أقلام حرة

صورة بانورامية لمستجدات الساحة الفكرية و السياسية الريفية

رشيد أفقير

في الفترات الأخيرة ظهرت مؤشرات حراك تجديدي بشكل ملفت للنظر. مكتسبات مشرِّفة و تحولات نسبية لابأس بها تم تحصيلها، ساهمت في تغيير وغرس لسلوكيات و معرفة جديدة في الأفراد والجماعات.
لا بد من ذكر أنه من الصعب تحديد بدقة ملامح التحولات والتعرف عن زوايا العقل الفكري الذي يوجهها، كونها غير مستقرة، غير مكتملة ، لا تزال قيد الإنضاج.
إجمالا، يمكن تبيان هذا الاستنتاج، في نظري، من خلال معطيات ميدانية تم رصدها و تحليلها، وهي كالتالي :

  • رواج فكري نظري وثقافي، تراكم معرفي تنويري،موضوعي منهجي نقدي تشريحي لمكونات للتراث والظواهر الثقافية والاجتماعية والفكرية، تشعّب المسارات و القراءات والتأويلات ، تعدد الاتجاهات الثقافية والتصنيفات و الانتسابات، كثافة الأدبيات، كثرة الكتابات ذات الطابع الجدالي ونقاشات مستمرة و رقي الوعي و الذكاء السياسي، و رقي في استيعاب و فهم المحيط و اللعبة السياسية التقليدية داخل الدولة ، رقي في آليات التفكير والتّعبير و التثقيف، و وفرة المعلومات و المعرفة والمنشورات، وتكاثف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ووسائل الاتصال الفوري والمباشر والأنشطة والمبادرات و الأشكال النضالية (على الاقل في العالم الإفتراضي)وكذا تحديث الإطار المفاهيمي.
  • تزايد في الإلمام بالشأن العام و إشراك القاعدة الشعبية و فئات عريضة من الرأي العام والتفاعل معها جديا بنقدية ومسؤولية. هذه الفئات أصبحت تواقة للتغيير والنهضة، واصبحت تمثلاتها و مواقفها اكثر نضجا و رصانة وجدية .واصبحت على بينة من : شئون وخبايا المعادلة السياسية في الحكم،ومن الاخفاقات والإشكاليات المتكررة فى تركيبة مؤسسة الدولة التقليدية، ومن الخلفيات والملابسات التي تنتج المنظومة الاستبدادية، و الواقع الريفي المأزوم،ومن سياسات القمع والاستلاب و الاقصاء والتهميش،والفساد،و من مآل ثروات البلاد،…
  • اتساع فضاءات التي تنتج فيها المعرفة واتساع دوائر نقاش الأفكار و السجالات العابرة للتخصصات وميادين الحياة : الدين و السياسة الأسرة، ،و المسار التاريخى و السياسي والديمقراطية، المواطنة والعدل والمساواة ، الحريات الاساسية والتعليم والصحة والأمن ،والمفاهيم العلمية المجردة الشائعة في الأوساط النخبوية و المجتمع السياسي، الحقوق والواجبات ،و مبدأ سيادة حكم القانون وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية
  • انفتاح على الأفكار والاختلافات.
  • بروز شعب له إرادة وإيمان بحتمية التحرك وإصراره على التغيير وفرض سيادته.
  • تكافؤ الفرص، اختلاط الحابل بالنابل والعالم بالجاهل والذي يتمثل في دمقرطة الأستذة و اختلاط المفاهيم
  • بروز تنظيمات وخلايا العمل و ثقافة البناء التنظيمي والفعل الجماعي و التوثيق الاعلامي.

في المقابل، ذالك الحراك التجديدي يستبطن تعطيل نهضة و ديناميكية العملية السياسية والإقتصادية على أرض الواقع المعاش و افتقاده منظومة تصورية و استشرافية للمستقبل السياسي ولعل هذا يعزى أساسا الى العوامل التالية :

  • نعيش ظرفية تاريخية وتحدّياتٍ عصيبةً و حالة تخبط وتيهان و تعقيدات في الحياة السياسية و تداخل الظواهر و تقلب موازين كل شيء. أصبحت الأمور أكثر تعقيداً من أي فترة أخرى في تاريخ الريف السياسي .
  • التنكر ومصادرة الإهتمام بالجوهر و الأساسيات في غاية الأهمية والحساسية، والتعاطي بسطحية مع اشكالية التحرر و الإنعتاق من استبداد وإرهاب الدولة وأشكال الظلم والقهر ، أم المعارك بالنسبة الريفيين . تبخّرفكرةُ الثورة والمعركة الوجودية التي تمثل جوهر رسالة مولاي محند كمرجعية أساسية للريفيين من مبادئ وقيم فكرية ووجدانية، التي استقرت لسوء الحظ في قاع النسيان و متاحف الفكر . هناك إجهاز على هذه المسألة ، أو، على الأقل، تعتيم عليها و تجاهلها .
  • تراجع زخم الأحداث و ابتعاد من المعترك السياسي و طغيان المفاهيم الشكلية وتغـليبها على المضمون و الأسئلة الحقيقية.
  • علاوة على ذلك، تمة ممارسات توسعية و أفكار وأطروحات و تكتيكات ذي غايات وأبعاد مشبوهة، ومطبعة مع النظام واجهزة الدولة ، بدأت تتسرب في نفوس وعقول العامة بشكل منتظم تحت ذرائع شتى منها الوحدة الوطنية والمصير المشترك. يأتي هذا في ظل مشروع ومحاولات مستمرة لقَوْلبة المجتمع الريفي و تصفية حقوقه و عوامل قوته الذاتية والتحكم في مقدراته الحياتية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، أجهاض لنزعته السيادية أو أي تجربة سياسية ناشئة ،و فرض ثقافة الخنوع، الاستتباع الثقافي السياسي وترسيخ نظام الهيمنة والتسلط لامتصاص الغضب في الجسم الريفي وهي كلها يسعى النظام لتحقيقها ، وكل هذا يتزامن مع الاستئثار برؤوس الأموال الخارج و الحلفاء الجدد للمنظومة المخزن.
    إغراق الساحة الريفية بمفاهيم أسلوب التضليل والإ ضرار بالمنظومة الفكرية التحررية الريفية، التي تنعكس في الخطابات وردود الأفعال والسلوكيات العامة الفكرية والإنسانية.
  • إنشغال العامة بمتاهات و تجاذبات و تصادمات وذهنيات متصدرة لواجهة المشهد الريفي دي طبيعة متخلفة بعدميتها و تعنتها و احتكامها إلى التحرش المزايدات و التناوش و عقلية المعاداة والتهكم.
    عدم الإلمام بالمخرجات، أفاق تغيير الواقع البائس و المأزوم
  • صعوبة مواكبة هذه التغيرات بشكل فعال و مؤثر و تفعيل المواقف في المجال السياسي.
  • تعميق الانقسام السياسي و تنامى الشرخ الاجتماعي و تدني منسوب الثقة.

ما يحتم علينا في المقام الأول :

  • الحرص علي تعزيز اليقظة والحذر و وحدة القوى التغييرية وتنظيمها والحفاظ على أهم الثوابت المبدئية و المكتسبات الحضارية الريفية بثقلها التاريخي الهوياتي، و تطوير فكر مولاي محند ،في ظل ظرفية تتطلب حشد الهمم والتكاتف لردع المشاريع التي تريد النيل منه ، بتشويهه و تبخيصه
  • ضرورة الاستمرار في بناء الحوار السياسي و التقارب و التكامل و تعزيز الوعي الجمعي و إعادة و نشر التفاؤل و رسم تصورات و مسارات استراتيجية جديدة,وكذا الإطار العام الذي يحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة في الريف، الآليات التي يصنع من خلالها التغيير الحقيقية
  • محاولة تقويم وتصويب مسار الريف، بإعادة طرح المشروع التحرير الفكري وإحداث ثورة شعبية واسعة و هادفة.
  • بلورة مشروع سياسي حداثي، جريئ، شكلا ومضمونا، له قدرة على تحريك الساكن ، قابل للتطوير بشكل مستمر، يمهد لنقطة بدء صحيحة و صيرورة تحول سليم، بما يتناسب مع الواقع الريفي .نموذجٍ بديلٍ يطرح عقيدة سياسية تحررية، و رؤية شاملة متكاملة، ويعبر عن خصوصيات وهوية الريف و عن المصالح الحيوية الذاتية، و يحمل آمال التطلع لريف حر، قائم بذاته. هذا كله، علما ان التغيير ليس بطريق وردي ، بل مسألة تكلف أغلى التضحيات.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock