دراسات وأبحاث

“غيوم الريف” .. عندما عايش الجندي “الحاج ألِمان” الأمير الخطابي

مـحمد زاهـد

كيف أحبَّ الرّيف وعايش الأمير الخطابي؟ ومن أين تبتدئ حكايته؟ كيف بدأ وكيف انتهى؟ هل شاءت الأقدار أن يكون الجندي الألماني “جوزيف أوتو كليمس”، المشهور بـ”الحاج أَلِـمان”، واحدا مِـمَّن عاشوا قصة حياة خاصة أو مغايرة تستحق أن تُروى؟ ولماذا أُغرم كذلك صديقه الصحافي الفرنسي “رينيه أوليفييه” بالريف، وخاصة طنجة المدينة التي سحرته، وعاش ليحكي ما دوّنه ورآه وشاهده من حكايات وقصص؟ وكيف جعل “رينيه” صديقه “الحاج ألمان” يروي قصته، أيضا، حين قال له: “أنت مثقل بالهموم وبحاجة إلى البوح”؟.

هي أسئلة عديدة يتداخل فيها ما هو إنساني، وتاريخي، وعاطفي، تقترن بتجارب وأحداث وأشخاص وتقاطعات فيما بينها، في قالب أدبي وإبداعي رائع، تحاول رواية “الحاج ألِمـان، غيوم الرّيف” أن تعيد خيوطها، وهي رواية للكاتب المصري إبراهيم أحمد عيسى، جاءت في 303 صفحة، تجمع بين متعة الحكي وجمالية المَحكِي، لتعيد استرجاع أو توثيق أحداث ووقائع، أو إعادة التأريخ لها بصيغة أدبية تجعل منها “وثيقة تاريخية” بامتياز، في إطار علاقة الأدب بالتاريخ. إنها تأريخ لسيرة أبطال وأحداث.

شَاهـد على العصر

تنطلق الرواية المذكورة من تقريب القارئ من “الراوي” وهويته، وهو الذي يمكن اعتباره شاهدا على عصره على مستوى جوانب خاصة تتعلق بأحداث وأسماء وأماكن تحفل بها الرواية، لاسيما وأنه، الراوي، اكتسب تجربة ورصيدا من المشاهدة والتدوين، وهو بذلك شاهد على “الضفتين”، أي ضفتي المتوسط. في هذا السياق تذكر رواية “الحاج ألمان” عن الراوي ما يلي: “هو إنسان بائس عاش ما يقرب من نصف عمره ساعيا وراء قصص الناس وحكاياتهم، حتى جاء اليوم الذي صار عليه أن يعيش واقعه وقصصه الخاصة، خاض حروبا مختلفة يصوِّر ويدون ما يراه، تارة بين رجال المقاومة في الريف، ومرة بين صفوف قوات “الريكولاريس” الإسبانية المدافعة عن مليلية، جاب العديد من المدن والتقى آلافا من البشر وظفر بمئات القصص، من الجزائر إلى وهران وتلمسان ووجدة مرورا بالرّيف وقبائله، كان هناك يوم أنوال حين صفعت إسبانيا ومنيت بهزيمة نكراء، ودلف إلى الحسيمة والناظور ليصور أركانهما بعد طرد الإسبان منهما”.

هو ذا الصحافي الفرنسي “رينيه أوليفييه”، الذي لم يكن يملك سوى “ورقة وقلم وكاميرا”، رافق الجنود الذاهبين إلى الحرب وأرخ لحياتهم، إذ كان يراسل صحفا ومجلات أوروبية، وهي الصدفة التي قادته إلى التعرف على “جوزيف أوتو كليمس” على متن بارجة بحرية كانت في طريقها من فرنسا نحو الجزائر، وعلى متنها أيضا العديد من عناصر أو جنود “الفيلق الأجنبي” الذين جندتهم فرنسا عنوة. عاش ما تبقى من حياته في طنجة وأُغرم بها حد الجنون. أتى إليها حالما وانتهى به المطاف “متسكعا في أزقتها هائما بدروبها وحيدا”. إنه “البطل المهزوم” الذي فشل في دفن حكاياته في “مقابر النسيان”. حكايات الحرب والحب والشجعان. فهل ظل “رينيه” يعيش على الماضي؟ وهل بقيّ حبيس الأطلال والأمجاد؟ ألم يستطع التخلص من ثقل حكاياته وقصصه التي ظلّ يجر أثقالها؟

مهما يكن من ذلك، ورغم كل شيء، فقد استطاع أن يكون شاهدا على عصره وخبايا أحداث حكى منها الكثير، لعلّ أبرزها قصة “الحاج ألِمان”، وتلك حكاية أخرى.

ضفّة المتوسِّط

الزمن، بداية العقد الثاني من القرن الماضي، وبالضبط سنة 1914. المكان، فرنسا. الحدث، طبول الحرب التي تدق.

في خضم هذه الفترة كانت أوروبا تعيش على وقع التوتر وإعلان أولى بوادر بداية الحرب العالمية الأولى، وفي الضفة المقابلة كانت عدة مستعمرات تئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، لعل أهمها المستعمرات الفرنسية في إفريقيا، مثل الجزائر والمغرب وتونس، وغيرها من الدول التي سقطت في قبضة فرنسا. هذه الأخيرة التي اشتدت عليها الحروب والجبهات من مختلف الجهات، الأمر الذي جعلها ترسل وتعزّز من جنودها المتوجهين إلى جبهات القتال، لاسيما من المجندين قسرا. يذكر الكاتب إبراهيم أحمد عيسى في هذا الصّدد ما يلي: “أبحرت بارجة بحرية ترفع العلم الفرنسي وسط البحر الهائج، تحمل على متنها الفوج الثاني من مشاة “الفيلق الأجنبي”، مرتزقة من مختلف الجنسيات والأعراق، قبلوا التجنيد بالجيش الفرنسي مقابل مبالغ مالية جيدة وامتيازات خاصة. منذ أيام يرافقها سرب من النوارس المحلقة تتبع مسارها، كهؤلاء الجند يبحث الطير عن حياة جديدة، بعيدا عن أوروبا التي تعيش حالة من التوتر وطبول الحرب تقرع في عدة بلدان، يحشدون قواتهم على عدة جبهات، ومستعمرات فرنسا في إفريقيا بحاجة إلى مزيد من الجنود للحفاظ على أراضي إمبراطورية مترامية الأطراف”.

إذا كانت هذه الأوراق تكشف لنا معطيات وحفريات تاريخية حول التجنيد “الإجباري” أو حتى “الاختياري” لفرنسا وطبيعة تعاملها مع المستعمرات، فهي تحمل لنا، أيضا، فصولا من حياة “جوزيف أوتو كليمس”، الذي سيجد نفسه إلى جانب باقي المجندين الذين أبحرت بهم البارجة البحرية الفرنسية إلى ميناء الجزائر، وهو الساعي إلى “حياة جديدة” بعد الانكسارات التي عاشها في حياته بـمدينة “دوسلدروف” نتيجة عدة صدمات، أهمها رحيل “ماجدولين” التي أحبها، وموت أمه فيما بعد. لكن من هو في الأصل “كليمس” الألماني؟

تنقل لنا رواية “الحاج ألمان” أن “جوزيف كليمس” هو شخص أحب المحاماة وأراد أن يصبح محاميا، لكن حلم والدته كان يتمثل في أن ينضم إلى الجيش في “دوسلدروف”، وهو ما حدث بعد أن استجاب لرغبة والدته. بعد أن عاش أولى انكساراته في الحياة، أصبح “كليمس” الجندي الشاب “يذهب إلى معسكره ويقضي ساعات كئيبة في ذلك المكتب الصغير. حياة رتيبة لا يطيقها بين الأوراق والبرقيات وأوامر القادة التي لا تنتهي”. بعد ذلك أدين من طرف محكمة “دوسلدروف” سنة 1913 بتسريحه من الخدمة والحكم عليه بقضاء 9 أشهر بالسجن العسكري. هذا الحادث سيعمق من إحساسه بالظلم وولّد لديه خيبة أمل وجراحا لا تندمل، وقد زاد من حدتها رحيل-موت أمه. هذه الدوامة التي عاشها “كليمس” ستجعله في نهاية المطاف يسعى إلى “حياة جديدة”، حيث قرر الرحيل عن ألمانيا وركوب البحر. “ترك دوسلدروف وألمانيا كلها، دون أن يعرف إلى أين يذهب.. وإذ به يجد نفسه تائها في شوارع باريس”.

ولأن قدره شاء ذلك، فقد سجن ثانية بفرنسا، وتم تخييره بين التجنيد في الفيالق الذاهبة إلى إفريقيا أو الترحيل إلى ألمانيا ودفع غرامة 500 فرنك فرنسي. في خضم كل هذا، سيجد نفسه واحدا من عناصر “الفيلق الأجنبي” المستعد للإنزال بميناء الجزائر، وسط تعليمات الضباط. وعلى متن الباخرة التي أقلّتهم، تعرف على الصحافي الفرنسي “رينيه” وباح له بما يلي: “فقدت حبيبتي.. سجنت ظلما.. خسرت وظيفتي.. حاولت الانتحار وفشلت.. وماتت أمي دون أن أودعها.. تركت دياري وخذلت من يحبونني بانكساري” ص 70. هنا بالضبط، سيبدأ طور جديد من أطوار حياة “جوزيف أوتو كليمس”، الذي سيشتهر باسم “الحَاج أَلِمَـان”.

هي الحرب

بعدما تمكنت فرنسا، على غرار دول استعمارية أخرى، من تجنيد المئات من الجنود المرتزقة ضمن ما كان يطلق عليه بـ”الفيالق الأجنبية”، وإرسالها إلى المستعمرات، على غرار “الحاج ألمان” وغيره من المجندين من جنسيات أخرى، مثل السنغاليين والبلغار والإيطاليين واليونانيين، سيجد هؤلاء أنفسهم وجها لوجه مع حرب طاحنة، كما هو حال “الحاج ألمان” وصديقه الصربي والتركي ممن تم تجنيدهم أيضا. هي حرب فرنسا في الجبال بالجزائر (جبل مستاوة)، والقتال الكبير الذي دارت أطواره بين الثوار والمقاومين، وجيوش فرنسا. هنا سيجد “الحاج ألمان”، وبعد مرور بضعة أيام من وصوله، نفسه في مقدمة “فيلق الموت”. واقع جديد لم يكن في الحسبان، لكنه قائم. أمام ذلك، قال “الحاج ألمان” مقولته: “هي الحرب، إما أن تَقـتُـل أو تُقـتَـل”.

في المقابل، سيسمح مقام “الحاج ألمان” بالجزائر كمجند ضمن الجيش الفرنسي بعدة لقاءات مع صديقه الصحافي “رينيه أوليفييه”، الذي سيقدِّم له ذات لقاء “حدّو بن حمو البقيوي” أو “حدو الأكحل”، الإنسان الريفي المميز والاستثنائي. كان “يقطع المسافة من تلمسان إلى وجدة والريف وحتى تطوان على صهوة جواده وحيدا.. وله علاقات جمة مع قادة الجيش الفرنسي هنا في الجزائر والمغرب، يتحدث بالإسبانيّة والفرنسية والعربية والأمازيغيّة”، وفق ما تذكره رواية “الحاج ألمان”. ويعد “حدُّو البقيوي”، من بين الشخصيّات التي سيبرز دورها أكثر في حرب الريف، قبل أن ينتهي به المطاف أسيرا لدى فرنسا بالصويـرة، بعد أن نفي الأسد الريفي ابن عبد الكريم إلى جزيرة “لارينيون” سنة 1926.

أهـوال حرب الرّيف

من ميناء الجزائر التي أمضى بها بعض السنين القليلة في “الفيلق الأجنبي”، سيجد، مرة أخرى، “الحاج ألمان” نفسه ضمن فيلق ذاهب إلى مكناس سنة 1916، إذ سيعمل في دوريات عسكرية بالمدينة رفقة زملائه. في خضم ذلك، وبعدما رحل عن الجزائر، ستصله ذات يوم رسالة من صديقه الصحافي الفرنسي “رينيه”، يقول فيها: “في هذه اللحظات نقطع الطريق نحو تطوان مع رفيقي “حدّو لكحل البقيوي” بعد أسابيع قضيناها بين أجدير والحسيمة، إذ تعرفت على زعيم القبائل هنا في الريف القاضي سِّي عبد الكريم الخطابي.. أجريت حوارا مع الرجل.. كانت أيامي في الريف عامرة باللقاءات وحصلت على العديد من القصص والصور الرائعة”.

من جهة أخرى، فالصحافي “رينيه” ينقل لصديقه، وضمنيّا للقارئ، تفاصيل وأجواء مقاومة القبائل الريفيّة للاحتلال الإسباني، وبسالة المقاومين في وجه الطُّغمة الاستعمارية، إذ يذكر: “أتعرف يا كليمس أن الناس هنا في الشمال يؤمنون أن حربهم ممتدة عبر التاريخ مع إسبانيا، حكاية أكثر من 8 قرون، من فتح وفتح مضاد”. كما أنه يصف مدينة تطوان التي كانت تعد عاصمة الإقامة العامة الإسبانيّة، فضلا عن معطيات أخرى كما هو حال “المقابلة الفارقة” التي حظي بها الصحافي الفرنسي مع الجنرال “مانويل فيرنانديز سلفيستري”، إلى جانب ثلة من الصحافيين، من بينهم الصحافية الإنجليزية “آن ريتشارد”، التي كانت تعمل ضمن الوفد الصحفي الملحق بالمندوبية البريطانيّة في طنجة. كما سيقابل الصحافي الفرنسي ذاته فيما بعد “أحمد الريسوني”، الذي تحصّن في معقله نواحي الشّاون.

لقد كانت رسائل الصحافي “رينيه” الموجهة إلى صديقه “كليمس” أو “الحاج ألمان”، تتجدّد وتصِلُه من حين إلى آخر، وكان ينقل من خلالها أخبارا ومعلومات غاية في الأهمية، بحكم أنها تحكي وتدوِّن وتؤرِّخ لأحداث ووقائع، كما هو حال الرسالة التي بعث بها من مدينة “مليليّة”، يصف فيها الجو العام الذي خيّم على الريف ذات لحظة فارقة. تقول الرسالة: “الكآبة والحزن يجتاحان ربوع الريف، رحل القاضي سّي عبد الكريم الخطابي، سُمِّم ومرض بينما كان يخطط لشيء انكشف حين عاجله الموت.. الجفاف والمرض ضربا الرّيف”. في مقابل ذلك، سيتولى الابن محمد توحيد صفوف القبائل الريفية لمواصلة المقاومة، وهو ما يتجلى من خلال ما ورد في الصفحة 167: “محمد بن القاضي عبد الكريم الخطّابي، استطاع ذلك الرجل أن يوحد القبائل ويفرض سطوته عليهم، عملا جاهدا ليجمع كلمة القبائل، ورغم تلك العراقيل نجح في ذلك، كان رد الإسبان قاسيا على تلك الأخبار التي وردتهم عن دعم القبائل للرجل الجديد، نصبت المدافع على “جزيرة النكور” أو “صخرة الحسيمة”، وقامت بقصف أحد الأسواق بقبيلة “أيت ورياغل””. وبعد انطلاق المقاومة الريفية بعد وفاة القاضي عبد الكريم، وتزعم ابنه محمد قيادة القبائل، ستشتد المعارك والحرب بدءًا من سنة 1921، وهو ما ينقل تفاصيلها ووقائعها الصحافي “رينيه” الذي كان حاضرا وشاهدا على “أهوال حرب الرّيف”، كما سماها هو نفسه، خاصة معارك “إغريبن”، و”أبران”، و”أنوال”. هذه الأخيرة التي تبقى العنوان الأبرز لحرب الرّيف التحررية ما بين 1921 و1926.

عـاش الموت.. عاشت الحياة

في خضم هذه التطورات والأحداث التي كانت حدّتها تتزايد على جبهات القتال بالأطلس المتوسط (مقاومة موحا أوحمو الزياني، وابنته “يطّو”، ضد فرنسا) وبجبال الرّيف (مقاومة عبد الكريم الخطابي ضد إسبانيا)، سيقرر “الحاج ألمان”، المجند ضمن صفوف “الفيلق الأجنبي”، الهروب من ثكنة مكناس على جواده في اتجاه معسكر المقاومة والثوار بالأطلس، حيث بدأ حياة جديدة وبسيطة رغم شقائها. أجاد العربية وتعلم الأمازيغية، واختلط بالناس والأهالي. ومع مرور الوقت، سيجد “الحاج ألمان” نفسه في بيت الخطابي بـ”أجدير”، يجاور كلا من “حدو لكحل” و”أزرقان” ورجال الخطابي ممن جمعته بهم أحاديث حول المقاومة سعيا إلى تحقيق “الحق والعدل”، وكذا أحاديث عن تطورات السّاحة وحصار تطوان وانضمام قبائل “أنجرة” و”جبالة” إلى صف الأمير الخطابي، وسفر أخيه “امحمذ” إلى باريس لمفاوضة الفرنسيس بعد اندلاع حرب تازة وفاس على نهر “ورغة”، وسرعان ما واظب “الحاج ألِمان” على قضاء أيام رفقة زعيم المقاومة الريفية، بل “صار مترجما ومحدثا باسم ثوار الرّيف”، وقائدا عسكريا يخطط، وهو الجندي السابق في الجيش الألماني والمجند سابقا في الجيش الفرنسي. علاوة على كونه كان السبب في التحاق العديد من الجنود الإسبان والفرنسيين بالمقاومة الريفيّة.

ومن جملة القضايا التي تطرقت إليها رواية “الحاج ألمان”، حصار فاس لمدة 3 أشهر وبسالة الثوار ودور “الحاج ألمان” في قهر الجنود الفرنسيين من خلال استعمال المدفعيّة، وكذا قوة المعارك التي وقعت واستعملت فيها الطائرات والقصف الجوي والمدافع والمدرعات، كما تشير الرواية نفسها إلى فيلق “التيرسيُّو”، وهو “فيلق إسباني جمع كل المتوحشين والقتلة والمجرمين من أنحاء العالم”، إذ تم تسخيرهم في الحرب ضد أهالي الريف، وكان أعضاء هذا الفيلق يسمون أنفسهم بـ “عرسان الموت” ويؤمنون بشعار: “عاش الموت”، في وقت كان فيه أسد الريف يقول: “عاشت الحياة، والحرية لا بديل عنها، ويجب أن نعلمهم أن الحرية حق لكل إنسان وغاصبها مجرم” ص 208.

غـيوم الموت

بعد طول مقاومة وصمود، وأمام الخسائر والهزائم المتتاليّة والكارثية التي لحقت بالجيوش الإسبانية والفرنسية على السواء، ستعمد الدولتان الاستعماريتان إلى تنسيق وتوحيد حملاتهما العسكرية قصد القضاء على المقاومة الريفيّة التي مرغت سمعة الدولتين. في خضم ذلك، وفي جلسة جمعت الأمير الخطابي بـ”الحاج ألمان” وكان ذلك سنة 1926، بعد أن سفر الأخ “امحمذ” والعم “عبد السلام” الخطابي في جولة دبلوماسية بأوروبا، سيخبر القائد الخطابي “الحاج ألمان” أنه توصل برسالة من “حدّو البقيوي”، ومما جاء فيها: “جاءتني رسالة من حدو الأكحل هذا الصباح. الإسبان يجهزون لشيء ما، يقول إنه علم بطريقة ما أنهم اشتروا كميات كبيرة من الغازات السامة كالتي استعملت في معارك الحرب الكبرى. ما أخشاه هو احتمال أن تكون تلك الأسلحة الفتاكة مجهزة لنا”.

واضح أن الأمر يتعلق هنا بلجوء القوى الاستعمارية إلى استعمال الغازات السامة والحرب الكيماوية المحرمة دوليا ضد العزل بالريف، حيث أمطرت الطائرات قرى ومداشر الريف بالقنابل العنقودية وبأطنان من الغازات السامة، مثل غاز “اللوست” و”الخردل”، وهي القضية التي مازالت تثير الكثير من النقاش بالنظر إلى تداعياتها وتداخل أبعادها التاريخية والقانونية. يقول المؤلِّف بخصوص هذه المسألة: “بعد مرور شهرين، بدأت القنابل تتهاوى على قرى الرّيف.. غاز الخردل السام حصد الأرواح وتهاوت المعاقل، الموت صار جاثما على المدن والبلدات، كان اجتياحا عظيما تحالفت فيه فرنسا وإسبانيا ضد المقاومة في الريف.. إنزال ما يقرب من نصف مليون جندي بأسلحتهم وعتادهم ومدرعاتهم”. لقد تم حصار الريف بعد الاتفاق على هجوم فرنسا من جهة الجنوب والشرق، وإسبانيا من جهة البحر والغرب، في إطار ما سمي بـ”يوم الزحف”. في هذه الأثناء، وبعد اشتداد “الحرب القذرة” على الريف، سيقرر الأمير الخطابي، رأفة ورحمة بأهل الريف، الاستسلام، وهنا قال لـ”الحاج ألمان” في نهاية حديثهما: “انتهى الأمر، تقبل الله منك، يمكنك الذهاب.. أنت حر يا ألمان”، ذلك أن غيوم الموت كانت قد بدأت في الزحف على سماء الرّيف.

عـود على بدء

بعد أن تم نفي الخطابي وعائلته من طرف فرنسا إلى جزيرة “لارينيون”، وانتهى المطاف بـ”حدّو الأكحل” أسيرا أيضا لدى فرنسا بالصويرة، وموت “يطو” المقاوِمة البارعة، بقي “رينيه” وحيدا بطنجة ومعه بقايا صوره وقصصه وحكاياته، أشبه ما يكون بـ”مدينة مرت عليها الحرب”. لكن كيف انتهى الأمر بـ”الحاج ألمان”؟ وحدها جريدة حملت النبأ: “مات “جوزيف كليمس” الشهير بـ”الحاج ألمان”، أحد قادة حرب الريف. يغلف موته الغموض. مات وحيدا بطلق ناري في الرأس. ربما انتحر أو قتله أحد النازيين. كان بطلا مقداما، ومناهضا للإمبريالية. مؤمن بالحرية وثائر مقاوم” ص 191.

الوسوم

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock