دراسات وأبحاث

كتاب الغازات السامة ضد عبد الكريم الخطابي يصدر بحلة جديدة

متابعة حراك الريف

بعد طول انتظار، ومنذ صدور النسخة الألمانية سنة 1991 كتاب : “الغازات السامة ضد عبد الكريم الخطابي ، ألمانيا وإسبانيا والحرب الكيماوية في الريف 1922-1927” يرى النور بحلة جديدة و بترجمة احترافية عالية اعتمدت الدقة و الموضوعية و المصداقية و الأمانة التاريخية في توصيل المعلومة.

وتكمن أهمية الكتاب في احتوائه على توثيق لأحداث أثثت محطة تاريخية يمكن اعتبارها من أهم المحطات التي وشمت جسد جغرافية الريف، محطة تفسر لنا بإسهاب طبيعة الإنسان الريفي.

(…. وجاء في الكتاب لايمكن القول بأن الإنسان الريفي لطيف بطبعه، إذ أن خشونته ستكشف أمره في صالونات باريس بسهولة إنهم رعاة و مزارعون و أصحاب حرف يدوية فنية جميلة، ليسوا أميين، و لديهم تقاليد عريقة وضوابط أخلاقية صارمة، و كباقي الشعوب المتحضرة تخلص الريفيون تقريبا من عادات القرصنة القديمة، و يتميزون بقابلية كبيرة لاستيعاب الشؤون التقنية، و لو تركوا لحالهم لبضع سنوات أخرى لكان بإمكانهم بفضل ميلهم إلى التصرف بحرية في بلادهم أن يصنعوا أسلحة حديثة جيدة تماما كاليابانيين، لكن لم يعد الآن ممكنا استدراك ما فات. حيث أن سياسة التطويق ستحاصرهم، و سيتم تجويعهم حتى الموت، و سيخنق الغاز الفرنسي أنفسهم…. ) كما توضح أيضا .طبيعة الاستعمار الغاشم(… لم يكتف الإسبان بتدمير القرى و التجمعات السكنية عن آخرها، بل قام أيضا بعمليات إعدام جماعية قد ترقى إلى مستوى الإبادة الشاملة.. ) .

يمكن اعتبار هاتين الفقرتين من الكتاب اختصار لما حدث في الريف بتلك المرحلة التاريخية. و بما أن الانسان الريفي عصي عن الإخضاع و التطويع و شرس في الدفاع عن أرضه التي يعتبرها كرامته وجوهر وجوده حول تضاريسها الى أسلحة فتاكة شتتت شمل العدو و وقف أمامها عاجزا (… كل صخرة و كل سياج نباتي يغدو كمينا دون أن يتمكن المهاجمون من اكتشافهم أبدا، يأخذ الريفيون أعداءهم على حين غرة و كذلك يختفون و كأن الأرض ابتلعتهم، إن هذا الصراع الأبدي ضد خصم غير مرئي على الإطلاق كما يؤكد الضباط الإسبان بالإجماع هو الأمر الأكثر إرهاقا في الحملة على المغرب. إذ أن كل هجوم تشنه قوات متفوقة يصطدم بالفراغ، لكن سرعان ما يلاحظ ضغط الريفيين على أجنحة القوات المهاجمة، يليه تضييق الخناق بمهارة لا تضاهى، يؤدي في آخر المطاف إلى تراجع المهاجمين، و تظهر المهارة الفائقة للمقاتلين الريفيين بكل وضوح في نجاحاتهم ضد الفرنسيين المتمرسين في الحروب الاستعمارية و المدججين بأحدث التقنيات الحربية… ) هذا الذكاء الفائق في إدارة الحرب التي فاجأت العدو و الذي لم ينفع معه كل العتاد الحربي المتفوق جعله يلجأ الى السلاح الكيماوي لكسر شوكة المقاومة الريفية بحيث راهن عليه الجنرال بريمو ذي ريفيرا و على المفعول المدمر للغازات السامة و الذي سيؤدي في آخر المطاف الى إرغام عبد الكريم على إيقاف الحرب.

كما يمكن اعتبار الكتاب بمثابة وثيقة تاريخية قد يتم اعتمادها قانونيا لمحاكمة من اقترفوا جرائم الأمس ضد شعب أعزل ذنبه الوحيد رفضه الرضوخ لحكم الأجنبي الذي يسعى لإذلاله بعقر داره، خصوصا و أن الغازات السامة لا يزال مفعولها ساريا حتى بوقتنا الحالي و يرجح ان يكون مرض السرطان المنتشر بشكل مهول بمنطقة الريف و الذي يحصد عشرات الارواح سنويا هو نتيجة حتمية لتلك الوسيلة القذرة التي اعتمدتها القوى الاستعمارية.

ويعد الكتاب مرآة سترى من خلالها الأجيال القادمة تاريخ الأجداد و ما مورس بحقهم من جرائم فضيعة لم تزدهم الا ايمانا بحقهم في العيش الكريم أحرارا طلقاء فوق هذه الأرض.


الكتاب أيضا هو عودة موثقة بالصور الى الماضي على طريقة فلاش باك و نحن نرى أجدادنا بجلابيبهم القصيرة و هم في ساحة المعركة بأسلحة بسيطة لكن بقلوب يسكنها العناد يسطرون لنا أروع الملاحم الحربية التي يشهد العالم بقدسيتها.

و يوضح الكتاب للجيل الجديد الذي يدفعون به للاغتراب الفكري و الهوياتي أنه أهل حضارة و أهل أخلاق و قيم و هذه الأرض التي يسعى البعض لاقتلاع جذوره منها و الدفع به نحو الهجرة سقاها الأجداد بدمائهم الزكية و دفعوا من أجلها كل ما يملكون من أجل أن تكون لنا إرثا مقدسا و لمن سيأتي من بعدنا .

ويتكون الكتاب من أربع مئة و ستين صفحة من الحجم الصغير تأليف رودبيرت كونز و رولف ديتر مولر، تمت ترجمته من طرف الأستاذ حسن الغلبزوري و الاستاذ عبد المجيد عموري كما قام بمراجعته و إخراجه الغني عن التعريف الأستاذ عبد المجيد عزوزي، أما تصميم الغلاف فهو من إخراج المبدع الريفي محمد بنحتال (جوهرتي) ، وأخيرا يجب التنويه بلوحة الغلاف الخارجي التي ابدعتها أنامل فنان ومبدع كبير من جيل الرواد الاستاذ محمد عمار الذي أبى الا أن يضع بصمته المميزة في هذا العمل التاريخي ، من خلال عمل فني يختزل كل التراجيديا الريفية مع محنة الحرب الكيماوية، ذ. عمار المعروف بتصميم أغلفة اكبر المجلات الالمانيه و يساهم بفنه أيضا بالجرائد الالمانية المهمة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة