تمازيغتدراسات وأبحاث

شيءٌ من سوسيولوجيا الأدب الأمازيغي، أو تمهيد للنقد الأدبي لرواية تايري تاملاّلت

بقلم سعيد بلعضيش

ما أن تم إعلان خبر صدور رواية تايري تاملاّلت (الحبّ الأبيض) للروائي “زكرياء بُوْزرُور” حتى انتشر الخبر في وسائل التواصل الاجتماعي، وقوبلت بالفرحة والغبطة، لشعور المتتبعين بأن الرواية الأمازيغية بخير رغم ما يعانيه الروائي من تهميش، ويؤكد أيضا أن الأدب الأمازيغي هو صناعة فردية. فدخول الأقلام الشابة ميدان الرواية، فيه إغناء للتجربة الروائية الأمازيغية، خصوصا وأنه أدب خاضع لتجربة أدباء وكتّاب جمعتهم الجغرافيا، إلا أن تشظّي الواقع قد فصل بينهم، إضافة إلى أنهم ليسوا نتاجاً لمدارس أدبية أو مؤسسات دولتية. مصدر تلك الغبطة هو الزخم الذي رافق صدور الرواية، من حيث التعليقات والقراءات الفردية هنا وهناك، خصوصا إذا علمنا أن الرواية الأمازيغية المغربية بدأت متأخرة مع تجارب جارتنا الرواية القبائلية، والتي استطاعت أن تخطو خطوات مهمة على صعيد تجربة الكتابة.

والرواية قد شكّلت ميدانا لسوسيولوجيا الأدب (منذ جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان وآخرين)، حيث كتب ثيودور أدورنو مثلا مجلّدين “رسائل حول الأدب” وهي مجموعة مقالات في النقد الأدبي، كما كتب كتابا عنونه بـ”الأخلاق الصغرى Minima Moralia” مذيّلا بعنوان فرعي: “تأملات من حياة معطوبة”، وفيه تلميح مضاد لعنوان أرسطو “الأخلاق الكبرى Magna Moralia”. ذلك أن “حياة خاطئة لا يمكن أن تُعَاش على نحو صائب” كما قال أدورنو، بمعنى أن التجربة الأخلاقية للفرد محددة بحالة العالم الأخلاقي الذي يعيش فيه، ومن ثمَّ فالحياة الخاطئة (حال العالم الأخلاقي) لا يمكن أن تُعَاش (أو أن تفتح ممكنًا لأن تعاش) على نحو صائب. بمعنى أن تصوّره للأخلاق يقوم على كون الفكر الأخلاقي هو انعكاس للتجربة التي تتبين من خلال الممارسات الأخلاقية، وعدم صوابيتها نابع أساسا من مؤسسات المجتمع التي تمت عقلنتها عن طريق احتياجات وميكانيزمات الإنتاج والتراكم الرأسمالي.

ويقترب هذا الأمر من مضمون رواية (تايري تاملاّلت)، التي لم تكن الوحيدة الصادرة خلال هذا الموسم، وإنما صدرت روايات أخرى. وهي روايات تختلف من حيث موضوعاتها وأساليبها الروائية، وتعكس شخصيات كتّابها وانفرادهم، بحيث أن كل كاتب يطبع الرواية بطابعه الشخصي، فالنص يكون صورة لبحث الكاتب واجتهاده، ولنصّ “تايري تاملاّلت” ميزة خاصة، وهي أن المؤلف لم يكن مخلصا للنص وبنيته الأدبية أكثر من إخلاصه لتجربته في شكلها العام. وهذا النص الذي يقدمه زكرياء بوزرور هو نصّ سردي، لكون كلّ نص سردي “يقدم حدثا عبر إعادة قول سلسلة من الأحداث والأوضاع”(مرسل فالح العجمي، “الواقع والتخييل، أبحاث في السرد تنظيرا وتطبيقا” ص 18) عبْر سارد صريح هو الكاتب. كما يتضمّن النص حدثا حقيقيا، هو حدث تجربة الحب من طرف واحد والفراق الذي أعقبها، وهو موجّه بطريقة صريحة لمخاطَب سردي ضمني. وقد مُرّر النص عبر وسيط هو “الرواية” (حسب ما صرّح بذلك الكاتب).

للوقوف عند طبيعة النص، شكله ووظيفته والكفاءة السردية للنص ومتلقيه وما يقتضيه تفحص الجوانب المشتركة بين جميع النصوص السردية (على مستوى الحكاية أو الخطاب) والمحددات التي تجعل نصا من النصوص يختلف عن نص آخر. يجعلنا نتساءل عن القدرة على إنتاج النصوص السردية في الكتابة وفهمها في أثناء عملية القراءة. فهذا النص الذي نحاول دراسته، مثل بقية النصوص السردية، يتكوّن من عنصرين متكاملين: “الحكاية” و”الخطاب”. تمثّل “الحكاية” سلسلة الأحداث، بحيث تضمّ “أفعالا” و”وقائع” (حدث الالتقاء مع الحبيبة، وجلسات الحي الجامعي، والسفر إلى تامازيرت)، أما “الموجودات” فإن الشخصيات غائبة، وتحضر بضمير الغائب دون إطلاق التسميات عليها، أما الفضاء المكاني والزماني فهو الحي الجامعي في زمن الدراسة الجامعية، بحيث تحوّل المكان الواقعي إلى مكان مجرّد؛ وكلّها تعكس شكل المضمون ومادّته. أما “الخطاب” فهو التعبير الذي يتكفل بتقديم المحتوى إلى قارئ أو متلقٍ، ومن حيث شكله فقد أخذ بنية تفصيل سردي تأويلي من طرف السارد، ومادته هو التعبير اللفظي المكتوب. ذلك أن شخصية البطل (لم يطلق عليه الراوي أية تسمية وتركه مجهول الاسم، بحيث يتوارى خلفه السارد) يدور في فلك سياق اجتماعي حقيقي لمجتمعنا خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. وهذه الشخصية المتوارية مقتبسة مما عاشه الراوي حقيقة في الواقع، وبنى تصوّره لتايْري، كفضيلة أخلاقية، من خلال رصد التغيّرات القيمية للمجتمع، بحيث قدّمها الراوي من خلال رؤيته الذاتية.

وفي ما يتعلق بـ”حالة الخطاب”، فقد أخذ التعبير شكل بنية توصيل سردي تأملي، ومادته هي النص السردي. ذلك أن النص لم يعد مجرد “موضوع مادي” مطبوع على الورق، وإنما صار “موضوعا جماليا”، تحرّر من ماديته كأحداث واقعية جرت أطوارها في الواقع الفعلي وضمن مؤسسات اجتماعية ليصير خطابا مكتوبا، ككتاب مطبوع وسلعة متداولة في السوق (ولو توقّفنا عند هذا المستوى لصار النص ميّتا، جامدا، ولكن اللحظة التي يشرع فيها القارئ في قراءة الكتاب تُبعَثُ الحركة في الأشياء من جديد، وتتحوّل إلى مؤثرات، إلى تجارب، إلى مواضيع جمالية. هكذا يعرف النص تحوّلات مهمة، من شيء إلى خبرة ذاتية، هي التحول من نقله من ماديته إلى كونه تجربة داخلية تثمر خبرة ذاتية (ص 26).

ومن خلال تحليلنا لعناصر الحكاية، سنقف عند أحداثها الكبرى [ونقصد بالحدث انتقال من حالة سردية معطاة إلى حالة سردية مختلفة، وهو انتقال يتم بفعل فاعل أو يقع على مفعول]، وهي مجرد بنية سردية ترتبط بالحبكة أو الخطاب. إنها تقديم لاحق لأحداث يفترض أنها حدثت في فترة سابقة، وهذا الترتيب هو الذي يحدد جودة الحبكة. ذلك أنه يتأسس على علاقة منطقية أو سببية تحكم ذلك الترتيب (لها بداية ووسط ونهاية)، البداية لا يسبقها أي شيء، ولكنها يعقبها أو ينتج عنها بالضرورة شيء آخر، الذي سيشكّل الوسط، والنهاية على النقيض من ذلك تعقب بالضرورة شيئا آخر ولا يعقبها شيء. (الواقع والتخييل، ص 28). فهل هذا التعاقب عند زكرياء يستند لمعطيات أنطولوجية أم لصياغات أدبية وثقافية؟ تلك السببية هي نموذج محتمل ومحكوم بمعطيات حدثية أو منطقية. (احتمالات أو سيناريوهات الرواية، زكرياء حسم منذ البداية، وما سيأتي هو ناتج بالضرورة من فكرة الانطلاق الأولى، وبالتالي فهي من حيث البنية قصة أكثر مما هي رواية).

يتحدث الراوي/المؤلّف في “المقدمة” عن الصراع بين الأحلام والواقع، ففي الأحلام تتحقق الطموحات وفي الواقع تنكسر، فيعيش الإنسان شرخا بين ما يرغب فيه وما يعيشه. هذا الشرخ هو ما يعطي “المعنى” للحياة، ولن يتأتى ذلك إلا بدخول “معركة” بين هذا الواقع وذاك الطموح. وقد انطلق منذ البداية من حُكم، هو أن “الذين يكونون صرحاء يفشلون في الحب، أما الكاذبون فيستمر حبّهم”. إنها من مفارقات الحب في الزمن الحاضر، وهي رؤية نابعة من تجربته الذاتية. لهذا، وفي علاقة تعاقدية مع القارئ، صرّح قائلا: “هذه القصة التي أسردها مستمدة من الواقع، أي من تجربة حقيقية، لكي نطرح أسئلة ونُفهم للإنسان ما يعيشه، ونعرّي الواقع”. (ص 4 من الرواية).

ونجده في الفصل الأول الذي عنونه بـ”تأملات ليلية” يوظف ضمير المتكلم أنتَ (ص 6)، بمعنى أنه يخاطب متلقي، عندما قال “يا لطول الليل عندما تفكّر في مستقبلك وماضيك، وتكون وحيدا ولا تخاطب أحدا” (ص 6)، ثم يستذكر محبوبته منذ الصفحة الأولى وينجرح بمجرد رؤية اسمها على الفيسبوك الذي يقول بأنه “عالم الكذب، حيث يوجد أناس أشبه بالساكنة، ولكن لكل قناعه، إذ ما لا يجده في الواقع يعيشه هنا حيث التمنيات” (بمعنى أنه عالم الوهم)، فهي تذكره بقصتهما. ثم ينتقل لضمير الأنا ليسرد من خلاله تلك القصة. إن هذا الانتقال من ضمير إلى آخر، يجعل القارئ يتيه، وهذا التيهان مفهوم إذا فهمنا بأن اعتماد الراوي على الشخصية النفسية تبرز التقلبات المزاجية التي تنتابه.

هذا وقد بدأ الرواية بواقعة الفراق بينه وبين محبوبته، وهي بداية سرد نهاية درامية بدأت بها القصة أحداثها كنوع من الاسترجاع للأحداث. أقول درامية لأن المحبوبة قد صرّحت له قائلة “أنا لم أكن أحبك ولكن مكوثي بمفردي وحيدة دفعتني إلى اتخاذك أنيسا، وأصرّح بحبي لك كي أتمكن من الاحتفاظ بك لأنني أخشى الوحدة والغربة والوحشة” (ص 8). ولكن التعبير عن الصدمة لم يكن عميقا، وبالتالي لن يدفع بالقارئ إلى المدى الأقصى في التماهي مع الحالة النفسية للبطل. (تمّ تغييب الشخصية النفسية في هذه البداية، وما سيأتي كله استحضار لهذه الشخصية النفسية للبطل). ذلك أن الأسئلة تزعجه، لأنه لم يفهم الكثير من الأحداث في قصة الحب التي عاشها تلك، وهي أسئلة تحرق دواخله، وفي المقابل بنى صرحا من الآمال الواهية التي انهارت بالفراق. (وحول هذا يقول الرواقيون بأن انتظاراتنا من الآخرين هي سبب مأساتنا ومعاناتنا).

وكردّ فعل على هذه الصدمة، فقد دفعته قيم “الرجولة” السائدة في المجتمع إلى مصاحبة الجبال، إذ لم يجد تعبيرا غير الدموع في خلوته، بحيث لا يستطيع التعبير عن معاناته، وسط قومه، بالبكاء، فالرجال هنا لا يحق لهم البكاء. واتخذ لنفسه رفيقا، يحكي له مأساته، ويعيش معه وحدته، هو كتابه أو “مذكراته”، كي يحتفظ بالقصة لمقاومة النسيان، فهو يأبى النسيان، أي تحركه الرغبة في التذكر المستمر. والكتابة بالنسبة إليه ترياق لمأساته، إذ “لو لم أكتب لما ارتحت” (ص 13) كما قال. وهذا يبرز أهمية “دفاتر الذكريات” التي يدبّج بها المتعلمون والطلبة أسرارهم، فهم طافحة بالتجارب المأساوية والتراجيدية لآمال يرونها تنكسر أمام أعينهم. ذلك أن الجروح النفسية والاجتماعية التي تخلفها برمجة الذكر في المجتمع على قيم الرجولة المبالغ فيها، “تحرم الذكر بكل بساطة من أن يكون إنسانا.. يحس.. يتأثر.. يضعف.. يعبر عن مشاعره الصادقة… وتفرض عليه أن يكون صعصعا لا يشق له غبار حتى وإن كانت طاقاته دون ذلك بكثير” كما قال عبد الله زارو. ذلك أن “الرجولة” كبناء اجتماعي ينمّط الذكور في نمط خاص من الشخصية يحول بينهم وبين أن يصيروا ما هُم عليه، ويُطلب منه تأدية هذا الدور كي يستطيعوا الاندماج وسط الجماعة، والرجولة بهذا المعنى صنم لغوي لا تعني شيئا غير دفع الذكور إلى الإحساس بتفوّق مرضي لا حجة تسنده، فقبل أن يكون الذكر رجل فهو إنسان تماما كالأنثى، يحسّ ويتأثر ويضعف ويبكي، لكن الرجولة عندما صارت وثنا اجتماعية صارت عنترية مكلّفة.

أما الفصل الثاني “جذور الحب” فقد وصف فيه ملامح حبيبته، والتي تعرّف عليها في تامغرا، التي وصف أحداثها وأنماط إزلان ضمنها. لم يكن همّه سوى البحث عن فرصة أو لحظة يذهب فيها إلى لقائها، فقد ذهبت بقلبه ووجدانه، وتعلّق بها منذ نظرته الأولى. رغب في الالتقاء بها بعيدا عن الهاتف، فالمواجهة وجها لوجه لها ذائقتها وحلاوتها، ولكنه صُدم بجلوسها مع شاب آخر. وحين اقتربت تامغرا من نهايتها توجّه إليها وخاطبها، فلأول مرة يتحدث معها. هكذا بدأ سرد أحداث اللقاء الأول بعد تامغرا، ووضع جميع عناصر التشويق ليدفع المتلقي إلى تتبع القصة. ولكن المحبوبة ستعود لبلدتها هذا المساء، مما كدّر عليه صفو القصة، وآلمه. ويسرد كيف كانا يتبادلان أطراف الحديث عبر الهاتف بشكل يومي، حتى تعلّق بها أيما تعلّق (شرح عبد الله زارو مسألة التعلق سوسيولجيا في كتابه “سلطان العشق، سوسيولوجيا التعلق”).

لم يستطع أن يستوعب تقلباتها، فحين تكون بالقرب منه تغرقه بما تجود بها قريحتها من عسل الكلام، وعندما تكون بعيدة تقطع عنه اتصالها، وهذا ما سرده خلال الفصل الثالث “أغصان الحب”، إذ يصف نفسيته بعد عودتها إلى بلدتها، وما فعل به الفراق. وما يآخذ عليه أنه يصرّح للقارئ بالنهاية ولا يترك له المجال لتتبع القصة، إذ يخبره بما عاشه من “الحياة السعيدة، اللذيذة، رغم بعد المسافات” التي يصفها بعجالة، ولم يصفها أو يشرح تفاصيلها، ثم ينتقل إلى الألم الذي خلّفه حدث الفراق. باستثناء لحظات قليلة، ففي الصفحة الثلاثين يحكي أنه كان يغني لها أشعار الحب ويغرقها بالتعابير المعسولة وما لذ من فصيح الكلام، وفي المقابل تمتنع هي عن مبادلته نفس التعابير، وتدّعي الخجل وبأنها “لا تعرف”. هكذا تركته معلقا وتائها، دون أن يدري مصدر فراقهما أو سببه. ومصدر معاناته هي الأسئلة التي لم يجد لها أجوبة، إذ تركته بدون أجوبة. (ص 33).

المثير أن الحكاية تدور حول لقاء واحد، وما تلاه كله كان عبارة عن كلام عبر الهاتف، ورغم ذلك عاش ألما، دفعه ليكون شاعرا. وهذا الألم سيدفعه خلال الفصل الرابع “لوز الحب” إلى ركوب موج المغامرة أو رحلة البحث عن الذات وعن معنى الحياة، بمعنى أن تجربة التعلّق دفعته إلى خوض غمار هذه الرحلة. وفي صفحات كثيرة يطلق أحكاما على الآخرين، وهي أحكام بناها انطلاقا من تجربته الذاتية، بمعنى يمارس النقد الاجتماعي لمظاهر أو ظواهر عاشها هو شخصيا. وهذا التذييت نابع من تفاعله مع تجربته تلك، إذ يسرد عن الماضي من خلال الحاضر، أما الراوي فقد كان صريحا وليس ضمنيا.

هذه الرحلة نحو الذات ستجعله يسافر في الفصل الخامس: “الليالي الطوال” في تأملات حول القيم المجتمعية، والتي تدفع بالحب إلى الخفوت، وتدفع الشباب إلى تعويضه بسرقة اللحظات الحميمية، فلم تعد الساحة العمومية قادرة على تحمل الحب، هكذا يتساءل إن كان الحب مصدر للشقاء والمعاناة أم للسعادة والحياة الجيدة.

إن أحداث الحكاية تدور في الجامعة، لمّا كان طالبا جامعيا، وفي الفصل السادس: “جامعة الضغينة” قد وصف الحياة الطلاّبية، فالذهاب إلى الكلية “مليء بالشقاء”، وفي كل يوم يبصق على الطريق حتى صارت الأمكنة مجالا لإفراغ الضغينة فيها، وصار يكره الفتيات، لأن المحبوبة تشكل نموذجا لهنّ. ورغم ذلك، فلا يزال يكن لها التقدير والاحترام ويشملها بالحب، لهذا نجده في الفصل السابع: “الواقع والحلم” يخاطبها بشكل مباشر، ويخبرها بأنه يحاول نسيانها دون أن يستطيع. أما مسار الحب في أصله فلا نعرف عنه شيئا، وكل ما نعرفه أنه يحبها. ولم يعد يستطيع التمييز بين الواقع والأحلام، ويروي عن كابوس راوده (ص 67 و68) رأى فيه موته، كإعلان لموت اجتماعي للذات المجروحة.

سيعود خلال الفصل الثامن: “انتصار الواقع” ليصرّح قائلا: “أريد أن أعطي لقصة حبنا نهاية سعيدة تبهج الأسماع” ذلك أنه “بذل جهدا لإنجاح الحب”، وقد تدخّل في الأحداث كي لا ينقل البؤس لأصدقائه واختار الاحتفاظ بسرّهما، واحتفاظه بمصدر معاناته وشقائه. لكن شاءت الأقدار أن تُقدّم له دعوة لحضور تامغرا عند نفس الأسرة، وهناك التقى بمحبوبته مجددا. وقد تبادلا أطراف الحديث، وأغرقته في الأماني من جديد، دون أن تمكّنه من الاتصال بها لاحقا، ليصير ما يسمى ثقافيا “َAɣṛum n ugunun”. وفي الأخير سيطر عليه الندم، ولكن حبه الأبيض، النقي والصافي، قد دفعه إلى اتخاذ قرار مصيري، إذ قرر أن يصوم الحب. لقد أكد بأنه تعلّم الحب عبر هذه المأساة، إذ أن “ما يجب أن يكون” هو الذي حدد له الحب، وليس “ما هو كائن” من خذلان.

إن عدم الحصول على الإجابة وعلى تبرير الانفصال سبّب له “انكسارا للقلب”، وهو شكل من أشكال الاحتقار والإذلال، أي عدم احترام وتقدير الذات الأخرى، وهذا الإحتقار يولّد مَرضيات اجتماعية. فالجرح الأخلاقي الذي أصاب “الراوي” كان من الممكن تفاديه، وبالتالي جعل العلاقة قويمة وسليمة، ولكن تفضيل عدم “شرح” و”تفسير” هذا السلوك (الانصراف والفراق بدون تفسير) هو اختيار لمسلكية سلبية.

كما إن التألم من تجربة حب سابقة، والتأثر بفراق شخص نحبه، والمرور من تجربة معاناة من عدم التقدير، هي كلها تجارب اشتغلت عليها السوسيولوجية الإسرائيلية المتميزة إيفا إللوز في كتابها: “لماذا يجلب الحب الألم؟ تجربة الحب في الحداثة”، والذي ترجمه من الإنجليزية فرديريك جولي. فأن تحب شخصا لا يبادلك نفس الشعور، أن يقع لك اكتئاب بعد الانفصال، أن ترجع وحيدا بعد موعد حب، أن تشعر بالملل مع الشخص الذي جعلك تحلم، هي تجارب يعيشها الناس كل يوم: لكل فرد تجربة معاناة عاطفية عبر حياته. غالبا ما يتم تحليل هذه المعاناة من الناحية النفسية، والتي يُرجع الأفراد سببها إلى ماضيهم، وأسرهم، ويحمّلونهم مسؤولية بؤسهم في الحب. لكن إيفا إاللوز تغير منظورنا بشكل جذري وتقترح قراءة سوسيولوجية للمعاناة الناتجة عن الحب، وذلك من خلال تحليل الحب كمؤسسة اجتماعية للحداثة.
إن البورتريه الذي يقدّمه المؤلّف في “روايته/قصته” هو وصف للفرد المعاصر وعلاقته بالحب، وأيضا لاستيهاماته حول الاستقلالية الذاتية وتحقيق الذات. فالتقييم المستمر للذات، ونفسنة (جعل كل شيء نفسيا) متطرفة لعلاقة الحب، وتسليع اللقاءات (الإنترنت، ومواقع الاجتماعات)، الخ. كل هذا يرسم خارطة للاقتصاد العاطفي الخاص بالحداثة والذي يترك الفرد في حالة عجز، ضمن سياق اجتماعي يميل إلى فرط الإنفعال ومعيرة وعقلنة وتبسيط علاقات الحب، ويعكس مصير الحب في مجتمعنا المعاصر…

ارتبط الحب عبر التاريخ، بالتعاسة والألم، لكن تعاسته في الفترة المعاصرة، حسب إيفا اللوز، صارت أشد، وهي معاناة فريدة في المحتوى والشكل. وهذه الفكرة نلمسها كذلك في تحليلنا للرواية، ما يسمح لنا برسم ملامح للبنية الداخلية المنتجة للألم الرومانسي المعاصر. صحيح أن الألم لم يعد مرتبطا بالمثبّطات الاجتماعية (من اختلاف في الطبقة، العرق، اللون، الدين، الخ.) مادام اختيار الشريك المحبوب قد صار أمرا فرديا، إلا أن سيرورة الفردنة هذه لم تولّد السعادة، لأن الفرد لم يسلم من آلام العلاقات الحميمية. فأين المشكلة إذن؟

هذا ما سنعمل على إبرازه من خلال حوار مع مقاربة السوسيولوجية الإسرائيلية في كتابها حول “لماذا يجلب الحب الألم؟”

…يتبع.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock