دراسات وأبحاث

في الذكرى الـ 99: انتصار أَنْوَالْ من خلال مذكرات الخطابي

عبد الله يُعلى

استبسل الريفيين في معارك حامية الوطيس، دفاعا عن بلادهم وتوقهم للتحرر والانعتاق من الاحتلال الغاشم، اليوم تمر تسعة وتسعون سنة على أكبر انتصار تحرري خلال عشرينيات القرن الماضي، الانتصار الذي تصدر عناوين الصحف الدولية معنونة إياه بـ “Desastre de Annual” (كارثة أنوال)، والذكرى التي يخلدها أحرار العالم في يوليوز من كل سنة، مقتبسين منها الدروس والعبر في تجاربهم التحررية.
إن موضوع المقاومة الريفية، يعد من أهم القضايا التي يتقاطع فيها الباحثين وهواة التاريخ والسياسيين كذلك، نظرا لطبيعة هذا الموضوع وأبعاده، ومن خلال هذه المقالة سنحاول المساهمة في معالجة إشكاليات أبرز معارك حرب الريف، على ضوء مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ضَمَّن الخطابي في المذكرة التي حررها بنفسه في جزيرة لاريونيون، نصوصا عن انتصار “أنوال”، وقبلها عن قاعدة “أَمْزَاوْرُو” وواقعة “سِدِي ابْرَاهَمْ” ومعركة “إِغْرِيبَنْ” ثم عن إخلاء أنوال وموت سيلفستري رئيس القيادة العامة في مليلية، ليعود في مذكرات القاهرة وبالضبط في الجزء الثاني المعنون بـ “الشعب يواجه الاستعمار” ليتناول وبتفاصيل دقيقة ملابسات هذه الأحداث.
وبالتالي فإن عرض ما جرى في أنوال على مجهر التاريخ، يقتضي منا تناول مجموعة من الأحداث المحيطة والممهدة لما حدث بأنوال، والبداية ستكون باستثمار المقاومة للنصر الذي حققه الريفيون في الفاتح من يونيو 1921 بـ “أدْهار أوبران” (للمزيد عن الموضوع راجع مقالنا: في الذكرى الـ 99: معركة أدْهَار أُوُبَرَّانْ من خلال مذكرات الخطابي).
استثمار المقاومة الريفية لانتصار “أدْهاَرْ أوبَرَّان”
غُداة الانتصار المُحقق للمقاومة الريفية في “أدهار أوبران”، والحدث الذي تلاه في “سِيذِي أْذْريس”، يوم 02 يونيو الذي لم يحقق أي نتيجة عسكرية للطرفين. نقلت المقاومة الريفية القاعدة الرئيسية من جبل القامة إلى “أَمْزَّاوْرُو”، لغاية إنشاء خط دفاعي متقدم من المراكز العسكرية الإسبانية، خاصة المركز العام في أنوال المؤسس في 15 يناير 1921، ويلاحظ أن المقاومة الريفية وجدت تجاوبا من قبل المداشر الريفية القريبة من المواقع العسكرية الإسبانية، وكانت في حالة تأهب ومستعدة للحرب، وما فتح مُزارعي “أَمْزَّاوْرُو” منازلهم للمقاومة وانخراطهم فيها إلا دليل على الاستعداد المادي والنفسي للريفيين لتحرير بلادهم.
إن هذا التقدم شرقا، والاقتراب من أكبر معسكر للقوات الإستعمارية في أنوال، الذي كان يضم أزيد من خمسة آلاف عسكري يقودهم مائة وأربعة وتسعين ضابطا، ومجهزين بالأسلحة المتطورة أنذاك، يعتبر في حد ذاته خطوة بطولية، وإعلان حرب نفسية على جنود الاحتلال، رغم أن عدد المقاومين الريفيين اللذين تقدموا إلى “أَمْزَّاوْرُو” وأساسوا النواة الأولى لهذه القاعدة حسب الخطابي، كان عددهم مائتين، إلا أن النص يشير إلى انضمام مجاهدي “أَمْزَّاوْرُو”، والمداشر المجاورة المنتمية إلى مختلف قسمات قبيلة ثمسمان، وخاصة الذين حسموا المعركة في “أدْهارْ أوبَرَّان” قبل أيام.
في منتصف يونيو 1921، انتصر الريفيين في معركة “سِيذِي ابْرَاهَمْ”، ثم اقترح الخطابي خلق مكاتب جمركية في مداخل سوق “رَخْمِيسْ نْ ثَمْسَماَنْ” الأمر الذي وافق عليه الأعيان، بغيت إحداث مداخيل قارة لتمويل قاعدة المقاومة بـ “أَمْزَّاوْرُو”، والخطابي يتناول هذا الموضوع بتفصيل في مذكرات القاهرة الجزء الثاني، المعنون بـ “الشعب يواجه الاستعمار”.
يوم 12 يوليوز 1921، ستعرف قاعدة “أَمْزَّاوْرُو” انعقاد جمع عام بين المقاومين، ومن أهم مقرارات هذا الجمع، تنصيب محمد بن عبد الكريم الخطابي قائدا حربيا لأول مرة، وتأسيس مجلس الحرب، وعن تعيينه يقول الخطابي في مذكراته “وفي ذلك اليوم تعينت قائدا حربيا” (مذكرات لاريونيون، 2017، ص88).
“إِغْرِيبَنْ”: كابوس أَرَّقَ القوات الاستعمارية
ستبدأ معركة “إِغْرِيبَنْ” في 16 يوليوز1921، بإقدام الريفيين على حفر خنادق محاطة من كل الجهات بتل “إِغْرِيبَنْ”، لهدف محاصرة قاعدة الاستعمار، لكن رد سيلفستري من المركز العام بأنوال، جاء مباشرة وبعد يوم فقط، أي في 17 يوليوز، محاولا فك الحصار وإمداد القاعدة بالمؤونة، إلا أنه فشل في فك الحصار، ونفس السيناريو سيتكرر في اليوم الموالي، لكن بدون جدوى.
في عز الحصار الذي ضربه الريفيون على موقع “إِغْرِيبَنْ” حاول القائد العام سيلفيستري أن ينقذ شرف إسبانيا، فأرسل برقية إلى الملك يطلب منه التدخل وامداده بالسلاح الجوي لقصف المداشر المحيطة بموقع “إِغْرِيبَنْ”، لفك الحصار عن القاعدة المحاصرة، وقد استجاب وزير الدفاع انذاك، بإصدار الأوامر للجيوش المتواجدة بمدينة قادس بالإبحار إلى سبتة، ثم لانتقال الجنود إلى مليلية لتعزيز الخطوط الأمامية، لكن لم تعرف هذه الإجراءات المتسرعة أي نجاح في إنقاذ الجيوش الاستعمارية من نيران المقاومة بجبال ثمسمان، لأن أي دعم من إسبانيا كان يتطلب الوقت.
بينما الجنرال فليبي نبارو Felipe Navarro ، القائد الثاني بعد سيلفيستري، كان يحمس جنوده ويحاول أن يشحن معناوياتهم عبر برقيات متتالية يدعوهم فيها للإستمرار وليقاوموا أكثر من أجل سمعة اسبانيا، وكان يقول لهم “إن إِغْرِيبَنْ هي اسبانيا”.
ستستمر المعركة لأيام أخرى، حتى يوم 21 يوليوز، ستسقط هذه القاعدة التي كان على رأسها الجنرال خوليو بنيتيث Julio Benítez، الذي رفض عرض الاستسلام الذي تقدم به الخطابي، وأقسم أن لا يستسلم إلا للموت.
يُستفاد من ردود أفعال الجنرالين؛ سيلفيستري الذي استنجد بملك اسبانيا، واعتبار “نبارو” أن إِغْرِيبَنْ هي اسبانيا، حجم الحصار الرهيب الذي فرضته المقاومة الريفية في هذه المعركة، إذ اضطر جنود حامية “إِغْرِيبَنْ” إلى شرب بولهم وعصر البطاطس للارتواء بالقطرات المستخرجة منها، أمام نفاذ الماء وكل سائل من شأنه ترطيب الحناجر المحترقة عطشا. ولم يتمكن أحد سواء الملك أو وزير الدفاع الإسبانيين من إنقاذ الجنود المحاصرين ببنادق الريفيين في جبال ثمسمان.
حُسمت المعركة في “إِغْرِيبَنْ” يوم 21 يوليوز 1921 لصالح المقاومة الريفية، بعد ستة أيام من المقاومة والثبات في خنادق الشرف، أبان فيها الريفيين عن صمودٍ حديدي، وعقيدة لا حدود لها في الكفاح والدفاع عن شرف الأرض وكرامة الإنسان.
أَنْوالْ بين الهجوم والإنسحاب
إذا كانت معركة “إِغْرِيبَنْ” انتهت يوم 21 يوليوز، فإن الأمر سيقودنا إلى سؤال مفاده: متى وقعت معركة أنوال؟، وهذا السؤال سينبثق عنه سؤال أخر: إلى أي حد يمكن اعتبار ما وقع في أنوال “معركة”؟، ثم ما دور الخطابي وعلاقته بما وقع بأنوال؟..
ضمَّن الخطابي في مذكرات لاريونيون ما يلي: “في صباح الغد [22 يوليوز] لهاته المعركة المهمة [ٍ إِغْرِيبَنْ]، بينما كنا نتفاوض في أعمال المستقبل إذ ورد علينا كتاب أو رسول من عند القائد أحمد بودرة الذي كان أحد قواد الجيش الريفي في المعارك السالفة، يخبر بهروب جيش أنوال فوقع منا هذا الخبر موقع التردد بين التصديق والتكذيب فأرسلنا رسلا لتحقيق الخبر واتبعناهم فرأينا هذا المعسكر العام قد تشتت شذر مذر. وقد تعجبنا من هذا الحادث لأننا لم يكن في حسباننا أن يقع إذ لم يكن في خطتنا الهجوم على المعسكر العام إلا أن بعض العصابات من الريفيين باتوا يتبادلون الطلقات النارية ودنوا من المعسكر العام وأصبحوا على مقربة منه وبينما نحن في الطريق إلى أنوال سمعنا البارود ورأينا الدخان يتصاعد من المراكز الكثيرة التي في بني وليشك بكيفية مزعجة” (مذكرات لاريونيون، 2017، ص90).
يفيد هذا النص بأن الخطابي تلقى خبر انسحاب الجيش الاستعماري من موقع أنوال، عن طريق رسول بعث به القائد “أحمد بودرة”، الذي كان في أنوال، بينما الخطابي كان في مكان أخر، لم نتعرف عليه من خلال نصوص المذكرات بين أيدينا، لكن نُرجح أنه كان في قاعدة “أَمْزَّاورُو”، لأنه مباشرة بعد أن تناهى إلى علمه بهجوم مجموعة من المقاومين على المعسكر، اتجه إلى أنوال.
نسجل من خلال هذا النص معطيين مهمين: يتجلى الأول في كون الخطابي باعتباره “قائد الحرب” لم يكن الهجوم على المعسكر العام في أنوال واردا ضمن برنامج المقاومة، ثانيا أشار الخطابي إلى أن انسحاب أو هروب الجيش من أنوال حسب تعبير الخطابي، لم يأتي بمحض الصدفة، بل نتيجة اقتحام ما سماه بـ “بعض العصابات من الريفيين”، والعصابات هنا ليس المقصود بها ذلك العمل المتنافي مع القانون أو الأخلاق العامة، بل تدل على عدد من المقاومين، ينظمون أنفسهم في مجموعات، يقومون بمناوشة القواعد الاستعمارية من جهات متعدد، ثم يهجمون وهذا ما سيعرف بحرب العصابات.
في الجزء الثاني “الشعب يواجه الاستعمار” من مذكرات الخطابي في القاهرة، يفسر الخطابي ما حدث بالضبط، ولذلك نستأذن الأستاذ حسن البدوي لإيراد النص الذي اقتباسه من المذكرات كاملا: “مع شروق شمس يوم الجمعة 22/7/1921 قام الخطابي بتفقد مواقع الجنود، لكن القائد أحمد بودرة لم يكن قد عاد أو وصلت عنه أية أخبار، الأمر الذي أقلق الخطابي. وبعد ربع ساعة مضت على عودة الخطابي إلى خيمته؛ لحقه رسول يحمل رسالة شفهية من أحمد بودرة، يخبره فيها بأن الأسبان بذلوا جهدا كبيرا لنسف قاعدتهم في أنوال بما فيها من مستودعات للأسلحة والذخيرة ومحطة الراديو، إلا أن الوقت لم يسعفهم لاشتباك المجاهدين معهم في معركة خاطفة أربكتهم، وجعلتهم ينسحبون منها، وأن ثمة معركة تدور الآن بين المجاهدين والأسبان الفارين، بالسكاكين والسلاح الأبيض والعصى والحجارة، بعد أن توقفت مدفعية أنوال عن العمل تنفيذا لأوامر الجنرال سيلبيستري بالانسحاب” (أنظر محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا 1920 ـ 1963، ص 53).
يكشف الخطابي في هذا النص عن مضمون الرسالة التي حملها الرسول من القائد بودرة إليه، ويمكن تحديد أهم ما جاء فيها، في كون أن جيش الاستعمار في أنوال أراد الانسحاب من الموقع ونسف ما كان في حوزتهم من مستودعات الأسلحة والذخيرة ومحطة الراديو، ويفهم من عبارة “نسف” معنيين، إما أن يكون المقصود بها نقل ما كان في مستودعات المركز العام بأنوال إلى مراكز خلفية شرقا، بعدما أصبح أنوال يمثل الجبهة الأمامية، وفي مواجهة مباشرة مع المقاومة الريفية، بعد انتصار “إِغْرِيبَنْ”، وقد تعني عبارة نسف، أن القائد العام سيلفيستري، كان قد أصدر أوامره لإحراق وإتلاف ما كان من سلاح وذخيرة في معسكر أنوال، حتى لا تستفيد منها المقاومة الريفية، ونحن نعلم أن مصدرالسلاح الذي استخدمته المقاومة الريفية هو مصانع اسبانيا، وعن هذا الموضوع أورد الخطابي في مذكراته، نسخة علي الحمامي، الاتي: “وهكذا ظلت مصانع السلاح الأسبانية تزودنا بلا انقطاع لا بالبنادق والرصاص فقط، بل بالمدافع والرشاشات والمسدسات وأسلاك التليفون والمواد الطبية” (مذكرات الخطابي، نسخة علي الحمامي، ص 55 ـ ، نقلا عن البدوي، ص53).
يخبرنا النص بأنه ثمت “معركة خاطفة” بين المجاهدين والجيش الإسباني، وبالتالي فهو هجوم لم يكن مخطط له، ولم يكن في علم الخطابي، كما هو واضح من خلال النص السابق، ويؤكد منطوق النص أن هذه المعركة “أربكتهم، وجعلتهم ينسحبون”، ومن خلال هذه التفسيرات الدقيقة التي يقدمها الخطابي في المذكرات، يُستنتج أنه كان هناك هجوم قوي من قبل الريفيين، رغم عدم حضور الخطابي ومشاركته، ولا حتى علمه بذلك، إلى درجة جعلت القوات الاستعمارية تنسحب من أكبر معسكر في الريف الشرقي بعد مليلية، والذي كان يشرف عليه القائد العام لمليلية الجنرال سيلفيستري الذي أمر بنفسه بالانسحاب من أنوال، وبالتالي فإن هذا الأمر الصادر من شخصية عسكرية من حجم سيلفستري، يجعلنا نتصور قوة الهجوم الذي تعرض له معسكر أنوال.
يشير النص إلى معركة الفلول الهاربة، التي جرت وقائعها بين فجاج جبال “إِسُومَّارْ” الخط الرابط بين مركز أنوال ومركز “أيث طييب” بقبيلة “أيْثْ وْرِيسَّشْ”، وحسب رسالة القائد أحمد بودرة التي بعث بها إلى الخطابي، فإن هذه المعركة أُستعمل فيها السكاكين والسلاح الأبيض والعصى والحجارة، وفي هذه المواجهة بالذات سيلقي حتفه الكولونيل غبريل موراليس Gabriel Morales، الذي سيتدخل فيما بعد الخطابي لتسليم جثته لعائلته.
الخطابي يتفاجأ بانهزام الجيش الاستعماري في أنوال
لم يصدق الخطابي ما أفاده به الرسول الذي جاء من عندي القائد “أحمد بودرة”، والأمر كان يقتضي ذلك، فكيف لفئة قليلة من الريفيين، وفي مرحلة البداية، وكما رأينا فحتى الخطابي باعتباره قائد الحرب، لم يكن بعد يبسط نفوذه كقائد المقاومة في وسط الريفيين، وهذا ما سيؤكده لاحقا في مذكراته حيث يقول: “وقلنا لأنفسنا وكأننا نحاول التحقق من إجابة على سؤال لم نكن نريد أن تكون إجابته إلا ما أنبأتنا به الرسالة الشفهية: هل انسحب الأسبان حقا من أنوال؟ حقيقة فقد داخلني الشك رغم أن الرسالة من قائد مسئول. ولأن مفاجأة هذا الإنسحاب كانت من قوتها لدرجة جعلتني لا أصدقها أبدا، بعد أن كانت أكثر احتمالاتنا تفاؤلا هي طردهم من إغريبن، لنقضي على نتوئها، فنستطيع نقل خطوطنا الحربية إلى ما وراء الخط الأسباني في أنوال كما قررت الخطة. وبينما نفكر في الوصول إلى إجابة توافق ما كنا نتصوره، جاءنا رسول آخر يقول: لقد سحقنا الأسبان في بومجان وممّيس وسيدي إدريس وأنوال، والمجاهدون كلهم في انتظارك هناك، فهلموا الآن ولا تتأخرو” (مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي: الشعب يواجه الإستعمار الأسباني، ص 530. أورده البدوي، ص53).
إذن ما وقع جاء عكس ما خُطِّطَ له، لكن رغم حجم المعسكر العام في أنوال، والمكانة العسكرية للذين أُسند إليهم أمر قيادته، فإن جيش الاستعمار كان قد أقهرته المقاومة الريفية في “إِغْرِيبَنْ” لكون المعركة كانت عبر خمسة أيام، وبالتالي فإن الهجوم العسكري لإنقاذ القاعدة كان متفرق، مما مكّن المقاومة من هزمه شر الهزيمة في ساحة الوغَى، ثم إدخال الرعب في نفوس الجنود الذين كانت فيهم نسبة كبيرة، ضحايا التجنيد الإجباري ولم يكن لهم أدنى استعداد لخوض حرب استعمارية، بل زُجَّ بيهم في المحرقة.
في نفس اليوم الجمعة 22 يوليوز وفق مذكرات الخطابي، انهزم الإسبان في أنوال، بومَجَّانْ، مَامِّيسْ، وسيذِي أْذْرِيسْ، وهذه كلها كانت قواعد عسكرية استعمارية، وانسحبوا عبر جبال “إِسُومَّارْ” متراجعين إلى الخطوط الخلفية، في هذه الأثناء أُستدعي الخطابي من طرف المجاهدين، وحسب البدوي: “توجه الخطابي مباشرة إلى أنوال حاملا مسدسه ذي العشر طلقات وبندقيته البيضاء، برفقة بعض ضباطه، مترجلين إلى أنوال، وعلى بعد مائة متر منها، نصبت خيمة القيادة، وهناك توافد المجاهدون لتهنئة الخطابي” (أنظر محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا 1920 ـ 1963، ص 54). ومن خلال عبارة مترجلين، نؤكد الفرضية السابقة التي افترضنا فيها أن الخطابي أثناء هجوم الريفيين على معسكر أنوال وانسحاب الجيش منها، كان في قاعدة المقاومة بـ “أَمْزَّوْرُو”، على بعد حولي 6 كلومترات من أنوال.
عدم مشاركة الخطابي في انتصار أنوال ودوره في المقاومة
الخطابي يصرح في مذكراته بأنه لم يشارك في معركة أنوال، وأنه لم يصدق خبر اندحار جيش الاستعمار، كما أنه لم يشارك من قبل في انتصار الريفيين في معركة “أدْهَارْ أوبَرَّانْ”، لكن النصوص الواردة في مذكراته، و من خلال الأبحاث التي قمنا بها، والمراجع التي اطلاعنا عليها، نخلص إلى أن الخطابي رغم تقلده منصب القيادة، في 12 يوليوز بموجب الجمع العام المنعقد في “أَمْزَّاوْرُو”، إلا أنه لم تَبرز قيادته الفعلية إلا بعد تأسيس الحكومة الريفية غداة انتصار أنوال، أما قبل ذلك فلم يكن إلا واحدا من بين الريفيين المحاربين حسب المذكرات.
بالرغم من ذلك يبقى دور الخطابي قبل الانتصار في أنوال مهم جدا، حيث استطاع توحيد مجموعة من اللفوف وكبار القبائل لمواجهة الاستعمار، فلولا أسلوبه البارع في الإقناع لما انطلاقة المقاومة مرة أخرى في هذه المرحلة، وبالتالي فإن دوره أكثر بكثير من أن يكون قائدا عسكريا ميدانيا، فالريفيين أنذاك ونظرا لعوامل الطبيعية التي أنشأوا فيها، كانوا مقاومين من طراز رفيع، بغض النظر عن عقيدتهم التحررية، فإنهم كانوا مكَوَّنين ومدربين على استعمال السلاح.
لكن ما كان ينقصهم هو القائد المخطط والمدبِّر، وقائد ذو استراتيجية ومشروع، هذا ما أبان عليه الخطابي الذي جاء بمشروع لتحديث الريف، وما المقاومة وحرب التحرير التي خاضها الريفييون إلا من أجل الاستقلال وتحقيق هذا المشروع، الذي تجلى في تأسيس حكم مركزي يعتمد المؤسسات، وخلق حكومة ودستور، وما تلها من مظاهر التحديث على المستوى السياسي: الراية، العملة، الوزارات الخ، وعلى المستوى الاجتماعي: منظومة تعليمة، شبكة الهاتف، المحاكم…
بالتالي فإن الخطابي رجل سياسة، برهن على استراتيجيات عميقة في التنظيم والسياسة، وقبلها في التخطيط واستدراج جيش الاستعمار، لكن لا يمكن اعتباره إلى حد ما قائدا حربيا يتزعم طوابر الجيوش. كما أن حرب الريف على عهده لم تكن حرب “مقدَّس” بل حرب تحرير من أجل التحديث، وهذا ما يفهم من قولته الشهيرة “أنا مسلم أعبد الله وأقوم بشعائر ديني ولكني أحب ان ارى مداخن المصانع في بلادي أكثر من مآذن المساجد”.
موت سيلفيستري: العثور على النياشين واختفاء الجثة
لازال النقاش عن هلاك القائد العام للجيش الاستعماري في حرب الريف “سيلفيستري”، لم يحسم بين الباحثين ويمكن تلخيصه في فرضيتين “قُتل أم انتحر”، أما كونه انتحر، الفكرة التي تُدافع عنها الاستوغرافية الاستعمارية، فبغض النظرعن الخطاب الاستعماري أنذاك، ومحاولة إجاد أسباب تبريرية للهزيمة، وتحميل المسؤولية لبعض الجنود الصغار، والظروف التي تمت فيها إنجاز تحقيق “بيكاسو”، فإن هذا الطرح قد يكون مؤسس على إفادة للناجين من أنوال، الذين تم الاستماع اليهم.
لدينا شهادة لطبيب عسكري كان في أنوال هو “كارلوس بويغ” الذي عاين بواسطة منظاره كيف كان سيلفيستري يقف عند مدخل المعسكر في أنوال وهو يشير بيده ويصرخ، يقول الطبيب العسكري “رأيته وهو يترنح ويرفع يده إلى صدره ثم إلى رأسه قبل أن يسقط أرضا على بطنه” (العناق المميت، ص 169). فهل يكون رفع يده إلى رأسه من أجل إطلاق أخر رصاصة على نفسه وسقط أرضا؟، أم أن ترنحه جاء نتيجة رصاصة قناص ريفي؟.
الغريب في الطريقة التي لقي بها سيلفيستري حتفه، هي فقدان جثته، رغم أن الخطابي بدوره أمر بالبحث عن جثته، ولم يتم إيجاد إلا حزام الجنرال ونياشينه ومسدسه، الذي تسلمه من المقاوم “عمر عبد السلام”.
فتح الخطابي فيما بعد تحقيق في “أَجْديرْ” مع الأسرى، بشأن قضية سيلفستري، وفي مذكراته حرر حول هذه القضية أن “في اليوم الخامس لإقامتنا بأنوال أخبرنا أن الجنرال سلبستر قد فقد وكذلك الكورونيل موراليس، ففتشنا عليه في الأسارى فلم نجده وكذلك فتشنا في جثث الموتى التي وجدت في أنوال فلم نجده. نعم وجدت جثة الكورونيل موراليس فسلمناها لعائلتها التي طلبتها” (مذكرات لاريونيون، 2017، ص92).
إن هذه المسألة تطرح إشكالا عميقا، تتفرع عنه مجموعة من الأسئلة: كيف لقي سيلفستري حتفه؟ أين اختفت جثته؟ هل فعلا النياشين، الحزام والمسدس الذي سلمه المجاهد “عمر عبد السلام”، تعود لـ سيلفيستري؟..
تداعيات انتصار “أنوال”
من الجانب الإسباني:
بالرغم من الهزائم التي تكبدها الاستعمار خلال القرنين 19 و20، وخاصة اسبانيا في مستعمرتها، إلا أنها لم تكن بحجم الهزائم المتوالية، التي دُحر فيها الجيش الاستعماري في مثلث الموت بثمسمان، أمام إرادة الريفيين وعقيدتهم التحررية، ويتجلى حجم هذه الهزيمة في انعكاساتها أمام الرأي العام الدولي “فقد أصبحت هذه الهزيمة بالفعل، علامة مرجعية أسطورية في الخطابات المختلفة، سواء بالنسبة للإسبان أو المغاربة، أو لدى كل من اليمين أو اليسار الإسبانيين” (العناق المميت، 2016، ص125).
تركت هزيمة أنوال أثرا عميقا في الذاكرة الجمعية الإسبانية، وقد عزت أنذاك صحف اليمين واليسار ما وقع إلى “همجية ووحشية” وسمته بالكارثة Desastre de Annual. فقدت اسبانية في هذه المعركة حسب بعض المصادر 11 ألف عسكري -هناك من أشار إلى أكثر-، كما فقدت كل ما كان معها من الأسلحة والعتاد الحربي، وسقط مئات الاسرى في يد المقاومة الريفية.
تعد هزيمة الإسبان في أنوال، وما تلها من هزائم في جبل العروي وتحرير الناضور، من الأسباب الغير مباشرة في سقوط الملكية في اسبانيا لاحقا، وقد عجلت معركة “إِغْرِيبَنْ” وانسحاب أنوال باستقالة الحكومة الإسبانية، بعد أربعة أيام من سقوط مركز العروي في 8 غشت 1921، وحلت محلها حكومة الائتلاف الوطني Coalición Nacional ترأسها أنطونيو مورا Antonio Maura، التي بدورها لم تستمر طويلا، ففي مارس 1922 تشكلت حكومة جديدة، وهكذا استمرت الوضع السياسي في اسبانيا أمام انعكاسات هزيمة أنوال، و الضغط الشعبي لأسر الضحايا ومعارضي الحرب الاستعمارية في الريف.
طالب الشعب الإسباني أنذاك بكشف حقيقة ما وقع في معارك الريف، وتقديم المسؤولين إلى العدالة، وعليه قامت الحكومة بتعيين الجنرال خوان بيكاسوJuan Picasso كقاضي التحقيق لإعداد تحقيق فيما وقع وتقديم المسؤولين الاستعماريين إلى العدالة.
من الجانب الريفي:
لخص الخطابي في مذكراته نتائج هزيمة أنوال قائلا: “فلم تغرب شمس هذا اليوم [22 يوليوز] إلا وكان الأسبان قد تفرق شملهم وقتل منهم ثلاثة عشر ألفا” (أنظر محمد بن عبد الكريم الخطابي ودوره في تحرير شمال أفريقيا 1920 ـ 1963، ص 54).
بينما أشار وزير الشؤون الخارجية في حكومة الريف “محمد أزرقان” إلى أن عدد الجنود الذين سقطوا بين “إِغْرِيبنْ” و”أنوال” على امتداد سبعة أيام، من 17 إلى 22 يوليوز، هو 25 ألف. (الظل الوريف في محاربة الريف، 2010، ص130).
يلاحظ أن إفادة الخطابي تخص فقط اللذين سقطوا في أنوال يوم 22 يوليوز، بينما العدد الذي أشار إليه محمد أزرقان، يشمل كذلك قتلى معركة “إِغْرِيبَنْ” على مدار خمسة أيام، والذي بلغ حسب أزرقان 12 ألف، وبالتالي يكون هذا الاستنتاج مهم جدا في إحصاء عدد الجنود اللذين دحرتهم المقاومة الريفية في معركة “إِغْرِيبَنْ”.
وقد عبر الخطابي في مذكراته عن تأسفه الشديد لما وقع، ففي ختام عرضه لأحداث معركة “إِغْرِيبَنْ” و”أنوال” قائلا: “هذه هي الحقيقة في نكبة أنوال وأسبابها فلنترك الحكم للقارئ في فهم من يتحمل المسئولية” (مذكرات لاريونيون، 2017، ص95). إن إطلاق تسمية “النكبة” على انهزام الجيش الاستعماري في أنوال، فيه دلالة عميقة، ومفتاح لفهم جوهر خطاب المقاومة الريفية أنذاك، وبعده الإنساني الكوني، ونحن نستحضر السياق الذي كُتب فيه مخطوط “موريس صاني” الذي سيعرف فيما بعد بـ”مذكرات لاريونيون”، حيث حُرِّر مباشرة بعد وصول الخطابي إلى منفاه في جزيرة لاريونيون سنة 1926، بمعنى أن هذا الموقف أُنتِج في فترة المقاومة 1921 – 1926 ولم ينتج فيما بعد.
ما أن وصل الخطابي إلى “أنوال” يوم 22 يوليوز، حتى أصدر أوامره باعتباره قاد الحرب، إلى القبائل الواقعة بين أنوال ومليلية، التي كانت قد تم احتلالها وعليها مراكز عسكرية، بأن لا يهاجموا هذه القواعد، ومعاملة الفلول الهاربة بكرامة وإنسانية.
في اليوم الثاني لمعركة أنوال 23 يوليوز، عقد مؤتمر في منطقة “بودينار” بثمسمان تقرر فيه في شأن الأسرى، ومسألة الغنائم التي أسند أمرها لـ أمحمذ الخطابي، وفي هذا المؤتمر برزت لأول مرة فكرة تأسيس النواة الأولى للحكومة الريفية، بعد الاستقلال الذي تحقق بفضل إرادة الريفيين أولا وببنادقهم ثانيا، خاصة أمام حجم السلاح والعتاد الحربي الذي غنمته المقاومة الريفية، الذي كان كافيا لتحديث جيش ريفي منظم.
على سبيل الختم نسجل استنتاجين، الأول: من حيث الأحداث والدرس التاريخي الذي يمكن أن يُستفاد من تجربة المقاومة الريفية، الذي نختصره في آليات وحدة شعب أعزل في مواجهة استعمارمنظم، والطريقة التي اعتمدها في تحرير نفسه بنفسه. ثم نستنتج أن المعركة الكبرى التي خاضتها المقاومة سنة 1921 هي معركة “إِغْرِيبَنْ” من يوم 16 إلى21 يوليوز، وما وقع في أنوال يوم 22 يوليوز –وليس 21- لم يكن إلا تحصيل حاصل، واستمرارية للمعارك البطولية التي خضها الريفيون في محاربة الاستعمار، لكن حجم الكارثة على الخطاب الاستعماري الأوروبي أنذاك، وبعدها الدولي غطّ وكان سببا في التعتيم على استماتة الريفيين ودفاعهم عن حرية وطنهم في “إِغْرِيبَنْ”، ثم في “أنوال”، ونفس الطرح يؤكده محمد بن عزوز حكيم في كتابه المعنون بـ معركة انوال “وهنا يجب ان الفت نظر القارئ الكريم الى شيئ وجب ايضاحه، وهو ان المعركة الحقيقية التي كانت اكبر هزيمة عرفها جيش دولة استعمارية في العالم خلال القرن 20 لم تجر بأنوال كما يعتقد الجميع، بل جرت بإغريبن يوم 21 يوليوز 1921، (…) فلم تكن انوال معركة بالمعنى الصحيح”.
ثانيا: نستنتج على مستوى عينات مذكرات الخطابي التي اشتغلنا عليها، الملاحظات الأتية: بالنسبة لمذكرات لاريونيون، فإن ما ورد فيها بقلم الخطابي جاء بشكل عرضي وباختصار، وكأنه يجيب عن أسئلة بإيجاز، على عكس مذكرات القاهرة المكونة من ثلاثة أجزاء (3000 صفحة)، فإنه يقف عند كل حدث بالتفسير والتوضيح الكافيين لإعادة فهم ما وقع، مستحضرا أسباب أي معركة ونتائجها بتفاصيلها الدقيقة، وذكر الشخصيات المشاركة ولم يغفل الخطابي مساهمة المرأة التي اعتبرها بطولية كالمشهد الذي شهده في معركة “سِيذِي ابْرَاهَمْ” على سبيل المثال، كما نسجل بعض التناقضات بين المذكرتين في أسباب اندلاع بعض المعارك ومجريتها، وبدورنا نرجع ذلك إلى كون أن مذكرات لاريونيون في الأصل هي مجوعة من الإفادات كتبها الخطابي وسلمها للجنرال “موريس صاني”، ومنه قد يكون الخطابي قد لم يعطي أهمية لهذه التفاصيل، أو أنه أراد تغيبها عمدا عكس ما كتبه في القاهرة. ونظرا لأهمية هذه المذكرات نُلح مرة أخرى عن المطالبة بالإفراج عنها.

عبد الله يُعلى/ باحث اسبانيا

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock