أقلام حرة

كريم مصلوح الحكم الذاتي أداة للديمقراطية

تشكل المؤسسات والإدارة الوسائل الرئيسية التي تعبٍّر عن طموح المجتمعات في الديمقراطية. وفي كلّ الدول توجَد مؤسسات وإدارة، لكن لا توجَد في كل الدول ديمقراطية، كما ليست فيها الإدارة جميعها فعالة ومحايدة وقادرة على تنفيذ القانون. ويمكن إعادة ذلك إلى أسباب وعوامل متنوعة بعضها عام يسري على مختلف الدول وبعضها خاص يعنى دول دون غيرها.

تكمن الأهمية القصوى للمؤسسات والإدارة في التعبير عن التحول الاجتماعي واستيعابه، وترجَمة الأشياء أو التحديات الجديدة التي يحملها المجتمع، كما تكمن أهميتها إذا كانت فعالة وناجعة ومحايدة في تنفيذ القانون والمشاريع. لهذا فالإدارة العاجزة أمام الواقع هي عقبة أمام التحول ومرَض يفتك بمستقبل المجتمع والدولة.
في الحالة الّتي نحن بصددها؛ وهي أهمية الحكم الذاتي في بناء الديمقراطية؛ يجب أن نقول إنّ الحكم الذاتي، مثله مثل باقي المؤسّسات والقواعد، ليس هدفاً في ذاته، إنما وسيلة لإقامة الديمقراطية. وبهذا المعنى؛ فإنّ الوسيلة يُمكن أن تكون جيدة إذا ما كان استخدامها فعالا ومرتبطاً بأهداف ديمقراطية رئيسية للدولة. والعكس صحيح أيضاً.
يمكن أن ينطوي الحكم الذاتي على مجموعة من الأدوار الإيجابية في المغرب: مثل تعزيز وضع المسؤولية في المكونات الجهوية والمحلية من خلال التعبير عن التحول الاجتماعي والحاجيات المحلية للسكان والجماعات، فيما يُمكن أن تعترض هذه الأداة مشكلات تتعلق بالقيم والمعايير والوضعيات الاجتماعية والقوى التي تمنع المؤسسات من أن تكون شفافة وناجعة، والإدارة من أن تكون قوية وفعالة ومحايدة ومبادرة.
عموماً، سأشير هنا في ثلاث فقرات مكملة لبعض جوانب الأهمية، وتحديات مثل هذا النظام:
1. الحكم الذاتي خطوة لتحمّل المسؤولية
يتميز هذا النظام بأنه يضع جزءا من المسؤولية في المواطنين والمجتمع، ويُحرّره من إلقاء مسؤولية التخلف في جهات وأطراف مركزية. لهذا فهذا النظام هو نظام لتحمل المسؤولية وليس مجرد نظام ينزع السلطات من المصالح المركزية ويضعها في مؤسسات جهوية ومحلية. وقد عانت الإدارة والسياسات العمومية المغربية على مرّ عقود ما بعد الاستقلال من تبعات عدم تحمّل المسؤولية التي يُفترَض أن يضعها القانون في المؤسسات والإدارة المحلية وتظهر بشكل ملموس في الحياة الواقعية، كما أسهمت بنية قانونية سلبية في إنتاج هياكل تعمل لصالح هرمية وتعليمات فوقية مُعيقة. بل واستفادت فئات من الفساد الناتج عن عدم تحمل المسؤولية تلك، وظهرت الإدارة عاجزة عن التعامل مع المظاهر السلبية المتزايدة في عمق المجتمع؛ (من قبيل تشييد الأحياء الشعبية العشوائية في العالم القروي وضواحي المدن، وغش المتعلمين والطلاب في منظومة التربية والتكوين، والتدخل البشري السلبي في البيئة..إلخ)، أو بأدوارها السلبية نتيجة وجود بعض الأشخاص عديمي المسؤولية على رأسها. فقد أضاعت البلاد عقودا من عدم تحمل المسؤولية من المؤسسات الموجودة في قاعدة المجتمع، وتبعيتها المطلقة لقواعد عمل إدارية تقوم بتدبير الأزمات وتجاوز المشكلات بأي ثمن لينجو الموظفون والمرؤوسون من المتابعة ويحافظوا على وضعهم الوظيفي وأجورهم، ويحققوا أغراضهم الخاصة. بينما تستدعى الإدارة المعاصرة تحمل المسؤولية في قاعدة المجتمع، والاستجابة لحاجياته العميقة بمسؤولية وصرامة لا لبس فيهما.
2. الحكم الذاتي وسيلة لقوة المجتمعات المحلية
بالنظر إلى أنّ الحكم الذاتي يُمكّن المؤسسات المحلية بأن تتبنّى سياسات فعلية في الميدان، فإنّ هذا النظام سيساعد المجتمعات المحلية بالانخراط المسؤول في شؤونها. ويُمكن أن نذكر منها تنظيم المدن، وحماية البيئة وتنظيم السكن. لكن الحكم الذاتي هو أداة مثلما أشرنا وليس غاية، فقد تكون تلك الأداة في أيادي فاسدة أو جاهلة. ولذلك فإنّ الإدارة يجب أن تكون قوية بالشكل المطلوب لإيقاف أشكال الاستغلال الفاسد لذلك النظام لتحقيق الفوائد الخاصة والضيقة مثل الفوائد الانتخابية، على حساب المصلحة العامة.
إنّ ما يجب أن نعي به، أنّ الإدارة لا يُمكن أن تقوم بالكثير دون الوعي بأهمية المراكز الأخرى التي تملك سلطة تأثير متزايدة. ولن تتحقق الفعالية في المجتمع دون إيجابية كل الفاعلين، كالمواطنين بوصفهم أفراداً أو جماعات. وبما أننا متأخرين جداً في العمل بهذا المبدأ؛ فإنّ التغيير الذي ينتظرنا يجب أن ينطلق من قواعد عمل جذرية وتاريخية.
3. الحكم الذاتي رهين بسياسة عامة للدولة وبوعي الحركات المدنية والسياسية في المغرب
يجب أن يشكل اقتناعنا ودفاعنا عن هذا النظام جزءاً من رؤية عامة، تتمثل في تعزيز رؤية أوسع لدور الدولة ومكانتها. ولا يَظهر أنّ القوى الاجتماعية والسياسية والمدنية في المغرب جاهزة لتبنّى هذا النظام، وذلك بالنظر إلى التقاليد والرساميل الموروثة، وبالنظر لهيمنة نمط من الإدارة الفوقية والحساسيات الترابية المتبادَلَة والمبالَغ في تقديرها. مثل النظر إلى جهة كالريف بوصفها نشازاً في هذا الإطار، بينما الواقع أنّ نظاما للحكم الذاتي يشمل الجهات من بينها الريف على أساس قواعد دستورية واضحة ونظام للإدارة يعي مسؤوليته يتطلّب سياسة عامة للدولة، ووعياً لدى الحركات المدنية والسياسية.
خلاصة القول؛ لا يمكن للنخب والهيئات المنظَّمة المُعارضة والراغبة في التغيير أن تتوقع ذلك التغيير الإيجابي دون تدخّلها وتوسيع أدوارها وتعاونها في قلب الواقع الاجتماعي.

الوسوم

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock