أقلام حرة

قصة قصيرة ادريس الغالب

الحلقة الأولى (1)

 

كان ميمون متكئاً على جانبه الأيسر. يمعن النظر إليها بتقاسيمه الشاحبة. يقرأ أشياء و يبحث عن أخرى في وجهها… كانت زليخة ممدودة على ظهرها فوق الأريكة. تحملق إلى السقف بعينيها الكحلاوين و نظراتها الحادة الشاردة لكنها كانت غائبة بخيالها… منذ أن نزلت في زيارة عنده و ميمون يتساءل عن سر عمق عينيها. كان يبحث باستمرار عن شيء وراء مقلتيها دون أن يقوى على العثور عليه. كان يُهزم كل مرة و هو يحاول كشف إيزار عينيها الساحرتين… أفاقت زليخة من سفرها. رمشت بعينيها و أبانت عن جفنتيها المنخفظتين قبل أن تدير وجها الجميل البشوش إلى حيث يتكئ ميمون بجانبها. ذابت في نظرتها إليه و ابرزت حفاوة صدرها إشارة منها: ها أندا. في وهلة باغتها السؤال و شعرت أنها لا تعرف بعد لماذا هي هكذا سريعة الذوبان في ميمون. كانت تحس و كأنها على موعد مع شيء غريب وراء صمته و هدوئه. ارتمت في حوار الرموش معه و راحت تنظر إلى تجاعيد وجهه الحزين، و هو ما يزال ينظر إلى عينيها. لم يستطع مغادرتهما. كان ينقب عن شيء ما، فلم يجده. كان يبحث عن شيء ينقذه فلم يلقاه… تبين له حزنها و ضجرها رغم بشاشة وجنتيها و هي تنظر إليه. إحساس يغمره منها لكنه دون انبعاث. إحساس واضح جداً لكنه أخرس و بدون إشعاع…
في محاولة لصده عن نظراته الخارقة. قالت و هي تبتسم و تمرر على شعره: كم أنت بئيس يا ميمون! مسكين أنت…!
لم يقل شيئاً في اللحظة الأولى. أخذ يمرر على شعرها هو الآخر. ثم قال بعد ثوانٍ: نعم! إنها مسؤوليتي و أنا مخطئ و أعرف ذلك جيداً.
قالت: أرجوك. أتركني أعينك على محنتك كي تعود لك الابتسامة من جديد. أرجوك يا ميمون. أما زلت تتذكر!؟ لقد كانت أياما جميلة و كنتُ سعيدة معك. لا أريد شيئاً سوى أن أراك مبتسماً و تستقبل الحياة كما كنت من قبل.
في تلك اللحظة وقف ميمون من مكانه، ولع سيجارة ثم اقترب من النافذة يراقب المارين من طابقه العلوي. لم يجبها. لكنها كانت تلح عليه و تتوسل إليه كي يرافقها إلى بِرلين حيث يمكن أن تساعده و تتطمأن عن أحواله من قريب…
أجابها: يا عزيزتي أنت تعرفين جيداً أنني قد طويت صفحة بِرلين و أهل بِرلين و كل من يسكنها و يجاورها. أكره تلك المدينة و لا أستطيع التنفس فيها.
في تلك اللحظة نظرت زليخة إلى ساعتها ثم قالت: يا إلاهي. إن الوقت يداهمني و أنت تعرف أنني سأسافر هذه العشية. علي الآن أن أوظب حقيبتي…
أجابها: طبعاً أعرف أنك ستغادرينني هذا المساء.
قالت و هي توظب حقيبتها: إنك تعرف جيداً لماذا أتيت… عندما علمت أنك قد عُفيت من ورمك الدماغي و تم تسريحك من المستشفى، آثرت إلا أن أترك كل أشغالي و أسافرلزيارتك. و الآن وقد رأيت بأمي عيني أنك في تحسن و وجهك بدأ يأخذ نصيبه من الدم الذي يسري في عروقك. عليك فقط أن تواظب على تناول وجباتك في وقتها… أرجوك فكر جيداً في الأمر فإني أريدك بجانبي. لا لأنني أحبك فقط بل لأنني أخاف عليك و أحبك بطريقتنا الخاصة كما نعلم نحن الإثنين.
ميمون كان ينصت إليها لكنه كان سرحاناً في عالمه البئيس من جديد.
كي تخترق زليخة صمتهو نظراته عبر زجاج النافذة، قالت و هي تقترب منه: إن الحياة جميلة يا ميمون! فقط عليك بشيء من الصبر حتى تمر هذه العاصفة فقد بدأت بوادر اندثارها تظهر بشفائك و معافاتك. فهذا شيء جميل و بشير للخير.
أجابها: لا يا عزيزتي هذا ما يبدو لك. فلقد انتظرت و شمرت و صبرت و ابتلعت ما لا يخطر على بالك. هذا الواقف أمامك لم يسبق له أن سقط أو تعثر كي يفقد الأمل و لو في شدائد العواصف و الطوفان. في حقيقة الأمر لا أحب الهزيمة. كنت دائماً و دوماً أقف و أستمر و أساير ثم أداعب كل الأمواج. الكفاح و الاستمرار كان قاعدتي و نٍبراسي عندما كانت الشمس تنير الطريق. أما الآن يا زُليختي فلا شيء في الأفق يزقزق كالبارحة. فقط أنتظر أن تحصل أشياء من حولي كي أتوهم أنني أعيش. لا إحساس. لا شيء. شيء رهيب لا أستطيع وصفه لك بالكلمات و لا حتى بصمتي. اللاشيء و كل شيء…

… يتبع…

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock