أقلام حرة

عمر الخطابي: الجرَّاح الذي كاد أن يصبح رئيس جمهورية

محمد أمزيان

كانت حياة الدكتور عمر الخطابي تتماوج بين السياسة ومهنته كأحد أوائل الجراحين المرموقين في مغرب الاستقلال. وطنه هو الحرية، أما مولده فكان على ظهر الباخرة التي حملت أسرة الخطابي كاملة إلى المنفى في جزيرة مدغشقر بعد انتهاء مقاومة الأمير الخطابي عام ١٩٢٦.

تعرفت عليه أواخر التسعينات في هولندا في زيارة رافقه فيها كل من الدكتور المهدي المنجرة والفقيه البصري وآخرون. كان يتمشى بصعوبة، وحينما سألته عن السبب، ابتسم وقال: هذا نتيجة للكرم الذي تلقيته حينما كنت ضيفًا على أهل الحال. ويقصد بذلك اعتقاله مباشرة بعد فشل انقلاب غشت ١٩٧٢ على الحسن الثاني، وهو الانقلاب الذي خطط له أوفقير وأومقرات وكويرة وغيرهم من الجنرالات. وهو انقلاب غريب الأطوار لأنه تكون من جناحين: جناح الدكتور الخطابي وأمقران وجناح أوفقير. وكان من المقرر أنه في حالة نجاح الانقلاب يكون عمر الخطابي هو الرئيس المؤقت بعد تحييد جناح أوفقير. وكان جناح أوفقير يخطط أيضا لتحييد جناح عمر الخطابي في حالة نجاح الانقلاب وتعيين بنسليمات رئيسا مؤقتا، حسب بعض الروايات غير المؤكدة.

ويحكي الأستاذ أحمد المرابط أطال الله في عمره، وقد اعتقل معه إلى جانب الطالب الريفي لشقر الذي تخرج طبيبا وفتح عيادة في دخلة الحسيمة قبل أن ينتقل إلى طنجة، (يحكي) أنه في إحدى اللقاءات التي كانت تعقد مع مختلف الشخصيات المدنية والعسكرية في بيت الدكتور عمر الخطابي في القنطيرة، كان حاضرا أيضا المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، السياسي البارز في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك (الاتحاد الاشتراكي لاحقا)، والذي سأل الدكتور عمر عن المهمة/المنصب الذي يحصل عليه هو (بوعبيد) بعد تنفيذ الانقلاب. كان الدكتور عمر يعطف كثيرا على بوعبيد ويحترمه، فقال له، حسب رواية الأستاذ المرابط، “ستكون وزيرا للإعلام”!! وفحأة بدأ بوعبيد يتدحرج على مقعده ويذهب إلى المرحاض بعد لحظة وأخرى. ثم وجه كلامه للدكتور عمر قائلا: أنتم آل الخطابي متعودون على السلاح واستخدامه، أنا رجل سياسي وأرجو أن تعفيني من هذه المهمة!!

وعندما ألقي القبض عليه، تعرض للتعذيب “وفق منهج مدروس”، أكد لي الدكتور عمر في أحد اللقاءات، وسبب الألم في إحدى رجليه أنه سقط على الأرض بعدما كان معلقا لعدة أيام، فتهشمت رجله وبعد ذلك تم جبرها بإضافة قضيب حديدي حتى تستقيم. يقال إن ياسر عرفات هو من تدخل لإطلاق سراح الدكتور الخطابي بعد إجراء محاكمته على أن يوضع تحت الإقامة الإجبارية.

حينما زرته في بيته في القنطيرة كان قد تقاعد عن عمله كطبيب جراح وأغلق عيادته الملتصقة ببيت سكناه. وقال لي إن بيته كان محجًا لكل الأطياف السياسية والعسكرية.

كان إنسانا ثوريا حتى النخاع، وكان يحلم بنظام مؤسساتي تحترم فيه إرادة المواطن، كما أنه كان لا يهاب أحدا ويعبر عن آرائه بكل حرية وشجاعة. سألته: ألا تخشى على نفسك من انتقام خصومك منك؟ “بيني وبين القبر شبر، ولا يهمني ما سيفعلون بي”، بهذه الصيغة رد علي بلهجة ريفية مطعمة بلكنة شرقية مع كلمات فرنسية وكأنه ولد في إحدى المدن الفرنسية.

الدكتور عمر الخطابي، ابن عبد السلام الخطابي عم الأمير ووزير ماليته في الحكومة الريفية، كان إنسانًا صريحًا، واضحًا في أفكاره. لو قدر له أن يصبح رئيس جمهورية مؤقت لترك المنصب في يوم أو يومين لكونه لا يحب الكواليس ولا رقصة الكراسي السياسية.
توفي الدكتور عمر الخطابي في صيف ٢٠٠٦ إن لم تخني الذاكرة، وكانت جنازته في مقبرة الشهداء في أجدير الحسيمة جنازة مهيبة تليق برجل ولد فوق أمواج المنفى عام ١٩٢٦، وتوفي دون أن يتحقق أمله في الحرية والمواطنة والمصالحة الحقيقية مع الريف، ودون أن تجتمع الأسرة الخطابية حتى في مقبرة واحدة.

* الصورة في بيت المرحوم الدكتور عمر الخطابي في القنطيرة، وكان حاضرا أيضا صديقه أحمد الطاهري الذي كان زميلا للحسن الثاني في المعهد المولوي، وعضوا في المكتب السياسي لحزب الاستقلال، قبل أن يترك الحزب ويلتحق للعمل مهندسا زراعيا في حكومة بنبلة بعد استقلال الحزائر ثم اختار المنفى حيث استقر في باريس قبل أن يعود إلى المغرب ويفتح مكتبة في الرباط.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock