاكمات لا تستهدف ترتيب الحقيقة أو الوصول إلى العدالة والإنصاف، وأنه في نهاية المطاف تتم مناقشة هذه القضايا أمام المحكمة لأجل الضرورة الشعرية، ومن أجل إضفاء الشرعية على النظام القضائي وإعطاء الانطباع بأن الأمر يتعلق بمحاكمات جنائية عادية وروتينية.يعرف القضاة الذين يتولون مثل هذه الملفات، مسبقاً، ما الذي يتعين عليهم فعله بمجرد أن تُعرض عليهم الملفات. وكشفت وقائع المحاكمات التي كنتُ شاهداً على الكثير منها، أنهم في الحقيقة لا يكلّفون أنفسهم حتى عناء قراءة الملفات والمحاضر بتمعن، ويكتفون بإعادة قراءة الأسئلة نفسها التي طرحتها الشرطة أو قاضي التحقيق. لماذا بذْل جهد إضافي وهو أمر ليس مطلوباً منك، أيها القاضي الماثل أمامك صحافي؟ إذن، عليك أن تقرأ عناوين التهم فحسب، وأن تبحث لها عن العقوبة المناسبة في قانون العقوبات الجنائية وكفى.ولهذه المحاكمات تختار السلطة قاضي التحقيق نفسه لكل القضايا، والقضاة الجالسين أنفسهم. قاضيان أو ثلاثة فقط يتبادلون القضايا نفسها. بل تكون هذه القضية عند القاضي فلان خلال المرحلة الابتدائية، وقضية مماثلة عند القاضي علّان خلال المرحلة الابتدائية، ثم يتبادل القاضيان نفسيهما القضيتين خلال المرحلة الاستئنافية، على منهج بوتين-ميدفيديف. حدث ذلك مراراً وتكراراً: قضية توفيق بوعشرين، وقضية عمر الراضي، وحراك الريف، وغيرها. هل هناك سوريالية أكثر من هذا؟
حين تحولتُ إلى “عقدة في الرواية”تقول القاعدة إن المحكمة تنظر في ما يُعرض ويناقَش أمامها. لكن القضاة في المغرب لا يكتفون بتجاهل ما يقال أمامهم، وتأويله تعسفياً أو بناء تكهنات واهية وخيالية عنه فحسب، بل يلجأون أحياناً إلى تزييفه وتحريفه في أثناء تدوينه، بغية الإضرار بالأشخاص المتابَعين، وهو ما حصل معي شخصياً في المرحلة الابتدائية من محاكمتي أنا وزميلي عمر الراضي الذي لا زال يقاوم الجلاد بابتسامته المميزة وصراحته التي لا تُحتمل قسوتها.في الصفحة 237 من نص الحكم الابتدائي، تقول المحكمة إنني “لم أنكر سماعي المتهم الرئيسي وهو يهدد المشتكية باغتصاب ثلاثي”، وهو الأمر المخالف لما قلته في جلسة علنية عمومية بحضور عشرات المواطنين والمراقبين الحقوقيين الوطنيين والدوليين، إذ نفيت هذه المزاعم بشكل قاطع، سواء أمام المحكمة أو خلال أكثر من أربع جلسات تحقيق تثبتها محاضر الدرك الملكي وقاضي التحقيق.وهذا ليس مجرد خطأ مطبعي، أو سهواً بكل تأكيد، لأن نص الحكم يستعمل هذا التصريح الملفق والمحرف لاستنتاج تورطي، وتذنيب الراضي حين يقول الحكم: “…وهذا لا شك أمر مخيف ومحيّر لأنثى يُعتدى عليها من طرف ذئب بشري وشخص آخر قد ينقضّ عليها في أي وقت حسب هواه ومبادئه وأخلاقه”.توقعت كل شيء: أن تُحرَّف تصريحاتي أمام الدرك، وأن يتجاهل قاضي التحقيق في المحضر أخذ تصريحاتي بمجملها بحكم أنها تبقى تحقيقاتٍ مغلقةً، لكنني لم أتصور أن تصل الجرأة إلى حد تزوير كلام قيل أمام الملأ، ثم استعماله كإحدى وسائل إثبات الإدانة.في المحصلة الأخيرة، وإن فاقت العبثية نسق تصورات الخيال والأفكار، فإنها لم تكن مفاجأةً على الإطلاق. فمتابعتي من الأساس قصة نموذجية عن كيفية دوران الماكينة المقدسة. كان الدرس المراد توجيهه أن لا أحد يمكنه أن يتجرأ على تعطيلها، أو كيف تصنع فيلماً رديئاً من دون حوار أو سيناريو، وتصرّ على بيعه للجمهور، وأخذ الجوائز الأولى لأنك صاحب نفوذ.بعد أيام من سجن عمر، وصلتني رسائل التحذير غير المباشرة، عبر منشورات الأذرع الإعلامية للأجهزة الأمنية، ومئات الحسابات المزيفة على المواقع الاجتماعية. كان واضحاً أن شهادتي أضحت تشكّل مشكلةً لمخرج الفيلم، وكان الغضب شديداً وربما جاوز الغضب الذاتي على هذا الفشل الذريع في صياغة حبكة متوازنة، غضبهم عليّ، وطالب موقع إلكتروني النيابة العامة بتحمل مسؤوليتها في حالتي.لاحقاً، وصلتني رسائل الوسطاء الاعتياديين -في هذه الحالة من داخل الجسم الصحافي- وكانت صريحةً: “ما زال بإمكانك تدارك الأمر، لست هدفنا الرئيسي، يمكنك النجاة بنفسك…”. هذا أسلوب كلاسيكي ذو طبيعة مغربية؛ الترهيب ثم الترغيب… كمحاولة أخيرة لجس النبض قبل اتخاذ القرار النهائي. تركت الرسالة من دون جواب… والتجاهل في مثل هذه الحالات ليس حياداً من وجهة نظر حابكي الطبخة، بل عنصر مربك وثقيل جداً، لأن التساهل مع الأمر أو التسليم به سيتسببان في ارتجاج بالغ لقلعة الخوف، وقد يخلق حالات تحدٍّ جديدة لا تتقبلها نفسية السلطة… لذلك كان لا بد من التخلص من هذه الشخصية العقدة في الرواية. كان لا بد من التخلص منّي، وجرّي أنا أيضاً إلى اتهامات باطلة.وصلتني رسائل التحذير غير المباشرة، عبر منشورات الأذرع الإعلامية للأجهزة الأمنية، ومئات الحسابات المزيفة على المواقع الاجتماعية. كان واضحاً أن شهادتي أضحت تشكّل مشكلةً لمخرج الفيلم، وكان الغضب شديداً.
أوضحت للمحكمة أن من قمة العبث أن يتم توجيه اتهام إليّ، بعد شهرين من قرار متابعة زميلي عمر الراضي في حالة اعتقال، وتحدّيتهم في أن يخبرونا ما الذي استجدّ بعد شهرين من استنطاقي كشاهد على الواقعة الجنائية المفترضة؟ ما الذي لم يكن متوفراً من معطيات ولم تنتبه إليه جهة الاتهام حينها؟ فتصريحاتي كانت معروفةً، وليست جديدةً، كما تم إجراء مواجهة بيني وبين بقية أطراف القضية.قال ممثل النيابة العامة في إحدى الجلسات إنهم مقتنعون بتورطي واتفاقي على ارتكاب الجرم المزعوم، من دون أن يخبر المحكمة بما جعله يشكّل هذه القناعة، مكتفياً بالتخمين بكوني كنت في صدد القيام بعملية الحراسة والمراقبة للمتهم، كما لم يصل قاضي التحقيق طوال ثلاث جلسات تحقيق إلى حجج دامغة، وعلل قرار المتابعة بأن من حقه تكوين قناعته بناءً على شهادة الشاكية، وانطلق من تصور شخصي وأخلاقوي بشأن منطق العلاقات الحميمية في المجتمع المغربي وطبيعتها، إذ لا يستقيم، بناءً عليه، إجراؤها بحضور شخص آخر، وهو المنطق نفسه الذي اعتمدته المحكمة في تبرير إدانة عمر الراضي حين تحدثت عن استحالة قبول “العقل السليم” لذلك.تختار المحكمة تكذيب شهادة من تريد، وتصديق شهادة من تريد، واعتماد التصريحات التي تراها مناسبةً وملائمةً للحكم المعروف سلفاً، وتقوم باستبعاد التصريحات التي لا تسير في الاتجاه نفسه، أو التي من شأنها إرباك السيناريو المكتوب، كما يمكن لها اعتماد شهود لم يكونوا شهوداً على واقعة الاتهام، وهو ما حدث في هذه القضية.في واقعة الاعتداء الجنسي المزعومة، قدّمت هيئة الدفاع عني وعن عمر الراضي، دلائل تقنيةً دامغةً على عدم جدية تصريحات من جرى تقديمه على أنه شاهد ادّعاء، من قبيل كذبه بخصوص حالته العائلية وطبيعة علاقته بالشاكية، واستحالة تواصله المباشر معها في الوقت الذي تدّعيه، وفقاً للمعطيات التي قدّمها دفاعها. كما رفضت المحكمة من دون تقديم أي مبررات، مطالب هيئة الدفاع بفحص شهادة شاهد الادّعاء، واستدعائه إلى المحكمة، والتحقق المستقل من صدقية شواهد طبية بشكل متأخر، وعلاقتها بالقضية.

كيف تربح محاكمةً وتخسر حكماً؟

كنت أتابع أطوار المرحلة الاستئنافية التي أحاكم فيها غيابياً، بعد مغادرتي البلاد، عبر تغريدات من تبقّى من زملاء ما زالوا يغطّون هذه المحاكمات، معظمهم يشتغلون بشكل حر، أو لا يشتغلون حالياً، وخلال المرحلة الابتدائية مورست ضغوط على عدد من الصحافيين للكف عن الحضور وتغطية محاكمات الصحافيين بشكل مستقل. كانت الضغوط مثمرةً بكل تأكيد، وتوقف عدد من الصحافيين عن تغطية المحاكمات. كانت الرسالة واضحةً: لا مجال للحياد… واستمرت الضغوط وحملات التشويه خلال المرحلة الاستئنافية وحتى بعد صدور الأحكام، وتلقّت زميلتي عايدة علمي، هديتها بمناسبة اليوم العالمي للمرأة: تهديدات بالقتل.هذه المحاكمات الاستئنافية كانت نسخةً طبق الأصل من المحاكمات الابتدائية. الأسئلة نفسها سيئة النية والسوريالية كانت تتكرر من القاضي أو من ممثل النيابة العامة، وهذه الأخيرة التي دمجت قضيتين ذات طبيعتين مختلفتين في قضية واحدة: “الاغتصاب” و”التخابر مع جهات أجنبية”… كان المشهد مثيراً للسخرية والشفقة والتقزز، وكانت الأسئلة تنتقل من لون الأرائك وأوضاع الممارسة الجنسية إلى أسئلة عن حراك الريف وشركات أجنبية وديبلوماسيين وأسفار إلى الخارج.خلال هذه المحاكمات الصورية، كان زملائي المسجونون على الرغم من الأسئلة المستفزة وتحامل القضاة، يتمالكون أعصابهم ويواجهون هذه الصفاقة بشجاعة ويجيبون بوضوح. لم تكن تراودهم الأوهام بخصوص النتائج أو إمكانية إنصافهم من طرف قضاة كانوا لا يخفون عدم اكتراثهم في أثناء إدلاء المتهمين بروايتهم، وبعضهم كانوا يغطّون في نوم عميق. كنا نعرف أننا خسرنا الحكم مسبقاً، لكن كان لا يزال في إمكاننا الانتصار في المحاكمة. كان مهماً أن تتحول هذه المحاكمة إلى محاكمة لجهة الاتهام نفسها، بل محاكمة لأعطاب النظام القضائي، ومحاكمة شاملة لعيوب دولة تُسيَّر بالأحقاد.دمجت المحاكمة قضيتين ذات طبيعتين مختلفتين في قضية واحدة: “الاغتصاب” و”التخابر مع جهات أجنبية”… كان المشهد مثيراً للسخرية والشفقة والتقزز، وكانت الأسئلة تنتقل من لون الأرائك وأوضاع الممارسة الجنسية إلى أسئلة عن حراك الريف وشركات أجنبية وديبلوماسيين،تفوّق عمر الراضي وسليمان الريسوني في دحض تهافت الاتهامات الموجهة إليهما، وقدّما أمام المحكمة عشرات التناقضات والثغرات في الروايات التي بُنيت عليها هذه الاتهامات. انتصرا في محكمة الرأي العام، الذي كان يزداد يقيناً من براءتهما كلما تقدمت جلسات المحاكمة وعُرضت “الأدلة المزعومة”.

انقلب السحر على الساحر.

أراد كاتب سيناريو هذه القضايا تعريض المتهمين لمحاكمة رأي عام، لكن حصل العكس.
الإستراتيجية الجنسية… آخر طقوس التعذيب.لجأت الدولة في السنوات الأخيرة إلى فبركة قضايا أخلاقية لتصفية الأصوات النقدية خصوصاً في الجسم الصحافي. كان الغرض من ذلك إضعاف التعاطف الشعبي معه عبر ترسيخ صورة ذهنية فاسدة عنهم، وإحراج المتضامنين معهم في الوسط الحقوقي، وحرمانهم من دعم منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم. لم ترِد أن يصيروا أبطالاً في عيون الناس، بل أرادت تلطيخ سمعتهم والمس بشرفهم، وكان الهدف الثاني هو بعث رسائل تهديد مبطنة إلى البقية: قد تلقون المصير نفسه. كادت الخطة أن تنجح…أمام اتهامات مماثلة في قضايا اعتداء جنسي، يصبح الشك معقولاً جداً، والتردد في إفراز المواقف الواضحة أمراً مشروعاً، فيصير عليك أولاً إقناع محيطك، قبل أن تحاول إقناع العالم.وبعد هذه الاعتقالات ساد شبه صمت رهيب. كنا في حاجة إلى امتصاص الصدمة قبل التفكير في كيفية المجابهة وقيادة حملات مناصرة وتضامن وترافع من أجل المعتقلين. كان ذلك يشبه خوض مباراة العودة في كرة القدم وأنت خاسر بأربعة أهداف نظيفة ذهاباً.لكن جرى تجاوز هذه الصعوبات والإكراهات تدريجياً. ومع مرور الوقت بدأ حجم التضامن يكبر، ووعي الجمهور بطبيعة هذه القضايا يزداد. وعلى الرغم من أن عدد الناشطين ميدانياً في لجان التضامن لم يكن كبير الحجم، إلا أن السلطة كانت في المقابل تتعامل بانفعال بالغ مع معظم دعوات التظاهر من أجل إطلاق سراح المعتقلين، أو بيانات التضامن الوطني، أو أي أنشطة تهدف إلى التعريف بالقضايا وأوضاع المعتقلين.خسرت الدولة رهانها على الصمت الخارجي لحساسية الاتهامات، وتبنت معظم منظمات حقوق الإنسان قضايا الصحافيين المعتقلين في المغرب، وانتقدت افتقاد الإجراءات القضائية شروط المحاكمة العادلة، وعبّرت عن خشيتها من تحول هذه المتابعات في قضايا أخلاقية إلى نمط قائم بذاته تستعمله الدولة في المغرب لقمع الأصوات النقدية.
أموال طائلة صُرفت، ومؤسسات دولة كاملة وُظّفت لإضفاء الشرعية على هذه القضايا وتصويرها وكأنها قضايا جنائية عادية، فخُصصت برامج تلفزيونية كاملة في قنوات عمومية لمهاجمة الصحافيَين المعتقلَين والمتضامنين معهما، والدفاع عن “استقلالية القضاء المغربي” في مواجهة ما عُدّ ضغوطاً تمارسها المنظمات الدولية على المغرب، وجرى تمويل إنشاء جمعية للدفاع عن “ضحايا الاغتصاب”، أسسها المحامون أنفسهم الذين يترافعون ضد المتهمين، ولم تتبنَّ الجمعية المحدَثة أي قضايا أخرى غير القضايا التي يتابَع فيها الصحافيون، بل كان أحد أعضائها متهماً باغتصاب مساعدته المنزلية.في ذلك الوقت، كانت السردية الرسمية تواجه الإجماع الوطني والدولي بعدالة قضايانا، مستنجدةً ببيانات صادرة عن هيئات شبه أمنية. كانت بيانات النقابة الوطنية للصحافة، والمندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، والودادية الحسنية للقضاة، تتطابق، فيما تولى المجلس الوطني لحقوق الإنسان في بياناته تبييض الخروقات التي عرفها المسار القضائي في هذه القضايا، بينما كانت مندوبية السجون التي كان رئيسها يتصرف كوزير حرب، تصدر بياناً كل يوم تقريباً تهاجم فيه المعتقلين وعائلاتهم، وتصفهم بـ”المجرمين”.”مواقفنا واضحة. جميع المزاعم بالاعتداء الجنسي والشكاوى الصادرة، من أي طرف كان، وضد أي طرف، كان يجب أن تؤخذ بجدية، وأن يُفتح فيها تحقيق شفاف ونزيه وعميق ومحايد، ومن دون أفكار مسبقة، بغية الوصول إلى الحقيقة، وهو ما لم يحصل في هذا الملف، لأنه لو ذهب التحقيق إلى أبعد مدى، لما وصل الملف من الأساس إلى محكمتكم، والواقع أننا منذ البداية عوملنا وكأننا مدانون ويجب أن تثبت إدانتنا… قضايا الاغتصاب مأساة وليست أصلاً تجارياً، ولا يجب أن تكون وسيلةً لتحصيل المال السهل، أو سبيلاً لتصفية الحساب مع صوت مزعج…”، قلت في كلمتي الأخيرة أمام المحكمة الابتدائية قبل أكثر من ثمانية أشهر، طالباً من المحكمة تحمّل مسؤوليتها التاريخية، وأن تحكم ضد الظلم، وأن تنتصر للعدل.سليمان في السجن لأنه كتب تدوينةً عُدّت قاسيةً، وعمر معتقل لأنه انتقد بشكل علني مسؤولاً أمنياً نافذاً في البلاد، ثم تجرّأ على إعلان التجسس على هاتفه النقال.بكل تأكيد لم أكن مقتنعاً ولو للحظة بقدرة المحكمة على تحمل هذه المسؤولية التاريخية. كانت مجرد كلمات ضرورية للتداوي من اليأس فحسب، وحتى لا أصل إلى مرحلة الكفر بالبلاد، والأهم من ذلك التأكيد على خط ونهج حرصنا على تبنيهما منذ البداية في لجان التضامن والترافع: أن نبقى أوفياء للمرجعية الحقوقية، وأن تكون معركتنا موجهةً ضد المرتكبين الفعليين للجرائم، وليس ضد الأدوات… إنه صراع رمزيات.كما كان منتظراً، لم تكن المحاكمة الاستئنافية لتغيّر شيئاً من مصير محدد سلفاً من أحكام صادرة ضد عمر وسليمان، لأسباب أخرى غير معلنة لكنها معروفة. لا يخفي بعض المسؤولين ذلك في المجالس الخاصة، وفي الكواليس ينطقون بصك الاتهام الحقيقي: سليمان في السجن لأنه كتب تدوينةً عُدّت قاسيةً، وعمر معتقل لأنه انتقد بشكل علني مسؤولاً أمنياً نافذاً في البلاد، ثم تجرّأ على إعلان التجسس على هاتفه النقّال.وقبل أن يساقا إلى هذه المحنة، تلقّى الصحافيان عشرات التحذيرات المباشرة وغير المباشرة من بعض الذين يقدّمون أنفسهم كوسطاء بين السلطات العليا والمجتمع. في الواقع -وقد اطّلعتُ على جزء من فحوى هذه الرسائل التي كانت تُرسَل بين الفينة والأخرى- لم تكن تحذيرات بل تهديدات وإنذارات أخيرة للصحافيين بالانصهار في منظومة الخوف الشامل، وإلا سيندمون يوم لا ينفع الندم، وستُفتَح “أبواب جهنم”.وفي حالة عمر، كان التحذير الأخير واضحاً ويقول إن إصراره على تنظيم ندوة صحافية يدافع فيها عن براءته من تهم التخابر بعد التحقيقات الماراتونية أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، هو خط اللا رجعة… حصل ذلك مباشرةً بعد الفخ الذي نُصب لي معه مباشرةً بعد خروجنا من مطعم في الدار البيضاء، واستفزازنا ومحاولة الاعتداء علينا من طرف مصوّر يعمل لصالح موقع “شوف تي في” الممول من طرف الأجهزة الأمنية، بعد تعقب وتلقف للأثر والتحركات امتدا لأيام طويلة.لكن عمر بقي وفياً لنفسه، وغير خاضع للمساومة، ورفض أن يغلَق عليه في هذه الثكنة شبه الأمنية التي يُسمح فيها أحياناً للمدنيين مثلنا بالخروج للتنزه وقول بعض الكلام غير المزعج. نظّم ندوته وحضّر نفسه لهذا الاعتقال الذي كان يدنو يوماً بعد يوم، وكان يعرف أن وقته قد حان، وطلب مني أن أبقى صامداً ومتماسكاً.”… لتسمح لي المحكمة بأن أعود إلى تسعينيات القرن الماضي في تونس، حيث حوكم صحافيون ومعارضون ومفكرون بتهم جنسية، وكانوا يأتون بضحايا مزيّفين، وبحقوقيين مزيّفين، وبصحافة صفراء لتبييض هذه الجرائم المتمثلة في فبركة الملفات، لكن لاحقاً نُظّمت جلسات استماع علنية للضحايا الحقيقيين، وكُشفت الحقيقة، وأصبح الضحايا المزيفون والحقوقيون المزيفون والصحافة الصفراء يُسمّون البلطجية”، بهذه الكلمات أحال عمر على النموذج التونسي خلال حكم بن علي في كلمته الأخيرة خلال هذه المحاكمة الخرافية.والمشهدية ليست جديدةً على الإطلاق وليست اختراعاً مغربياً. هذه أنظمة تقرأ من الكتاب المدرسي نفسه. قصة الضابط موافي، أو بالأحرى صفوت الشريف، “انحراف المخابرات المصرية سنة 1968″، لا تزال تحتفظ بكثير من الجاذبية وتنفخ كثيراً من الأفكار القميئة في الرؤوس المريضة لجموع السيكوباتيين الذين يديرون أجهزة الرعب صاحبة الآذان الطويلة والعيون التي لا تنام، التي تقتحم غرف النوم وتفتش في الحميمية بحثاً عن الإذلال والإخضاع… عقول أمنية تخزّن طاقةً هائلةً من الشر مهووسة بالألعاب الجنسية، ابتلعت الدولة نفسها خلال هذه السنين الملعونة وتحولت إلى “كباريه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة