معتقل

شهادة مختطف عائد من جحيم الحموشي

جواد الصابري

في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات..
كانت الساعة تشير حوالي الخامسة والنصف صباحا من شهر رمضان، دوى قرع وصراخ وضجيج قادم من خارج المنزل؛
وا الأصريحي، وا جواد، وا بوعلي.. أزم أزم أقان ذا كواند… هكذا كان محسن يصرخ لأكثر من مرة وراء الباب، كنت حينها قد آويت إلى الفراش قبل نصف ساعة تقريبا. في بادئ الأمر لم أستطع أن أميز إن كنت أحلم أم أعيش الواقع، لكن بعدما تكرر هذا الصوت أكثر من مرة، اجتاحني إحساس بالخوف سبق إدراكي.. هناك تيقنت أن زوار الليل على عتبة البيت حيث مرقدنا.. بحركة سريعة وثبت واقفا أهم بفتح الباب، وقبل أن أصل اصطدمت بالأصريحي الذي همّ أيضا لنفس الغرض، لم نفهم ماذا يحدث بالظبط ومصدر كل هذا الضجيج حتى امتلأ البيت بغرباء شداد غلاظ تملأ وجوههم السمرة، ملامحهم غير مألوفة عندنا. فريق قادم من جهة السطح وأفراد أخرى تدخل من نافذة البيت التي تعلو لأزيد من ثلاثة أمتار، وعناصر أخرى تلج من الباب الرئيسي للطابق بعدما أحدثت كسورا وتخريبا عند المدخل.
فجأة صرنا محاطين بأكثر من ثلاثين عنصرا مسلحين بمسدسات وعصي كهربائية، يلهثون وعيونهم جاحظة تطوف في جميع الإتجاهات كانها تبحث عن مجرمين خطيرين فارين وسيل من السباب يتطاير من أفواههم ( أولاد اسبانيول، الأوباش، مساخط سيدنا، الفتانين، أولاد العاهرات…) انقضوا علينا كما ينقض النمر على فريسته.. كانت أعيننا شبه مغمضة، بين النوم والإستيقاض، وأثار الخوف والهلع بادية على محيانا شكلت لنا صدمة لازمتنا شهورا طويلة… حين انقضوا علينا، منع عنا الكلام أو الإستفسار عما يحدث وسبب هذه المداهمة دون سابق إنذار !!
بحركات سريعة مصحوبة بعنف تم تكبيلنا مثنى مثنى، وكأن الوقت كان يداهمهم أو أنهم أتو خفية ليختطفونا دون أن تعلم العامة ذلك. رأيت بعيني كيف جرجروا صديقي محسن على درج المنزل بعنف مقصود حتى جرحت إحدى أصابع قدمه، إلتمست من أحدهم أن يمهلني حتى ألبس ملابسي فصرخ في وجهي بنبرة حادة ملؤها الغضب واللعاب يتطاير من فمه: تحرك غادي يلبسوك لهيه؛ تمكنت من الحصول على حذائي دون أن أنتعله وبقي في يدي، شبه عار ولا أملك حينها إلا ملابس النوم، قميص شفاف وسروال داخلي من التبان وحافي القدمين، نفس الشيء مع زميلي الأصريحي.
في الوقت الذي اأخرجونا من المنزل كانت عناصر أخرى ترابط خارجا بأعداد كبيرة لا نعرف من أين أتوا موجهين إلينا عدسات الهاتف يصورون المشهد وكأنهم تمكنوا للتو من إحباط عملية إرهابية. فأركبونا في سيارات من النوع الكبير بترقيم عادي لنقتاد مباشرة صوب مخفر الشرطة بالحسيمة، حينها فقط أدركنا أنهم من عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. عند وصولنا إلى مدخل الحسيمة بدت المدينة حزينة وكأنها أعلنت الحداد أيضا بسبب الحملة الرهيبة التي اجتاحت المدينة من مداهمات واقتحام للبيوت واختطافات للنشطاء في جوف الليل وترويع العائلات. أنزلونا مباشرة وقاموا بتوزيعنا على بعض المكاتب، ليتم تركنا هناك لأزيد من ساعتين لا نعلم ماذا يحدث ومصيرنا أيضا، وبعد لحظات قاموا بالمناداة علينا فردا فردا إلى مكتب آخر من أجل انتزاع اللعاب من أفواهنا وأخذ بصمات اليد.. مرة أخرى أركبونا في سيارات الشرطة لكن هذه المرة مكبلين فرادى إلى الخلف دون الإفصاح عن الوجهة..
إنطلق مرة أخرى الموكب، لكن هذه المرة عبر سيارات الشرطة من نوع خاص كانت قد قدمت إلى الحسيمة قبل حملة الإختطافات بأيام قليلة مكتوب عليها B.R.I، إنطلق الموكب يطوي المسافات لنفينا خارج المدينة وشريط التخمينات ينطلق أيضا بسرعة ليبدأ معه مسلسل آخر من العذاب ومرحلة جديدة شكلت منعطفا كبيرا في سجل حياة كل فرد منا.
لا زلت أتذكر اليوم السادس من يونيو الحار الذي صادف أول يوم امتحانات لتلاميذ الباكالوريا وتزامن أيضا مع الأيام الأولى لرمضان، بين حالة الخوف والفزع الذي استوطن مخيلتنا والجوع والحرارة ووعرة الطريق الطويلة التي سلكناها ونحن مكبلين إلى الخلف، والإرهاق الرهيب الذي نال منا كليا، نحاول فهم ماحدث ونرتب الأفكار المبعثرة لكننا لم نستطع استيعاب ما يدور حولنا والجدوى من هذه العمليات الهوليودية ؟!!.
في تلك اللحظات اعترتني أفكار عديدة ومر بي شريط حراكنا السلمي الذي عشناه بكل تفاصيله منذ أولى لحظات طحن الشهيد محسن فكري إلى غاية هذا اليوم الذي أجد فيه نفسي مكبلا إلى الخلف، أُساقُ إلى مقصلة التحقيق واستقبال تهم لم أكن أسمع عنها إلا عبر الشاشات ونقاشات السياسيين الحالمين بالسلطة !! هكذا وجدنا أنفسنا داخل أقبية الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء بعد رحلة عذاب مريرة فاقت ١٤ ساعة متواصلة دون توقف أو أكل ولا شرب، صوم عن الطعام والكلام أيضا.. لينطلق مرة أخرى مسلسل آخر ومرحلة أخرى من العذاب والتحقيقات المتواصلة ليل نهار دامت سبعة أيام كاملة.
-هذا قليل من كثير حدث، سآتي في القادم من الأيام على ذكر تفاصيل أخرى عشناها بعد ذاك اليوم المشؤوم من اختطافنا واقتيادنا صوب الدار البيضاء.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock