أقلام حرة

عماد العتابي : محمد الرباع اليساري الذي ناضل على جبهتين!!

بقلم عماد العتابي

محمد الرباع (1941-2022)

 

ترجل يوم 17 ماي من 2022 عن صهوة الحياة، أيقونة النضال والسياسة بهولندا وبعموم أوروبا، اليساري الشهير وصاحب المواقف الصلبة ومناصر الأجانب والمدافع عن المظلومين والإنسان اللطيف والصادق السيد محمد الرباع عن عمر يناهز 81 سنة.

كان محمد الرباع محاربا حقيقيا يشتبك على جبهتين، جبهة المغرب ضد الحسن الثاني، الجبهة التي ظل وفيا لها رغم مغادرته للمغرب سنة 1966 وهو مناضل في صفوف الإتحاد الوطني لطلبة المغرب بعدما إلتفت حول عنقه حبال تضييقات أجهزة الحسن الثاني العلنية والسرية.. غادر المغرب وفي قلبه غصة هذا الابعاد القصري الغير المعلن. فور وصوله لهولندا وجه نفسه مضطرا لفتح جبهة أخرى، جبهة أخذت كل وقته وحياته، وكانت جبهة النضال ضد العنصرية العنوان الابرز لمسار فريد ومتفرد لرجل ناضل بشجاعة ضد النظام في هولندا من أجل المساواة في الحقوق بين الأقليات ومناهضة التمييز والعنصرية والتطرف.

مدافع عن حقوق الإنسان مدى الحياة. وكانت المعركة ضد الظلم والعنصرية موضوعا يوميا في حياته. في المغرب كان ضد نظام الحسن الثاني وفي هولندا أصبح ضد النظام هنا. ليدخل عام 1994 الانتخابات البرلمانية كوكيل للائحة حزب اليسار الأخضر، ك أول وكيل لائحة حزب هولندي من أصول مهاجرة.

وبصفته مديرًا للمركز الهولندي للأجانب (1982-1993)، أصبح الرباع أحد أشهر السياسيين والمسؤولين بهولندا. كان لدى المكتب المركزي الوطني مهمة تقديم المشورة للحكومة الوطنية على أساس خبرته، وكان من المتوقع أن يمثل الرباع مصالح المهاجرين، دون التحدث بشكل قاطع نيابة عنهم. كان ذلك في كثير من الأحيان متوازنًا إلى حد كبير. في بعض الأحيان، ساءت الأمور وظهرت صراعات مع منظمات المهاجرين ، ولكن في معظم الأوقات تمكن الرباع بدهائه ولباقته وورح الدعابة لديه من إنقاذ الموقف.

في سنة 2008 وبعد أن خاض كل أشكال المعارك ضد اليمين المتطرف، وفي سابقة في هولندا من سياسي هولندا من أصل أجنبى، فتح الرباغ معركة قضائية ضد زعيم الحزب المتطرف خيرت فيلدرز، كانت صدى المعركة في المحاكم تصل لكل بيت هولندي، وخاصة الهولنديين من أصول مغربية..
الرباع وجها لوجه أمام خيرت فيلدرز في المحكمة بدون دعم من حزبه الذي نأى بنفسه عن هذه المعركة القضائية، حيث نأى زعيم الحزب “هالسيما” بنفسها علانية عنها لأنها شعرت أنه لا ينبغي محاربة فيلدرز في المحكمة، ولكن في البرلمان. الموقف الذي دفع بالرباع لإعلان استقالته من الحزب الذي كان أحد مؤسسيه.
إنها ليست قضية عادية نهائيا.. إنها سابقة مهدت الطريق لإسقاط مجموعة من القوانين العنصرية في هولندا.. الكثير من الهولنديين من أصل مغربي لا يعرفون هذا لكنها الحقيقة.. مغريي إسمه الرباع أسقط قوانينا عنصرية كانت بالأمس غير قابلة للنقاش.
وكان عدد مناصب مجلس الإدارة التي شغلها لا نهاية لها تقريبًا. كان عضوا في لجنة التوصيات للمنتدى الاجتماعي الهولندي، ولجنة المغرب، والمنظم المشارك لهولندا يعترف بالألوان، ورئيس المجلس الوطني للمغاربة، ولجنة توصية مؤسسة أوقفوا الاحتلال، وعضو مجلس إدارة إين لاند…
وكان أيضا لمواقفه وارائه السياسية القوية، كما هو موضح أعلاه، بطبيعة الحال عواقب على وضعه في المنفى. وكلما كانت نضالاته وتحركاته قوية ضد النظام السياسي بالمغرب، زادت عواقب ذلك على حياته الشخصية. فمنذ مغادرته المغرب عام 1966، لم تعد زيارة وطنه ممكنة. والأسوأ من ذلك أن والديه وأقاربه في المغرب يتعرضون بانتظام للمضايقة والاستجواب وتفتيش منازلهم. ولم تنفرج الأمور عليه وعلى عائلته إلا بعد وفاة الحسن الثاني عام 1999. ومع ذلك، فقد استغرق الأمر عدة سنوات أخرى قبل أن يزور المغرب للمرة الأولى.

بالموازاة مع هذه المعارك العنيفة المنهكة ليساري نظيف ومتواضع لم تجد بمثله هولندا وبشهادة أعدائه قبل اصدقائه، كان المغرب يقدم اغراءات كبيرة لهذا الهرم السياسي من أجل استقطابه وتقريبه لمربع الحكم بالمغرب.. رفض محمد الرباع حقيبة وزارية واغراءات أخرى كبيرة، فلقد اقتنع أن معركته ليست هناك بل هنا، وزهد في كل الاغراءات وواصل معركته ضد العنصرية والظلم والاقصاء.. إنه مناضل ويساري ونقابي إلى آخر يوم في حياته.. مقاتل مدى الحياة.

يساري من طينة نادرة، لا يتنكر لهويته المغربية والإسلامية، كان أغلب خصومه يدفعونه بشكل مستفز لانكار هويته المغربية والإسلامية، لكنه ظل متشبثا بهويته.. وقال ذات مقابلة صحفية جوابا على سؤال مستفز:
“أنا محمد الرباع، وسوف أبقى. قال حسنا، أنا مسلم.”

إنه موقف كبير وشجاع من سياسي وصل لمناصب كبيرة بهولندا، أول برلماني هولندي من أصول مغربية واجنبية واول زعيم حزب هولندي من أصول اجنبية، يقول أنا “مسلم”، ماذا أنتم فاعلين؟ جرأة خانت الكثير من السياسيين من أصول مغربية جاؤوا بعده وكان له الفضل بظهورهم وصعودهم في سلالم المسؤولية بهولندا.. لقد تنكروا لهويتهم خوفا وتملقا.

في ديسمبر 2014 أصيب محمد الرباع بنزيف شديد في الدماغ. أنهى مساره السياسي والمهني.. كانت حدثا مؤسفا ونهاية غير متوقعة ومنتظرة.

كان الرباع رجلاً هادئًا لطيفًا ومتواضعًا وصاحب مبادئ. رجل مؤمن ومثال المسلم المتسامح. كان رجلاً حقيقيا ستعيش صفاته النبيلة والإنسانية في قلوبنا وذكرياتنا.
فوفاة هذا اليساري تعني خسارة كبيرة للهولنديين من أصل مغربي ولكل الأجانب من جميع الأجيال، الذي دافع عن المسلمين بهولندا بجرأة ودافع عن العمال الأجانب وعن حقهم في حياة كريمة.. يمكن أن أقول أن النضال الجاد والمسؤول والنظيف مات بهولندا..
لقد ماتت السياسة النظيفة التي نظّر لها وطبقها في الواقع.

لا يوجد من هو على هامش الصراع الطبقي القائم على امتداد التّاريخ، لكلّ منّا موقعه في هذا الصّراع، ولقد أبى محمد الرباع أن يحيا ويرحل إلّا وقد اتّخذ موقعه ومارس دوره.
هو الذي تخلّى عن اغراءات وامتيازات كبيرة وعاش منحازًا للفقراء والمظلومين والعمال الأجانب بهولندا، ناضل معهم وكتب لهم، ضدّ العنصرية والفاشية وضد قوانين هولندا التي كانت معادية للأجانب، ولم يغيّب القضيّة الفلسطينيّة عن نضاله، وحمّل الأنظمة وأدواتها من المؤسسات الرجعية والإعلامية ثمن قهر الشعوب، ودفع سنينًا من عمره في المنفى ثمنًا لوضوح مواقفه.

وداعا محمد الرباع، يا رجل النضال والنزاهة والصدق.
وداعا وقد لفتك المنية ولم يأفل تاريخك العظيم إنما نحن الذي نأفل عنه، ولم تغب شمسك أيها الكبير.

الوسوم